الدكاترة قالو مش قدامي ايام بقلم نور محمد

لمحة نيوز

الدكاترة قالوا مش قدامي أكتر من تلات أيام بس اللي جوزي ميعرفوش إن أنا سمعت كل كلمة، والكلمات دي هي اللي هتنقذني أو تقتلني بس مش هتعدّي كده وخلاص.
في قسوة غريبة في صوت الأجهزة وهي بتصفر ببرود، كأنها بتراقب روحي وهي بتتسحب مني على الهادي.. جهاز التنفس مش فارق معاه مين اللي بيتنفس من خلاله، والمنبه بتاع القلب مش هيغير دقاته عشان خاطر الحياة أو الأمل.. وريحة المستشفى المعقمة دي هي هي، سواء كنت خارج منها على رجلك أو على نقالة.. وأنا مرمية هنا، مش قادرة أتحرك ولا حتى أرمش، متغطية بملايات بيضاء حسستني بالاستسلام أكتر ما حسستني بالراحة.. وقتها بس عرفت إن المرض مكنش هو الخطر الحقيقي في حياتي.
اسمي نورا السلحدار.. بقالي 12 سنة فاكرة إني بنيت مملكة متهدش، مش بس شركة عقارات ضخمة الكل بيحكي عنها في بيزنس نيوز وصورها مالية المجلات، لأ.. ده أنا كنت فاكرة إني بنيت بيت وجواز زي المركب اللي ليها مرسى، في مدينة الغلطة فيها بتتاكل بصاحبها.
لكن في لحظة واحدة كل ده بدأ ينهار.
موقعتش فجأة.. جسمي بدأ يخذلني بالتدريج.. تنميل، دوخة، فقدان توازن، لحد ما لقيت نفسي في حفلة خيرية كبيرة، الكأس وقع من إيدي واتكسر على الأرض الرخام، وصوت الناس بدأ يبعد

عني تدريجياً.
وبعدها سواد.
سموه انهيار عصبي حاد.. مفاجئ ومدمر.. ولما فوقت لو ينفع أسميه فوقان لقيت نفسي محبوسة جوه جسمي.. واعية لكل حاجة بس مش قادرة أهز صباع واحد.. بسمع تصفير الأجهزة وهي بتعد أيامي اللي فاضلة.
الدكتور قالها ببرود
72 ساعة لو الحالة ما تحسنتش، هنبدأ الإجراءات النهائية.
وأنا كنت سامعة كل كلمة.
مش بس سامعة فاهمة.
أدهم كان واقف جنبي أول ما فتحت عيني.. أو بمعنى أصح أول ما عيني فتحت غصب عني.
بدلة شيك، ملامح هادية زيادة عن اللزوم، عينين مش بتبان فيها حاجة واضحة.
لكن أنا عارفاه كويس.
عارفة إن الهدوء ساعات بيبقى أخطر من الصريخ.
إيده كانت جنب السرير، مش ماسكة إيدي.. كأنه بيحط مسافة محسوبة بينه وبين أي إحساس.
يوم الثلاثاء الصبح، دخل دكتور شريف، استشاري المخ والأعصاب، ومعاه الملف بتاعي.
قال بصوت مهني
الحالة حرجة جداً غيبوبة شبه كاملة مفيش استجابة واضحة قدامنا 72 ساعة على الأكثر.
سكت لحظة وبص لأدهم
حضّروا نفسكم لأي تطورات.
أدهم هز راسه بهدوء.
بس عيني أنا كانت شايفاه كويس شايفة إن جواه حاجة مش راكدة زي شكله.
أول ما الدكتور خرج، الأوضة سكتت.
بس السكون ده ما كانش راحة كان انتظار.
أدهم قرب مني، وصوته نزل لأول مرة
هنشوف لحد
فين ممكن الموضوع يوصل
وبعدها سكت.
لكن أنا سمعت.
سمعت كل حاجة.
مرت ساعات تقيلة.
الأجهزة بتعد أنفاسي بدل ما أنا أعدها.
وجسمي مش ملكي.
لكن في العمق حاجة صغيرة بدأت تتحرك.
إحساس خفيف في صباع إيدي الشمال.
رعشة.
مش أكتر.
لكن كفاية تخلي قلبي اللي مش بيتحرك يصرخ جوايا
أنا لسه هنا.
الدكتور رجع بسرعة، بص على الأجهزة وقال باندهاش
في نشاط عصبي مش طبيعي في الحالة دي.
أدهم لفله بسرعة يعني إيه؟
الدكتور رد وهو بيقرب
يعني ممكن يكون في وعي جزئي بيرجع.
الصمت وقع على الأوضة.
وأنا للمرة الأولى
حسيت إن الباب اللي كنت محبوسة وراه بيتفتح سنة صغيرة.
وعيني اتحركت.
نقطة بسيطة.
لكنها كانت كفاية تغيّر كل حاجة الصمت في الأوضة كان تقيل تقيل لدرجة إن صوت الأجهزة بقى أعلى من أي كلام.
بيب بيب بيب
بس المرة دي الصوت ما كانش روتيني.
كان أسرع.
وأنا جوا جسمي، حسيت بحاجة زي شرخ في الضلمة اللي حواليا.
الدكتور قرب بسرعة من السرير، عينه على الشاشة مش عليا
في استجابة عصبية أوضح ركزوا معايا.
ممرضة دخلت بسرعة، صوت خطواتها بيكسر الهدوء
حضرتك عايز نبدأ فحوصات جديدة؟
الدكتور ما ردش فورًا كان مركز، كأنه بيقرأ حاجة مش في التقارير.
وبعدين قال
لا دي مش مجرد غيبوبة.
أدهم اتجمد
مكانه
يعني إيه مش مجرد غيبوبة؟
الدكتور بصله لأول مرة بجدية كاملة
فيه حالة نادرة المريض بيبقى واعي جزئيًا بس الجسم مش مستجيب. زي سجن كامل.
الكلمة دي وقعت عليا كأنها مفتاح.
سجن.
وأنا فعلًا كنت جواه.
جوا جسمي، حاولت أركز.
أول مرة أحس إن أنا مش بس بتسمع لأ، كمان بتحاول ترد.
ركزت في صباعي.
مرة تانية رعشة.
أقوى.
وبعدين حركة خفيفة في إيدي كلها.
الجهاز صرخ
بيب!
الممرضة شهقت
النبض بيعلى!
أدهم اتقدم خطوة
هي بتفوق؟
الدكتور ما ردش بسرعة كان عينه عليا، كأنه بيحاول يفهم حاجة أعمق من الطب نفسه.
وبعدين قال بهدوء
هي مش بتفوق هي بتقاوم.
في اللحظة دي حصل حاجة غريبة.
صوت الأجهزة بدأ يبان أبعد.
كأن في مسافة بيني وبين المستشفى كله بتتفتح.
وأنا لأول مرة من أيام حسيت إن في باب صغير جوا دماغي بيتحرك.
ذكريات.
صورة حفلة.
إضاءة قوية.
ناس بتضحك.
وكأس وقع على الأرض
وبعدها فراغ.
لكن في الفراغ ده كان في حاجة مش منطقية.
مش مرض.
مش إرهاق.
في حاجة اتحطت جوا جسمي.
الدكتور قال فجأة
نجيب أشعة فورًا. دلوقتي.
أدهم بصله
في خطر؟
الدكتور رد وهو ما بيشيلش عينه من الشاشة
في حاجة مش مفهومة ودي أخطر من أي تشخيص.
وأنا جوا جسمي
حسيت بإحساس جديد تمامًا.
مش ألم.
مش ضعف.
إحساس
كأن حد بيشدني من الضلمة.
وبصوت مش مسموع بس واضح جوا دماغي
افتحي عينيك.
عيناي اتحركت.
مرة تانية.
بس المرة دي
تم نسخ الرابط