جه بليل

لمحة نيوز

لقيت ورقة بتاريخ اليوم اللي اتطلقت فيه من عبد الرحمن.
فتحتها.
وكان أول سطر
وتين، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى السنة عدت، ووقتها هتكوني عارفة إذا كان قرارك بالبعد عن عبد الرحمن كان صح، أو إنكم قدرتوا تصلحوا اللي بينكم.
قعدت على الكرسي وكملت.
لكن في حاجة ماعرفتوشا وقتها.
قلبي دق بسرعة.
قبل الطلاق بشهر، عبد الرحمن جه لي وقال إنه عايز يحاول يصلح كل حاجة، لكنه طلب مني ماقولكيش.
اتصدمت.
يعني عبد الرحمن كان بيتكلم مع بابا قبل الطلاق؟
كملت القراءة
قال لي إنه مش عايز يخسرك، لكنه كان مقتنع إنك مبقتيش عايزاه. وأنا نصحته إنه يتكلم معاكي بنفسه، لكنه خاف إن كلامه يزيد الخلاف.
وقفت عن القراءة.
كل حاجة بدأت تتجمع في دماغي.
عبد الرحمن كان بيحاول.
وأنا كنت بحاول.
لكن كل واحد فينا كان بيحاول في صمت.
وفي آخر الرسالة كان فيه سطر
لو رجعتوا لبعض، افتحي الدرج الصغير في مكتبي، هتلاقي فيه شيئًا يخص رِقة.
قومت فورًا.
فتحت درج المكتب.
لقيت ظرف صغير باسم رِقة.
فتحته.
جواه صورة قديمة جدًا لرِقة وهي رضيعة، ومعاها ورقة مكتوب عليها
دي أول صورة لأسرتنا.
وقفت قدام الصورة ودموعي نزلت.
لكن كان فيه شيء تاني داخل الظرف.
مفتاح صغير.
ومكتوب
المفتاح ده يفتح صندوق موجود في بيت عبد الرحمن القديم.
في اللحظة دي، دخل عبد الرحمن.
شاف المفتاح في إيدي.
وسكت.
بصيتله وقلت
إنت كنت عارف عن المفتاح ده؟
وشه اتغير.
قال
أيوه.
اتصدمت.
وعرفت ليه ماقلتليش؟
قال
لأني وعدت والدك إني مش هفتح الصندوق إلا لما تكوني عارفة كل الحقيقة.
سألته
وإيه الحقيقة اللي لسه ماعرفتهاش؟
سكت طويلًا.
ثم قال
الصندوق مش فيه فلوس، ولا عقود، ولا أي حاجة تخص الشغل.
قلت
أمال فيه إيه؟
رد بهدوء
فيه حاجة والدك كتبها لي قبل جوازنا.
إيه هي؟
قال
وصية.
بصيتله باستغراب.
وصية بإيه؟
قال
إن لو في يوم حصل بينا خلاف كبير، ما نحكمش على حياتنا من خلال لحظة غضب.
سكت لحظة.
وكان كاتب جملة أخيرة.
سألته
إيه؟
بص لي وقال
قال إن رِقة مش المفروض تكون سبب رجوعنا لبعض... لكن تكون شاهد على إننا لو اخترنا بعض، لازم نختار بعض عن اقتناع.
فضلت ساكتة.
لأول مرة فهمت إن والدي ماكانش بيحاول يقرر مصيرنا.
كان بس بيحاول يمنعنا من اتخاذ قرار كبير وإحنا غاضبين.
بصيت لعبد الرحمن وقلت
طب الصندوق فين؟
قال
لسه موجود.
قلت
يبقى نروح نفتحه.
هز راسه.
وفي اليوم التالي، رحنا سوا للبيت القديم.
فتح عبد الرحمن الباب.
دخلنا.
كل حاجة كانت زي ما هي.
المكان اللي شهد أسوأ أيامنا...
كان لسه محتفظ بأول أيامنا الحلوة.
وصلنا لغرفة المكتب.
فتح الدرج السفلي.
كان فيه صندوق خشبي صغير.
عبد الرحمن حط المفتاح.
وقبل ما يفتحه، بصلي وقال
جاهزة؟
بصيتله وقلت
المرة دي... أيوه.
فتح الصندوق.
لكن أول ما شفت اللي جواه...
اتجمدت مكاني.
لأن الصندوق كان مليان رسائل.
وكل رسالة عليها تاريخ مختلف.
وأول رسالة كان مكتوب عليها
إلى وتين... ليلة زواجك من عبد الرحمن.
أما آخر رسالة...
فكان تاريخها بعد طلاقنا بيوم واحد فقط.
وهنا فهمت إن والدي كان يعرف إن الحكاية بيننا لسه ما انتهتش مديت إيدي ناحية أول رسالة، لكن عبد الرحمن وقفني.
قال بهدوء
اقري الأخيرة الأول.
بصيتله باستغراب.
ليه؟
قال
يمكن تفهمينا كل حاجة.
مسكت الرسالة اللي بتاريخ اليوم اللي بعد طلاقنا.
فتحتها.
كان أول سطر
وتين...
لو بتقري الكلام ده، يبقى اللي كنت خايف منه حصل، وإنتِ وعبد الرحمن افترقتوا.
قلبي دق بسرعة.
كملت
بس أنا مش هقولك ترجعي له، ومش هقولك تسيبيه. القرار ده عمره ما كان قراري.
سكت لحظة، وبعدين قرأت
أنا بس عايزك تعرفي إن عبد الرحمن في اليوم اللي سبق الطلاق، جه لي وقال إنه مستعد يتنازل عن حاجات كتير علشان يحافظ على بيته، لكنه كان شايف إنك خلاص أخدتي قرارك.
نزلت الورقة من إيدي.
بصيت لعبد الرحمن.
قلت
إنت رحت لبابا قبل الطلاق؟
هز راسه.
أيوه.
ليه ماقلتليش؟
قال
كنت فاكر إنك لو عرفتي، هتحسي إني بحاول أضغط عليكي.
سكت.
رجعت أكمل الرسالة.
ولو في يوم رجعتوا لبعض، ماتعتبروا الرجوع انتصار لحد منكم على التاني.
اعتبروه اتفاق جديد.
اتفقوا إن مفيش كلمة هتتخزن جواكم.
مفيش زعل هيتساب من غير كلام.
ومفيش قرار كبير هيتاخد وإنتوا غضبانين.
دموعي نزلت.
وفي آخر الصفحة كان مكتوب
أما لو ما رجعتوش لبعض، فبرضه أتمنى تفضلوا أب وأم صالحين لرِقة، وما تخلوهاش تدفع ثمن خلافاتكم.
قفلت الرسالة.
عبد الرحمن كان ساكت.
قلت
بابا كان عايزنا نكون كويسين حتى لو ما رجعناش.
قال
وده اللي خلاني أحترمه أكتر.
فتحت باقي الرسائل.
كل رسالة كانت بتحكي مرحلة من حياتنا.
أول يوم اتجوزنا.
أول مرة رِقة دخلت بيتنا.
أول مشكلة كبيرة بينا.
حتى اليوم اللي خرجت فيه من البيت.
لكن وسط الرسائل لقيت ظرف صغير مختلف.
عليه اسمي واسم عبد الرحمن مع بعض.
فتحناه.
وكانت فيه جملة واحدة
اقرأوا الرسالة دي مع بعض.
قعدنا جنب بعض وبدأنا نقرأ.
إلى وتين وعبد الرحمن...
لو وصلتوا للرسالة دي مع بعض، فمعناه إنكم قررتوا تواجهوا الماضي بدل ما تهربوا منه.
أنا فخور بيكم.
مش علشان رجعتوا لبعض.
لكن علشان اتعلمتوا تسمعوا بعض.
ولو اخترتوا تكملوا حياتكم سوا، فافتكروا دايمًا إن البيت مش بيتبني على إن واحد يكسب والتاني يخسر.
البيت بيتبني لما الاتنين يكسبوا بعض.
سكتنا.
عبد الرحمن بصلي وقال
أبوك كان عارفنا أكتر مننا.
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
يمكن.
خرجنا من البيت القديم.
رِقة كانت مع جدتها في البيت.
وأول ما رجعنا، جريت علينا وقالت
لقيتوا إيه؟
بصيت لعبد الرحمن.
وبعدين قلت لها
لقينا حاجات قديمة.
قالت
حاجات حلوة؟
ابتسمت.
آه... حلوة.
وفي المساء، قعدنا أنا وعبد الرحمن نتكلم.
مش عن الماضي.
عن المستقبل.
اتفقنا إننا مش هنعتبر رجوعنا نهاية القصة.
دي كانت بداية جديدة.
وإن كل يوم هنختار فيه بعض من جديد.
ومرت الأيام.
وبعد فترة، في نفس البيت الجديد، كانت رِقة بتلعب في أوضتها.
عبد الرحمن كان بيصلح رف صغير.
وأنا كنت بجهز العشاء.
سمعنا رِقة بتنادي
ماماااا!
جريت عليها.
لقيتها ماسكة صورة قديمة ليا ولعبد الرحمن.
وقالت
إنتوا كنتوا تعرفوا بعض من زمان؟
ضحكت.
من زمان جدًا.
قالت
وكنتوا بتحبوا بعض؟
بصيت لعبد الرحمن.
ابتسم.
وقال
لسه.
رِقة ضحكت وجريت تلعب.
أما أنا، فوقفت أبص لعبد الرحمن.
افتكرت اليوم اللي قلت فيه
أنا عايزة أتطلق.
وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه من البيت وأنا مقتنعة إن كل شيء انتهى.
ماكنتش أعرف إن بعض النهايات بتكشف لنا أخطاءنا...
وبعض المسافات بتعلمنا قيمة القرب...
وبعض الفرص التانية بتكون أغلى من البداية نفسها.
ومن يومها، كل ما يحصل بينا خلاف، نفتكر جملة أبويا
البيت مش بيتبني على إن واحد يكسب والتاني يخسر... البيت بيتبني لما الاتنين يكسبوا بعض.
وعشنا بعدها مش حياة مثالية...
لكن حياة اتعلمنا فيها إن الحب الحقيقي مش إننا ما نختلفش.
الحب الحقيقي إننا ما نسمحش للخلاف إنه يهدم كل حاجة بنيناها.
وهنا فعلًا... انتهت حكاية الطلاق، وبدأت حكاية جديدة اسمها فرصة تانية.
النهاية بعد كل اللي حصل، قررت أنا وعبد الرحمن إننا ما نستعجلش في أي خطوة.
فضلنا فترة نتكلم ونفهم بعض من جديد، وكل واحد فينا اعترف بغلطه من غير ما يحاول يحمل التاني كل المسؤولية.
ومع الوقت، رجعت الثقة بينا.
وفي يوم، عبد الرحمن جه بيت أهلي، وقعد قدام والدي قبل وفاته بفترة قصيرة، وقال له
أنا مش جاي آخد وتين منك... أنا جاي أطلب فرصة أصلح اللي بوظناه.
والدي ابتسم وقال
الفرصة مش عندي يا عبد الرحمن... الفرصة عند وتين.
بصلي عبد الرحمن، وأنا وقتها كنت عارفة قراري.
رجعنا لبعض، لكن المرة دي ما رجعناش لنفس الحياة القديمة.
اتفقنا إن مفيش مشكلة هتتساب للوقت، ومفيش زعل هيتحول لصمت، ومفيش قرار كبير هيتاخد وإحنا غضبانين.
رِقة كانت أكتر واحدة فرحت.
ولما دخلنا بيتنا الجديد، قالت وهي بتضحك
يعني بابا وماما مش هيتخانقوا تاني؟
ضحكت وقلت
ممكن نختلف.
عبد الرحمن قال
بس هنتكلم.
رِقة قالت
خلاص!
وبعدها جريت تكمل لعبها.
وقفت أبص لعبد الرحمن، وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه من بيتنا بعد الطلاق، وأنا فاكرة إن كل شيء انتهى.
لكن الحقيقة إن اللي انتهى وقتها كان طريقة قديمة في حياتنا...
مش كل المشاعر.
مش كل الذكريات.
ومش كل الفرص.
اتعلمنا إن الحب مش مجرد كلام حلو في بداية الجواز.
الحب مسؤولية، وصراحة، وصبر، وقدرة إنك تسمع الشخص اللي قدامك حتى لو مختلف معاه.
ومن يومها، كل ما يحصل بينا خلاف، نفتكر الأيام اللي ضاعت بسبب السكوت.
فنضحك، ونتكلم، ونحل المشكلة قبل ما تكبر.
وبعد سنين، كانت رِقة قاعدة معانا وبتتفرج على صور قديمة.
وقفت عند صورة من يوم طلاقنا وسألت
إيه اليوم ده؟
بصيت للصورة، وبعدين بصيت لعبد الرحمن.
ابتسم وقال
ده اليوم اللي اتعلمنا فيه أغلى درس في حياتنا.
سألت رِقة
إيه الدرس؟
قال
إن اللي بنحبه لازم نحافظ عليه بالكلام، مش بالسكوت.
بصيت لرِقة وقلت
وإن الاعتذار مش ضعف.
عبد الرحمن كمل
وإن كل مشكلة مهما كانت كبيرة، لازم نتكلم عنها قبل ما نخليها تبعدنا.
رِقة ابتسمت وقالت
يعني اتعلمتوا؟
ضحكنا.
قلت
اتعلمنا.
قفلت ألبوم الصور، وبصيت لعبد الرحمن.
وقتها فهمت إن بعض الحكايات بتبدأ بالحب...
وبعضها بيبدأ من جديد بعد الفراق.
لكن أجمل حاجة حصلت لنا، إننا ما رجعناش لبعض لأننا خفنا من الوحدة...
رجعنا لأننا فهمنا أخطاءنا، واخترنا بعض مرة تانية بإرادتنا.
ومن يومها، بقت جملتنا دايمًا
مش مهم إننا ما نختلفش... المهم إننا ما نسيبش الخلاف يفرقنا.
النهاية.

تم نسخ الرابط