جه بليل

لمحة نيوز

مني أسلمهولك في الوقت اللي تكوني فيه مستعدة تقريه.
بصيت للظرف، وفتحته ببطء.
كانت رسالة طويلة.
بدأت أقرأ
بنتي وتين...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أكيد مريتي بأيام صعبة، ويمكن تكوني اكتشفتي إن الحياة مش دايمًا بتمشي بالشكل اللي إحنا بنخطط له.
أنا عارف إنك اتطلقتي من عبد الرحمن.
وعارف إنك ممكن تكوني شايفة إن الجواز انتهى.
لكن قبل ما تحكمي على السنين اللي عشتوها مع بعض، عايزك تفتكري حاجة مهمة
عبد الرحمن مش كامل، وإنتِ كمان مش كاملة.
الناس اللي بنحبهم مش لازم يكونوا بلا أخطاء.
المهم إنهم يكونوا مستعدين يعترفوا بأخطائهم ويحاولوا يصلحوها.
وأنا شفت بعيني إن عبد الرحمن بيحبك وبيحترمك.
لكن شفت في نفس الوقت إن كل واحد فيكم كان مستني التاني يبدأ.
لو في يوم قررتوا ترجعوا لبعض، ماترجعوش لنفس الجواز القديم.
ابدأوا حياة جديدة بقواعد جديدة.
اتكلموا لما تزعلوا.
اعتذروا لما تغلطوا.
وماتخلوش الصمت يعاقب واحد فيكم.
ولو قررتي ما ترجعيش، برضه ماتحمليش نفسك ذنب النهاية.
بعض النهايات بتكون درسًا، وبعضها بيكون بداية جديدة.
المهم تختاري حياتك بعقل وقلب هادي.
نزلت الورقة من إيدي.
عم فؤاد كان واقف بعيد، وقال
أبوك كان عارف إنك هتوصلي للحظة دي.
قلت
بس أنا مش عارفة أعمل إيه.
ابتسم وقال
هو ماكتبش الرسالة علشان يقولك ترجعي أو ماترجعيش.
سألته
أمال كتبها ليه؟
قال
علشان القرار يبقى قرارك.
بعد ما مشي، فضلت قاعدة لوحدي.
فتحت موبايلي.
لقيت رسالة من عبد الرحمن
رِقة وحشتني. ممكن أشوفها بكرة؟
بصيت للرسالة فترة.
وبعدين كتبت
طبعًا.
تاني يوم جه عبد الرحمن.
رِقة كانت فرحانة جدًا بوجوده.
قعد معاها يلعب، وأنا كنت بتفرج عليهم من بعيد.
بعد شوية، رِقة قامت وجابت ورقة وألوان.
رسمت بيت.
وقالت
ده بيتنا.
عبد الرحمن ابتسم وسألها
بيت مين؟
قالت بكل براءة
بيتي أنا وماما وبابا.
سكتنا إحنا الاتنين.
رِقة مكنتش فاهمة تعقيد الكبار.
هي كانت شايفة الموضوع بسيط.
أب.
وأم.
وبيت.
وحياة هادية.
عبد الرحمن بصلي وقال
مش هضغط عليكي.
قلت
عارفة.
قال
بس لو في يوم حبيتي ندي نفسنا فرصة، أنا مستعد.
بصيتله.
وأنا مش هقول لأ.
اتغيرت ملامحه.
كملت
بس مش هنرجع زي الأول.
قال فورًا
ولا أنا عايز كده.
ابتسمنا.
ومن اليوم ده بدأنا صفحة جديدة.
مش رجوع رسمي.
لكن محاولات.
كلام.
اتفاقات.
اختلافات بنحلها بدل ما نهرب منها.
وبعد شهور، في يوم عادي جدًا، كنت قاعدة في جنينة البيت، وعبد الرحمن كان بيحكي لرِقة حكاية.
بصلي فجأة وقال
وتين.
قلت
نعم؟
قال
فاكرة أول مرة قلتيلي إنك عايزة تتطلقي؟
ضحكت بحزن
فاكرها طبعًا.
قال
أنا يومها كنت فاكر إن دي النهاية.
سألته
ودلوقتي؟
بص لرِقة، وبعدها بصلي وقال
دلوقتي فهمت إنها كانت بداية إننا نتعلم إزاي نحافظ على بعض.
وبعد فترة، لما كنا متأكدين إننا فعلًا اتغيرنا، اتخذنا قرارنا بإرادتنا.
رجعنا لبعض من جديد.
مش لأننا خفنا من الوحدة.
ولا علشان كلام الناس.
ولا علشان رِقة.
لكن لأننا فهمنا أخيرًا إن الحب محتاج شغل من الطرفين.
وفي يوم كتبنا بداية جديدة لحياتنا، اتفقنا على حاجة واحدة
لو زعلنا، هنتكلم.
لو غلطنا، هنعتذر.
ولو اختلفنا، مش هنسيب المسافة تكبر بين قلوبنا تاني.
أما الرسالة المجهولة، فعرفت بعدها إنها كانت من عم فؤاد، بناءً على وصية والدي القديمة.
ولما سألته ليه عمل كل ده، قال
أبوك ماكانش عايز يجمعكم بالعافية... كان عايزكم تعرفوا الحقيقة وتاخدوا قراركم بنفسكم.
بصيت لعبد الرحمن، ثم لرِقة.
وفهمت أخيرًا إن بعض الحكايات لا تنتهي بالطلاق...
أحيانًا الطلاق يكون هو اللحظة التي تجعل الطرفين يفهمان قيمة ما كان بينهما.
ومن يومها، بقت قاعدة بيتنا مفيش سكوت طويل، ومفيش كبرياء يمنع الاعتذار، ومفيش مشكلة تستاهل إننا نخسر بعض بسببها.
والأهم...
إن رِقة كبرت وهي شايفة أب وأم اتعلموا إن الحفاظ على البيت مش معناه إننا مانختلفش...
لكن معناه إننا نعرف نرجع نتكلم بعد الاختلاف عدت الأيام، وبدأت حياتنا تاخد شكل مختلف تمامًا.
مكنش كل يوم جميل، ومكنش كل خلاف بينتهي بسهولة، لكن الفرق إننا بقينا بنتكلم.
وفي يوم، وأنا براجع أوراق قديمة في البيت، لقيت الظرف اللي بابا كان سايبه.
قعدت أقرأ الرسالة من جديد، لكن المرة دي لقيت ورقة صغيرة كانت مستخبية جوا الظرف.
فتحتها.
كان مكتوب
وتين...
لو رجعتي لعبد الرحمن، افتكري إن الرجوع مش معناه إن اللي حصل اتنسى.
سامحوا بعض، لكن ماتنسوش الدرس.
الحياة مش بتدي فرص كتير للناس اللي بنحبهم، ولو أخدتوا فرصة جديدة، حافظوا عليها.
فضلت ماسكة الورقة ودموعي بتنزل.
عبد الرحمن دخل وقتها وسألني
في إيه؟
مديتله الورقة.
قرأها، وبعدها قال
والدك كان حكيم.
قلت
كان نفسه يشوفنا مبسوطين.
قال
وأنا كمان.
بصيتله وقلت
عارف أكتر حاجة اتعلمتها؟
إيه؟
إن المشكلة عمرها ما كانت إن الحب خلص.
سكت.
كملت
المشكلة إننا كنا بنحبه بطريقة غلط.
ابتسم وقال
وأنا اتعلمت إن الإنسان ممكن يخسر أغلى حاجة عنده وهو فاكر إنه بيدافع عن كرامته.
رِقة دخلت علينا فجأة وهي ماسكة لعبة صغيرة وقالت
بابا، ماما، تعالوا.
بصينا لبعض وضحكنا.
قمنا وراها.
وفي اللحظة دي، افتكرت أول يوم مشيت فيه من الشقة بعد الطلاق.
كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
ماكنتش أعرف إن الخروج من باب البيت في اليوم ده هيكون بداية رحلة طويلة هتخليني أفهم نفسي، وأفهم عبد الرحمن، وأفهم معنى إن الاتنين يحافظوا على بيتهم.
بعدها بفترة، نقلنا بيتنا من جديد.
مش نفس البيت القديم.
اختارنا مكان جديد، وبدأنا فيه من الصفر.
رِقة اختارت أوضتها بنفسها.
وأنا اخترت كل حاجة وأنا حاسة إن المرة دي البيت بيتبني على أساس مختلف.
أما عبد الرحمن، فكان كل فترة يقول
فاكرة لما كنتي بتقولي إن المسافات بين القلوب أصعب من أي مسافة؟
وأرد
أيوه.
يقول
خلاص... لو حسينا إن المسافة بتكبر، نتكلم قبل ما تكبر.
وفعلًا، بقت دي عادتنا.
مش حياة مثالية.
لكن حياة حقيقية.
فيها اختلاف.
وفيها تعب.
وفيها أيام صعبة.
لكن مفيهاش هروب.
ومفيهاش صمت يعاقب الطرف التاني.
ومفيهاش عناد أكبر من الحب.
وفي يوم عيد ميلاد رِقة، وقفت أبص عليها وهي بتطفي الشموع.
عبد الرحمن كان واقف جنبها، وأنا حسيت للحظة إن كل السنين اللي فاتت عدت قدام عيني.
من أول يوم حبنا...
لأول خناقة...
للطلاق...
للبيت القديم...
للرسائل المجهولة...
ولحد اللحظة دي.
عبد الرحمن بصلي وقال
إيه؟ سرحتي في إيه؟
ابتسمت وقلت
افتكرت إننا كنا على بعد خطوة من إننا نخسر كل حاجة.
قال
بس الحمد لله إننا فهمنا قبل فوات الأوان.
بصيت لرِقة.
وقلت
الحمد لله.
ومن يومها فهمت إن مش كل نهاية بتكون نهاية فعلًا.
وأحيانًا الإنسان لازم يخسر جزء من حياته...
علشان يعرف قيمة الجزء اللي كان بيحاول يحافظ عليه.
النهاية بعد ما عدت سنة على رجوعنا، كنت فاكرة إن كل حاجة أخيرًا استقرت.
رِقة كبرت وبقت بتروح الحضانة، وعبد الرحمن بقى أهدى، وأنا كمان بقيت أعرف أتكلم وقت ما أزعل بدل ما أفضل ساكتة.
لكن في يوم، وأنا برتب حاجات قديمة في الدولاب، لقيت صندوق صغير كنت حاطاه من أيام بيت أهلي.
فتحته.
لقيت جواه كل الحاجات اللي كنت محتفظة بيها من فترة طلاقي.
صور قديمة، أوراق، ورسائل.
وفجأة لقيت ورقة صغيرة وقعت من بين الأوراق.
عرفت الخط فورًا.
خط والدي.
فتحتها.
كان مكتوب
وتين، لو رجعتي لعبد الرحمن، يبقى أهم حاجة تعرفيها إن الحياة مش هتختبر حبكم مرة واحدة.
وقفت عند الجملة دي.
قلبت الورقة.
وكان فيه سطر تاني
هييجي يوم هتضطري تختاري بين راحتك وبين مساعدة شخص محتاجكم.
استغربت جدًا.
إيه علاقة ده بحياتنا؟
وفي نفس اللحظة سمعت صوت المفتاح في الباب.
عبد الرحمن رجع من الشغل.
دخل وقال
وتين، محتاج أكلمك.
بصيتله.
في إيه؟
قعد قدامي وقال
الشركة عندها مشكلة كبيرة.
قلبي اتقبض.
مشكلة إيه؟
قال
في موظف قديم اتظلم بسبب خطأ في مستندات، والموضوع ممكن يضيع مستقبله.
سكت لحظة.
والغريب إن الخطأ مرتبط بنفس المشروع القديم اللي كان سبب المشكلة بين أبوكي ووالدي.
بصيتله وأنا مش مصدقة.
يعني الماضي رجع من جديد؟
قال
أنا مش عايز أهرب من الموضوع.
قلت
وأنا كمان.
فتح الملف قدامي.
ولما شفت اسم الموظف، اتجمدت.
كان نفس اسم الشخص اللي بعتلي الرسائل المجهولة زمان.
بصيت لعبد الرحمن.
هو كان بيحاول يكشف الحقيقة من البداية.
هز راسه.
أيوه.
وفجأة فهمت ليه الرسائل بدأت.
هو مكنش عايز يفرقنا.
كان عايز يوصلنا للحقيقة من غير ما يدخل بينا.
اتفقنا نراجع كل المستندات، ونوصل للحقيقة كاملة.
وبعد أسابيع من البحث، اكتشفنا إن الخطأ كان قديم جدًا، وإن الموظف فعلًا ملوش ذنب.
عبد الرحمن قدر يصلح المشكلة رسميًا، والموظف رجع حقه.
وفي اليوم ده، رجعنا البيت متأخر.
رِقة كانت مستنيانا.
جريت علينا وقالت
خلصتوا المشكلة؟
بصيت لعبد الرحمن.
ابتسم وقال
أيوه.
رِقة ابتسمت وقالت
يبقى بابا وماما شاطرين.
ضحكنا.
وبعد ما نامت، قعدنا في البلكونة.
قلت لعبد الرحمن
عارف؟
إيه؟
زمان كنت فاكرة إن البيت بيتحافظ عليه بالحب بس.
قال
ودلوقتي؟
قلت
دلوقتي عرفت إن الحب بداية بس.
سألني
والباقي؟
بصيتله وقلت
صدق... وكلام... ومسؤولية... وإن كل واحد فينا يفضل واقف جنب التاني وقت الصعب.
ابتسم.
وبص للسماء وقال
يبقى اتعلمنا الدرس.
ضحكت وقلت
أهو أهم حاجة مانحتاجش نتطلق تاني عشان نتعلم.
ضحك وقال
اتفقنا.
ومن يومها، كل ما تحصل مشكلة، نفتكر الجملة دي.
لأننا عرفنا أخيرًا إن أسهل حاجة هي إن الإنسان يمشي...
لكن الأصعب والأهم إنه يعرف إمتى يقف، ويسمع، ويفهم، ويصلح.
وساعتها عرفت إن الحكاية الحقيقية مكانتش عن الطلاق أصلًا... كانت عن اتنين اتعلموا إزاي يحافظوا على بعض قبل ما يخسروا بعض مرة تانية.
النهاية مرت شهور بعد ما خلصت مشكلة الموظف، وبدأت حياتنا تستقر أكتر.
كنت فاكرة إن خلاص، مفيش حاجة تقدر ترجعنا للماضي تاني.
لكن في يوم، وأنا براجع أوراق قديمة تخص والدي، لقيت ملف صغير مكتوب عليه
لا يُفتح إلا بعد مرور عام.
وقفت قدامه مذهولة.
عدّيت الصفحات واحدة واحدة، لحد ما
تم نسخ الرابط