روايه ابني اللي خيب ظني بقلم انجي الخطيب
صرخ وأنا في الحمام، وصرخ وسط البخار، وصرخ وأنا واقفة تحت المية السخنة وساندة إيدي على الرخام البارد وبقول لنفسي بصوت واطي جداً أنا مش حمل تقيل، أنا مش خرفانة، أنا مش حتة عفش قديمة مستنية تترمي على الرصيف. لما خرجت بالبرنس وشعري مبلول، كان فيه 11 رسالة من أحمد، و من شاهيناز، ومكالمتين من رقم غريب.
فتحت رسايل أحمد الأول.. الغدر دايماً بيخليك تمد إيدك للنار مرة تانية، بس عشان تثبت لنفسك إنها لسه بتحرق.
ماما إنتي فين؟
ردي أرجوكي.
إنتي مشيتي في نص الليل.
شاهيناز هتموت من القلق.
خلينا نتكلم قبل ما الموضوع يكبر.
إنتي فهمتي غلط.
أرجوكي بلاش دراما.
الجملة الأخيرة دي خلتني أبتسم بسخرية.. بلاش دراما.
كنت واقفة حافية قدام شباك الجناح اللي حجزته في فندق فخم بوسط البلد، باصة على النيل وأول خيوط الشمس وهي نازلة على العمارات والعربيات اللي بدأت تظهر زي النمل تحت. المدينة كان شكلها غالي، وبارد، وعملي.. زي آلة مفيش في قلبها مكان للوجع. وده ساعدني.. الآلات مش بتشفق على حد، والصبح ده أنا كنت محتاجة قوة مش عطف.
رسايل شاهيناز جت بعدها، وكانت أوحش لأنها كانت متزوقة بزيادة
يا ماما طمنينا عليكي.
إحنا بس عاوزين مصلحتك.
أحمد حالته تصعب على الكافر.
موضوع
إنتي عارفة العيلة دي ضحت بقد إيه عشانك.
قريت الجملة دي مرتين.
العيلة ضحت بقد إيه.. مش أنا اللي ضحيت لما جوزي مات ودفعت مصاريف دراسة أحمد العليا؟ مش أنا اللي ضحيت لما شركته خسروا وسددت له القرض اللي مطلعش قرض؟ مش أنا اللي اتنازلت وقعدت في أوضة صغيرة في البيت اللي هو ملكي أصلاً عشان ابني ميحسش بالفشل قدام مراته؟ لأ.. التضحية بالنسبالهم كانت إنهم بيشموا نفس الهوا مع الست اللي بتصرف على السقف اللي فوق راسهم.
قفلت الموبايل ورحت أعمل قهوة.
على صوت ماكينة القهوة، افتكرت منصور. جوزي كان راجل صوته مبيعلاش أبداً، وده كان بيخلي كلامه لما ينطق بالحق ينزل زي رصاص. قبل ما يموت بسنين، وأحمد لسه طفل ويسألني هي النجوم مش بتتعب من اللمعان؟ منصور قال لي جملة عمري ما نسيتها الخوف يا نبوية مش إننا نحب ابننا بزيادة.. الخوف إننا نحميه بزيادة لدرجة إنه ميعرفش يعني إيه كلمة أصل ولا يقدر قيمة المعروف.
وقتها قلت له إنت قاسي عليه.. النهاردة بس، وأنا شايفة ابني بيبعت لي رسايل كأنه بيحاول يلم فضيحة قبل ما السقف يقع عليه، فهمت منصور كان قصده إيه. المعروف لو ملقاش أصل ي صونه، بيتحول ل حق مكتسب.. والحق المكتسب ده
كلمت الراجل الوحيد اللي أحمد لسه بيعمل له حساب.
متر هاني، المحامي اللي ماسك شغلنا من 23 سنة. راجل دقيق، مبيعرفش يجامل، وكلمته سيف. لما رد، مكنتش فاضية للسلامات.
هاني.. عاوزاك في الفندق الساعة 830، ومعاك كل ملفات البيت، والوصية، وأي محاولة حصلت للدخول على حساباتي في آخر 6 شهور.
سكت لحظة، وبعدين قال لي بصوت هادي عملوا إيه يا ست نبوية؟
بصيت للنيل وقلت كانوا عاوزين يرموني.. ولو خمنت صح، شاهيناز مكنش غرضها الدار، كان غرضها اللي بعد الدار.
هاني مَشَهَقش ولا اتفاجئ، وده اللي بيخليني أثق فيه. قال لي أنا جاي.. ومتصليش بحد ولا تردي على حد، سيبيهم هما اللي يتكلموا.
طلبت فطار ماليش نفس فيه وأكلت غصب عني.. الحرب محتاجة أعصاب وسكر مظبوط. قعدت أراجع شريط حياتي، جوازي، وتربيتي لأحمد، وكل قرار خلاني أنتهي في أوضة خلفية في بيتي وأنا لابسة التواضع كأنه تنكر.. تنكر نجح زيادة عن اللزوم لدرجة إنهم صدقوا إني ضعيفة.
الناس بتشوف اللي إحنا بنسمح لهم يشوفوه.
بعد ما منصور باع المصنع من 12 سنة، الفلوس كانت تعمل ضجة لو كنت عاوزة. بس أنا رفضت المظاهر. منصور استثمر بذكاء في حاجات مملة زي المخازن والعقارات..
لما منصور مات، هاني صمم إن كل حاجة تبقى متأمنة.. صناديق استئمان، شركات قابضة، حماية ملكية. منصور كان عارف إن الفلوس ممكن تفسد الولد زي ما ممكن تحميه، فمخلاش الخريطة كلها في إيد أحمد وهو لسه صغير وطموحه لسه متجربش.
أنا وافقت.. لأن وقتها أحمد كان لسه ابن أصول.
أحمد مكنش ابني من بطني، كان ابني اللي قلبي اختاره وبنيته من الصفر. منصور كان بيقول دايماً إن فيه قدسية في الطفل اللي بتحبه قبل ما يشبهك في الملامح. لما كان عنده 7 سنين،وقت الرعد. لما بقى 14، كان بيساعد جيراننا العواجيز من غير ما حد يعرف. لما مات منصور، عيط لدرجة إن كتفي وجعني من ضغطة إيده. كل ده مكنش تمثيل.
وده اللي بيخلي الوجع أكبر.. الغدر لو جه من غريب بيبقى مفهوم، لكن لما الإيد اللي ماسكة السكينة تكون هي نفسها الإيد اللي كنت بتمسكها وأنت بتعدي بيها الشارع.. الوجع هنا ملوش علاج.
نقلت عيشتي معاهم من سنتين.. هاني حذرني، وصحابي حذروني. بس أحمد كان باين عليه التعب، وشاهيناز كانت حامل، وشركته كانت