رقعت في اليمن
الورقة اسما إذا عرفه أهل السوق سيجعلهم يغيرون نظرتهم لك ويبدأون يطاردونك بالسؤال والفضول.
ثم همس لها بجملة جعلت وجهها يشحب فجأة كأنها تعرف الاسم قبل أن تقرأه وقال لها أنا لا أريد شهرة ولا شكرا لكنني أعرفك يا أمي وأعرف قصتك منذ زمن.
الأم تراجعت خطوة وقالت من أنت وكيف تعرفني فقال لها بصوت منخفض أنا واحد من الذين ظننت أنهم نسوك لكنهم ما نسوك.
ثم نظر إلى الأسطوانة فوق رأسها وقال لا تحملينها بعد اليوم لأن هذه الأسطوانة كانت السبب في موت رجل عزيز عليك قبل سنوات.
سقطت الكلمات على الأم كالصاعقة وبدأت دموعها تزيد لأن الرجل لمس جرحا قديما لا يعرفه إلا أهل البيت.
وفي اللحظة التي حاولت أن تسأله أكثر كان قد ابتعد وسط الزحام كأنه ذاب في السوق وتركها واقفة والورقة في يدها والمال في يدها والناس حولها لا يفهمون.
فتحت الأم الورقة أخيرا حين ابتعد الجميع ورأت اسما واحدا مكتوبا بخط واضح جعلها تصرخ بصمت لأن الاسم كان اسم ابنها الذي قالت للناس إنه مسافر لكنه كان تحت الاسم سطر آخر يقول أنا راجع الليلة ومعي سر لو عرفته اليمن كلها هتتغير
تجمدت الأم في مكانها كأن الأرض سحبت منها فجأة والورقة ترتعش بين أصابعها والعالم حولها صار صوتا بعيدا لا
الاسم كان واضحا اسم ابنها الذي دفنته في قلبها منذ سنوات وعلمت نفسها أن تقول للناس إنه مسافر لأن كلمة ميت كانت أقسى من أن تنطق.
كانت تقول دائما ولدي مسافر بيرجع يوما.
لكنها كانت تقولها لنفسها أكثر مما تقولها للناس.
الفتاة الصغيرة شدت طرف عباءتها
ماما ليش تبكي
الأم مسحت دموعها بسرعة لكن هذه المرة لم تكن دموع حزن فقط كانت دموع خوف وأمل وصدمة تجمعت كلها في لحظة واحدة.
همست
ولا شيء يا بنتي بنرجع البيت.
لكن قلبها كان يقول
إن كان هذا حقيقي فالدنيا ليست كما ظننت.
عادت إلى بيتها الصغير في طرف الحارة البيت الذي كانت تخاف أن يغلق بابه في وجهها بسبب الإيجار.
الأطفال جلسوا حولها ينتظرون الطعام لكنها كانت شاردة تنظر إلى الورقة مرة بعد مرة كأن الاسم قد يختفي إن رمشت.
قرأت السطر الثاني مرة أخرى
أنا راجع الليلة ومعي سر لو عرفته اليمن كلها هتتغير.
ارتجفت يداها.
ولدها حي
أين كان
ولماذا لم يعد
وما السر الذي قد يغير اليمن كلها
كانت آخر مرة رأت فيها ابنها قبل سبع سنوات يوم خرج ليعمل مع رجل في تجارة الغاز بعد وفاة أبيه.
ثم جاءها الخبر
انفجار أسطوانة
موت عاملين
جثث متفحمة
ولا أحد يعرف من مات ومن نجا.
قالوا لها
ابنك كان بينهم.
لكن الجثة
ومنذ ذلك اليوم
صارت أسطوانة الغاز بالنسبة لها شيئا يشبه القبر.
ومع ذلك كانت تحملها فوق رأسها لتعيش.
حل الليل ببطء ثقيل.
كل صوت في الحارة كان يجعل قلبها يقفز.
كل ظل على الباب كان يوهمها أنه هو.
الأطفال ناموا لكنها لم تنم.
جلست قرب الباب الورقة في يدها والمبلغ الذي أعطاها الرجل تحت وسادتها كأنها تخاف أن يكون حلما.
وقبيل منتصف الليل
سمعت طرقا خفيفا.
لم يكن طرقا قويا
بل طرقا يعرف البيت.
تجمدت.
عاد الطرق
نفس الإيقاع القديم الذي كان ابنها يطرقه حين يعود متأخرا حتى لا يوقظ الجيران.
وقفت ببطء قدماها لا تحملانها.
وضعت يدها على الباب
ترددت لحظة
ثم فتحته.
كان واقفا أمامها.
أكبر
أنحف
في وجهه تعب سنوات
لكن عينيه نفس عيني الطفل الذي كان يركض في الحارة.
لم تستطع أن تقول اسمه.
لم تستطع أن تتحرك.
هو قال أولا بصوت مكسور
أمي
انفجر الزمن كله في تلك الكلمة.
صرخت باسمه وسقطت في صدره تبكي بكاء سنوات دفعة واحدة كأن قلبها كان محبوسا وفتح بابه أخيرا.
كان يضمها بقوة يكرر
سامحيني سامحيني يا أمي أنا ما مت.
بعد أن هدأت قليلا أدخلته البيت ولم تصدق أنها تلمس وجهه بيديها.
قالت
أين كنت يا ولدي كيف عشت لماذا تركتني أظن أنك مت
جلس أمامها وعيناه
قال
يا أمي أنا ما اختفيت بإرادتي.
الانفجار الذي قالوا لك عنه لم يكن حادثا.
ارتجف قلبها.
قالت
كيف
قال ببطء
كان تهريب أسطوانات مغشوشة ومواد خطيرة داخلها.
الشركة كانت تبيعها للناس والناس تموت وهم يقولون قضاء وقدر.
وأنا اكتشفت.
توسعت عيناها.
همس
يوم الانفجار أنا نجوت.
لكنهم ظنوني مت وأنا هربت لأنهم كانوا يريدون قتلي لأني شاهد.
سكت لحظة ثم قال
سبع سنوات وأنا أجمع الأدلة وأحاول أعيش باسم غير اسمي.
والرجل الذي أعطاك المال اليوم هو الوحيد الذي ساعدني وراقبك من
بعيد حتى يطمئن أنك بخير.
دموعها سقطت مجددا.
قالت
والسر
نظر إليها مباشرة
يا أمي الأسطوانات التي تقتل الناس في اليمن ليست عيوبا عادية.
شبكة كاملة أسماء كبيرة ومسؤولون.
وكل شيء موثق عندي.
سكت ثم قال الجملة التي جعلت الليل كله يرتجف
غدا الحقيقة ستخرج.
وغدا اليمن ستعرف لماذا مات كثيرون مثل أبي.
وضعت الأم يدها على رأسه وقالت
الحمد لله أنك حي والباقي على الله.
ثم نظرت إلى زاوية البيت حيث كانت أسطوانة الغاز التي حملتها صباحا.
اقترب ابنها منها وضع يده عليها وقال
هذه كانت بداية موتي.
وغدا ستكون بداية كشفهم.
وفي تلك الليلة
نامت الأم لأول مرة منذ سنوات بلا
لأن ولدها الذي قالت إنه مسافر
عاد.
لكن هذه المرة
لم يعد ابنا فقط.
عاد شاهدا
وقد تغير قدره وقدر وطن.