رقعت في اليمن
قصة حقيقية وقعت في اليمنكنت في طريقي من سوق عنس وكنت أحسبها وقفة عابرة أشتري شيء وأكمل لكن القدر أحيانا يوقفك عند مشهد يغير داخلك شيء لا يرجع كما كان.
توقفت قليلا في حراج الصافية وبين الزحام والنداءات والناس التي تساوم على كل شيء لمح بصري سيدة في منتصف العمر تحمل أسطوانة غاز فوق رأسها.
كانت تمشي ببطء لأن الحمل ثقيل وبجوارها طفلان وفتاة صغيرة يمشون خلفها كأنهم ظلها وكأنهم يعرفون أن الخطأ هنا ليس خسارة صفقة بل خسارة بيت.
كانت الأم تحاول بيع الأسطوانة بأي ثمن لتسدد إيجار البيت لكن الغريب أنها رغم ضيقها كانت ترفض أن تباع بخسا كأن كرامتها آخر شيء تملكه.
كانت تقول للناس هذه قيمتها كذا وأنا ما معي غيرها وأنا مضطرة للإيجار لكن لا تظلموني أكثر مما ظلمتني الدنيا.
بعضهم كان يساومها ببرود وبعضهم يضحك وبعضهم ينصحها أن ترضى بأي مبلغ لأن الحاجة لا تعرف سعر السوق.
والأطفال كانوا ينظرون لوجوه الرجال بنظرات
وقفت أراقب من بعيد وأنا أسمع صوتها يتكسر بين الرجاء وبين القوة التي تتظاهر بها حتى لا تنهار أمام أولادها.
وفجأة جاء رجل غريب اقترب منها بأدب جم لم يرفع صوته ولم يساوم ولم يلمع في عينيه طمع السوق بل كانت عيناه هادئتين كأنهما جايئتان من مكان آخر.
سألها عن السعر فذكرت له الرقم ثم لم تستطع أن تمنع الحزن من صوتها فقالت له أنا محتاجة أدفع الإيجار اليوم وما معي غير هذه الأسطوانة.
كانت تتكلم وهي تحاول أن تثبت الأسطوانة فوق رأسها بيد وأن تمسك يد ابنتها باليد الأخرى كأنها تمسك الحياة من طرفها الأخير.
الرجل ظل صامتا لحظة وكأنه يقيس وزن الأسطوانة ووزن الهم الذي فوقها معا ثم قال لها بهدوء كم الإيجار الذي يطالبونك به.
قالت له الرقم وهي تخجل كأنها تعتذر لأنها فقيرة فقال لا تخجلي يا أمي الفقر ما هو عيب العيب أن يكسر الإنسان وهو صابر.
ثم
قال لها يا أمي هذه قيمتها الحقيقية ولا تفرطي بحقك ولا تسمحي لأحد يشتري وجعك بسعر رخيص.
تجمعت العيون من حولهم فجأة لأن المال حين يخرج بهذا الشكل يلفت السوق كله والناس تحب أن ترى المشهد حتى لو لم تساعد.
الأم انهمرت دموعها وكأنها كانت تنتظر لحظة واحدة تقول فيها للدنيا أنا تعبت لكنها حاولت تمسح دمعتها بسرعة حتى لا يراها أولادها.
لكن الرجل مد يده ومسح دموعها بلطف وقال لا تبكي يا أمي هذا حقك فقط وأنا ما عملت شيء غير واجب.
الطفلان كانا ينظران للرجل بذهول كأنهما يريان للمرة الأولى أن هناك من يستطيع أن يكون رحيما دون مقابل.
والفتاة الصغيرة شدت ثوب أمها وهمست لها ماما خلاص بنرجع البيت فابتسمت الأم وسط الدموع لكنها كانت لا تصدق أن الأزمة قد تنتهي بهذه البساطة.
الرجل قال للأم خذي المال واحتفظي
تجمدت الأم للحظة لأن كلمة طلب بسيط في السوق قد تحمل خلفها استغلالا جديدا وقد تكون بداية وجع آخر.
قالت له بصوت مرتعش خير يا ولدي وش تبغى وأنا ما معي غير الدعاء فقال لها لا أريد منك مالا ولا خدمة.
ثم أشار إلى الأطفال وقال أريدك أن تعديني أمامهم أنك إذا وقفت يوما محتاجة لن تبيعي كرامتك ولن ترمي أولادك للناس.
قالت له وأنا كيف أعيش إذا ضاق بي الحال فقال لها إذا ضاق بك الحال تعالي إلى العنوان الذي سأكتبه لك الآن واسألي عن فلان ولا تخافي.
ثم أخرج ورقة صغيرة وكتب شيئا سريعا ووضعها في يدها لكن قبل أن تنظر فيها قال لها شرط واحد لا تفتحي الورقة الآن أمام الناس.
الناس كانت تراقب والأم كانت ترتجف لأن الرجل لم يكن يشبه أي متسوق ولم تكن هديته تشبه أي صدقة بل كانت تشبه رسالة لها سبب خفي.
سألته الأم لماذا لا أفتحها