روايه ابني اللي خيب ظني بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

الساعة كانت اتنين وتلاتة فجرًا.. وسمعت مرات ابني بتخطط في السر عشان ترميني في دار مسنين. اللي مكنتش تعرفه إن البيت ده ملكي، وإني شايلة قرشين كويسين للزمن، والأهم.. إني كنت على وشك أكشف كل حاجة.
في الوقت ده، سمعت شاهيناز وهي بترسم مستقبلي بنفس النبرة الباردة اللي بتطلب بيها ديليفري أو بتحجز ميعاد عند الكوافير.
بكرة الصبح هنوديها الدار، كل حاجة مترتبة خلاص، شاهيناز كانت بتهمس في التليفون وهي فاكرة إني نايمة.
بس أنا مكنتش نايمة.
انجي الخطيب 
في سني ده، النوم مش بييجي بسهولة، بييجي تقيل ورخم، ومبيظهرش غير لما هو يعوز. ليلتها كنت صاحية في أوضتي الصغيرة اللي في آخر الشقة، باصة للسقف، وسامعة زنة التلاجة، وصوت تنقيط الحنفية في الحمام، وصوت خطوات شاهيناز الخفيفة وهي بتتحرك في المطبخ.
كل حاجة كانت بتبان عادية.. لحد ما سمعت اسمي.
قلبي دق جامد لدرجة إني حطيت إيدي عليه عشان أهدي النبض. أول حاجة حسيت بيها مكنتش زعل.. كان خزي.
نوع وحش وحراق من الكسرة، لما الست تحس إن عيالها اللي ضحت بكل حاجة عشانهم مبقوش شايفينها أم، ولا حتى بني آدمة.. بقيت مجرد حمل تقيل.
قمت من السرير ببطء، والجلابية لازقة على جسمي من عرق بارد، وفتحت الباب حتة صغيرة عشان أشوف المطبخ.
شاهيناز كانت واقفة مدياني ضهرها تحت نور المطبخ الأصفر، إيد على الرخامة

وإيد ماسكة الموبايل. كانت بتتكلم بصوت واطي، بس مش واطي كفاية.
لأ، هي متعرفش حاجة، قالت وهي بتكمل أحمد موافق.. إحنا بس محتاجينها تمضي على شوية ورق. هنقولها إنها مجرد زيارة، تتفرج وتغير جو، وأول ما تبقى هناك، هيبقى سهل نقنعها تقعد.
ركبي سابت، ومسكت في طرف الباب عشان مقعش.
وبعدين ضحكت.
ضحكة قصيرة، عادية، كأنها بتحكي عن مشكلة بسيطة.
مبقيناش قادرين نعيش كدة.. بقالنا سنين بنتعامل مع الموضوع ده.
الموضوع ده.
مش أنا.
مش نبوية.
مش الست اللي بتطبق غسيلهم، وبتقف مع العمال، وبتطبخ نص أكلهم، وبتصحى قبل الكل عشان تعمل القهوة.
بقت تسميني الموضوع ده.
واللي وجعني أكتر لما قالت أنا سألت وعرفت، لو قدرنا نثبت إن عندها خرف أو بدايات زهايمر، ممكن ناخد دعم مادي ومعاشها يبقى في إيدنا. لازم نلعبها صح.
فلوس.. معاش.. مصلحة.
هنا الكسرة اتحولت لحاجة تانية خالص.. حاجة أنضف وأبرد بكتير غضب.
رجعت أوضتي في الضلمة من غير ما تحس بيا. قفلت الباب وفضلت أتنفس بصعوبة وأنا باصة لصورة جوزي الله يرحمه على التسريحة. منصور كان بيبتسم في الصورة نفس الابتسامة الهادية اللي عاش بيها.
همست له شوفت يا حاج.. شوفت آخرة صبري؟
مدمعتش.
في جروح بتبقى حامية لدرجة إنها بتنشف الدموع.
مضيعتش وقت في لم ذكريات ولا هدوم. لما الكرامة بتبقى في الميزان، الحنين بيبقى رفاهية ملهاش
لزمة.
أخدت شنطة إيدي، حطيت فيها محفظتي، موبايلي، البطاقة، ظرف فيه مبلغ شايلاه للطوارئ، وعلبة دهب صغيرة فيها خاتمين ومدالية فضة غالية عليا. لبست عبايتي فوق الجلابية، وغيرت الشبشب بالكوتشي اللي بتمشى بيه الصبح.
واستنيت.
استنيت نور المطبخ يطفي.
استنيت خطوات شاهيناز وهي طالعة تنام.
استنيت باب أوضتهم يقفل.
واستنيت شوية كمان، عشان الغدر نومه تقيل.
وبعدين خرجت.
مشيت في الصالة على طراطيف صوابعي زي الحرامية، في البيت اللي أنا اللي مركبة ستائره، وصارفة على توضيبه، وطابخة فيه مية عزومة. عدّيت من جنب السفرة اللي ياما قعدت عليها لوحدي ألم الأطباق وهم بيضحكوا قدام التليفزيون.
عند باب الشقة، صوابعي كانت بتترعش وأنا بفتح الترباس.
لثانية واحدة، تمنيت الصوت يصحيهم. كان نفسي أحمد ابني يخرج ويشوفني وأنا إيدي على الأكرة، عشان أبص في عينه وأسأله سؤال واحد
من إمتى وأمك بقت شيء قديم وعاوز تخلص منه؟
بس مفيش حد صحي.
فتحت الباب ببطء.. الهوا الساقع خبط في وشي، ورغم كدة، عمري ما خدت نَفَس بالراحة دي في حياتي.
مكنتش عارفة هروح فين بالظبط.
كنت عارفة بس أنا مش هرجع فين تاني.
الشوارع كانت هادية سكون الفجر. النور الضعيف بتاع العواميد، ريحة الندى على الرصيف، وصوت كلب بينبح من بعيد. مشيت شارع.. واتنين.. وتلاتة.
ومع كل خطوة، الخمس سنين اللي فاتوا
كانوا بيمروا قدام عيني كأنهم شريط سينما مكسور.
أول إهانة جت في شكل هزار.
يا ماما كفاية عيش بلاش تتخني، في سنك ده الحركة بتبقى تقيلة، شاهيناز قالتها وهي بتضحك وهي بتغرف الأكل.
أنا ضحكت وقتها.
وده كان غلطي.
بعدها بدأت الجمايل.
ممكن تقعدي عشان السباك جاي؟
ممكن تغسلي الهدوم البيضا عشان الشغالة مجاتش؟
ممكن تعملي غدا النهاردة عشان أنا هبطانة؟
ممكن تقعدي في أوضتك عشان أصحابي جايين والبيت ميبقاش زحمة؟
أحمد في الأول كان بيشكرني.
يا أمي إنتي البركة.
يا أمي منعرفش نعيش من غيرك.
بس الشكر لما بيزيد عن حده بيبقى حق مكتسب، والحق المكتسب بيتحول لقلة قيمة.
مبقتش ماما، بقيت الشغالة اللي بلاش.
محدش بقى يسألني نفسك في إيه؟، بقوا يبلغوني إحنا محتاجين إيه.
ماما، شاهيناز بتقول الرز كان مالح.
ماما، متتحسسيش بزيادة، الدنيا مش مستاهلة.
متتحسسيش بزيادة.. الكلمة السهلة اللي بيقولها الناس القاسية عشان ميعترفوش بظلمهم.
بس الأوّجع من كلام شاهيناز، كان سكوت ابني أحمد.
ابني اللي شيلته في عيني، اللي جالي بعد سنين حرمان وتعب، كان قاعد سامع مراته وهي بترميني زي العفش القديم.. وساكت.
دي كانت اللحظة اللي فوقت فيها.
واللي أحمد وشاهيناز ميعرفهوش، وأنا ماشية في الشارع الساعة اتنين وتلاتة فجرًا..
إن البيت اللي نايمين فيه ده.. ملكي أنا.
الساعة كانت 607
صباحاً، والموبايل بدأ يصرخ تاني..
مش بيرن، لأ.. ده كان بيصرخ.
 

تم نسخ الرابط