جه بليل

لمحة نيوز

اتغيرنا فعلًا.
بصيتله وأنا لأول مرة أحس إن الكلام بينا بقى هادي.
من غير لوم.
من غير عناد.
من غير محاولة إن واحد فينا يثبت إنه الصح.
وفي اللحظة دي، رِقة قربت مننا وقالت
بابا... ماما هتفضل معانا؟
عبد الرحمن بصلي.
وأنا بصيت لرِقة.
مكنتش عارفة أجاوب.
لأن السؤال كان بسيط جدًا...
لكن إجابته كانت ممكن تغير حياتنا كلنا.
وفجأة جالي إشعار على الموبايل.
نفس الرقم المجهول.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوب
دلوقتي عرفتوا الحقيقة... لكن لسه في حاجة واحدة ماقلتلكوش عليها.
وتحتها جملة واحدة
سبب الخلاف الحقيقي بدأ قبل جوازكم بأسبوع واحد بصيت للموبايل، وبعدها بصيت لعبد الرحمن.
قلت له
إنت شايف الرسالة دي؟
أخد الموبايل وقرأها، وسكت.
سبب الخلاف الحقيقي بدأ قبل جوازنا بأسبوع؟
هز راسه وقال
أنا معرفش حاجة عن الكلام ده.
فضلنا ساكتين.
وبعدين عبد الرحمن قال
خلينا نعرف الحقيقة، بس المرة دي من غير ما نستعجل.
دخلت على الرسائل وكتبت
قول كل حاجة.
الرد جه فورًا
قبل جوازكم بأسبوع، حصلت مشكلة بين والد وتين ووالد عبد الرحمن بسبب مشروع مشترك بينهم. المشروع اتوقف، وكل واحد فيهم فهم إن التاني تسبب في خسارته.
عبد الرحمن عقد حاجبيه.
مشروع؟
قلت
أنا أول مرة أسمع عن الكلام ده.
وصلت رسالة تانية
المشكلة دي أثرت على العيلتين، لكن والدك قرر مايحكيش لكم التفاصيل حتى لا تفسد فرحتكم.
عبد الرحمن بصلي وقال
يعني أهلنا كانوا مخبيين علينا حاجة من البداية؟
قلت
يمكن كانوا فاكرين إنهم بيحمونا.
وصلت رسالة جديدة
لكن الحقيقة إن الخلاف ده ماكانش بسبب سرقة أو خيانة أو أي شيء من النوع ده. كان مجرد خطأ في حسابات ومستندات، وكل طرف كان فاكر إن الطرف الآخر أخطأ بحقه.
عبد الرحمن قال
طب إيه علاقة ده بجوازنا؟
جاء الرد
لأن بعد جوازكم بفترة، ظهرت ورقة قديمة جعلت كل واحد منكم يعتقد أن عائلته كانت على حق.
سألته
فين الورقة؟
رد
في خزنة والدك يا وتين.
بصيت لعبد الرحمن.
قال فورًا
لازم نشوفها.
رجعنا بيت أهلي.
دخلنا مكتب والدي، وفتشنا الخزنة القديمة.
بعد دقائق، لقينا ملفًا كبيرًا عليه اسم المشروع.
فتحناه.
كانت فيه حسابات وإيصالات ومستندات كثيرة.
عبد الرحمن بدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة.
وفجأة وقف.
قال
استني.
بصيتله.
أشار إلى توقيع في آخر صفحة.
التوقيع ده مش توقيع أبوكي.
قربت منه.
متأكد؟
قال
أيوه. أنا شفت توقيعه مئات المرات.
قلبنا باقي الأوراق.
وفي آخر الملف لقينا ورقة رسمية تثبت إن المبلغ اللي حصل عليه والد عبد الرحمن كان مختلفًا تمامًا عن المبلغ المذكور في الورقة القديمة.
يعني المشكلة كلها كانت مبنية على مستند ناقص.
والأغرب...
إن المستند الصحيح كان موجود عند والدي طوال السنوات دي.
قعدت على الكرسي وأنا مصدومة.
يعني كل اللي حصل بين العيلتين...
عبد الرحمن كمل
كان بسبب سوء فهم.
سكتنا.
وبعد لحظات، قال
وتين.
بصيتله.
قال
إحنا عملنا نفس الحاجة.
إيه؟
بالضبط زي أهلنا.
سكت.
قال
كل واحد فينا شاف جزء من الحقيقة، وبنى عليه قرار كامل.
كلامه وجعني لأنه كان حقيقي.
في اللحظة دي، الموبايل رن.
نفس الرقم.
لكن المرة دي وصلت رسالة واحدة فقط
دلوقتي بقى دوركم تصلحوا اللي ضاع بسبب سوء الفهم.
رفعت عيني لعبد الرحمن.
هو كمان كان باصصلي.
ولا واحد فينا اتكلم.
رِقة كانت واقفة عند الباب، ماسكة لعبتها الصغيرة.
قالت
ماما... بابا... هنروح البيت؟
عبد الرحمن بصلي وقال بهدوء
القرار قرارك يا وتين.
بصيت لرِقة.
وبعدين بصيت لعبد الرحمن.
وأول مرة من خمس شهور، حسيت إن النهاية مش لازم تكون رجوعًا فوريًا...
ممكن تكون بداية جديدة، بس بشروط مختلفة.
قلت
مش هنعمل أي قرار النهارده.
عبد الرحمن هز راسه.
موافق.
قلت
لو هنبدأ من جديد، هنبدأ صح. نتكلم، نفهم بعض، ونحل مشاكلنا بدل ما نسكت.
قال
وأنا موافق على كل ده.
ابتسمت لأول مرة من شهور.
لكن قبل ما نمشي، لاحظت ورقة صغيرة واقعة تحت الملف.
انحنيت وأخذتها.
كان مكتوب عليها بخط والدي
لو وصلتوا للورقة دي، يبقى الحقيقة ظهرت... لكن فيه شخص واحد لازم تسمعوا منه قبل ما تقرروا أي شيء.
بصيت لعبد الرحمن.
وسألته
مين الشخص ده؟
قلب الورقة.
كان الاسم مكتوبًا في الخلف.
أول ما قرأناه...
عرفنا إن الحكاية لسه مخلصتش بصيت للاسم أكتر من مرة، ومقدرتش أصدق.
كان اسم عم فؤاد، المحامي القديم اللي كان بيتعامل مع أبويا من سنين.
عبد الرحمن قال
أنا أعرفه... ده كان موجود وقت توقيع عقود المشروع.
قلت
يعني هو الوحيد اللي ممكن يعرف الحقيقة كاملة.
قررنا نروح له تاني يوم.
لكن قبل ما نخرج، الموبايل رن.
الرقم المجهول بعت رسالة
ماتروحوش له بكرة... روحوا دلوقتي.
بصيت لعبد الرحمن.
قال
يبقى لازم نروح.
بعد حوالي نص ساعة كنا واقفين قدام مكتب عم فؤاد.
دخلنا، ولما شافنا سكت فترة طويلة، وبعدها قال
كنت مستني اليوم ده.
قعدنا قدامه.
سألته
إيه اللي حصل قبل جوازنا بأسبوع؟
تنهد وقال
والدك ووالد عبد الرحمن كانوا شغالين مع بعض في مشروع كبير. حصل خطأ في الحسابات، وكل واحد منهم ظن إن التاني خبّى عنه معلومة مهمة.
عبد الرحمن سأله
طب ليه محدش وضح الحقيقة؟
قال
لأن والدك اكتشف الحقيقة بعد ما المشكلة كبرت.
سألته
وليه ماقالش لنا؟
بص لي وقال
لأنه كان خايف إنكم تسيبوا بعض قبل ما تبدأوا حياتكم.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن كان فيه حاجة تانية.
قلبي اتقبض.
إيه؟
طلع ملف من درج مكتبه.
قبل زواجكم بيومين، والدك كتب لي جواب.
فتح الملف وطلع ورقة.
قرأها بصوت مسموع
لو حصل خلاف بين وتين وعبد الرحمن، ماتدخلش بينهم إلا لو طلبوا منك. سيبهم يحلوا مشاكلهم بنفسهم.
عبد الرحمن بص للورقة وقال
يعني أبو وتين كان عايزنا نتعلم نحل مشاكلنا لوحدنا.
عم فؤاد هز راسه.
بالضبط.
بصيت لعبد الرحمن.
وفجأة فهمت.
إحنا كنا طول الوقت بندور على شخص نلومه.
مرة أنا ألومه.
ومرة هو يلومني.
ومرة نلوم أهلنا.
مع إن المشكلة الحقيقية كانت إننا نسينا نتكلم.
خرجنا من المكتب، والطريق كله كان ساكت.
لحد ما عبد الرحمن قال
وتين.
بصيتله.
أنا مش هطلب منك ترجعي.
سكت لحظة.
لكن لو إنتِ موافقة، نبدأ نتعرف على بعض من جديد.
استغربت.
إزاي يعني؟
قال
مش كزوج وزوجة. كاتنين قرروا يصلحوا اللي بينهم الأول.
بصيت قدامي، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
وأنا موافقة.
لكننا ماكناش نعرف إن القرار ده هيكون أصعب من قرار الطلاق نفسه.
لأن بعد يومين، وصلني ظرف على البيت.
فتحته.
كان فيه ورقة واحدة
لو قررتوا تبدأوا من جديد، لازم تعرفوا إن الشقة اللي عبد الرحمن كتبها باسمك عليها مشكلة قانونية قديمة.
اتجمدت مكاني.
الشقة؟
بصيت للورقة مرة تانية.
وفي آخرها كان مكتوب
والشخص الوحيد اللي يقدر يحل المشكلة دي... هو عبد الرحمن نفسه أول ما قريت الجملة الأخيرة، مسكت الموبايل واتصلت بعبد الرحمن.
رد من أول رنة
وتين؟
قلت بسرعة
إنت كنت عارف إن الشقة عليها مشكلة قانونية؟
سكت.
وده كان كفاية يخليني أقلق.
قلت
عبد الرحمن، رد عليا.
قال بهدوء
كنت عارف إن فيه ورق قديم محتاج يتراجع، لكن ماكنتش عارف إن الموضوع وصل للدرجة دي.
طب ليه ماقولتليش؟
لأني كنت بحاول أحلها من غير ما أقلقك.
سكت شوية، وبعدين قلت
إحنا اتطلقنا بسبب إن كل واحد فينا كان بيخبي حاجات عن التاني.
رد بصوت هادي
وعشان كده مش هخبي عنك حاجة تاني.
طلب مني أبعته صورة الرسالة.
وبعد دقائق قال
تعالي نقابل المحامي اللي ماسك ملف الشقة.
تاني يوم رحنا سوا.
المحامي فتح الملف قدامنا، وقال
الموضوع مش زي ما مكتوب في الرسالة.
بصيتله باستغراب.
قال
الشقة مفيهاش قضية، ولا حد يقدر ياخدها منكم. المشكلة إن عقد الملكية القديم كان فيه خطأ في رقم الوحدة، ولازم يتصحح في السجلات.
عبد الرحمن تنفس براحة.
أما أنا فبصيتله وقلت
يعني كل الخوف ده بسبب غلطة في رقم؟
المحامي ابتسم
أيوه.
خرجنا من المكتب.
فضلنا ساكتين شوية.
وبعدين عبد الرحمن قال
شايفة؟
قلت
شايفة إيه؟
قال
إحنا طول الوقت بنخاف من حاجات أكبر من حجمها.
ابتسمت رغمًا عني.
يمكن.
وقف قدامي، لكن حافظ على مسافة بينا، وقال
وتين، أنا عايز أقولك حاجة.
بصيتله.
أنا مش عايز أرجعلك لمجرد إننا وحشنا بعض.
سكت لحظة.
أنا عايز لو رجعنا، نرجع وإحنا فاهمين إن الحب لوحده مش كفاية. لازم كلام، واحترام، وصراحة، ومساحة لكل واحد فينا.
بصيتله وقلت
وأنا كمان.
قال
يبقى نبدأ من الأول.
رجعنا البيت.
رِقة كانت مستنيانا، ولما شافت عبد الرحمن جريت عليه وقالت
بابا!
ابتسم لها وقال
وحشتيني يا رِقة.
وبعدها بصلي.
ممكن أقعد معاكي شوية؟
هزيت راسي بالموافقة.
قعدنا في الجنينة، ورِقة كانت بتلعب قدامنا.
ولأول مرة من شهور، اتكلمنا من غير خناق.
حكيتله عن كل حاجة كانت بتوجعني.
وهو حكى لي عن كل حاجة كان شايلها جواه.
اكتشفنا إن معظم مشاكلنا كانت ممكن تتحل بكلام بسيط، لكن عنادنا كان أكبر من قدرتنا على الاعتذار.
قبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال
أنا هديكي وقتك.
قلت
وأنا هديك وقتك.
ابتسم.
يبقى نشوف الأيام هتعمل فينا إيه.
مرت أسابيع.
بقينا نتقابل عشان رِقة، ونتكلم بهدوء، ونحل المشاكل القديمة واحدة واحدة.
مفيش وعود كبيرة.
مفيش استعجال.
وفي يوم، كنت قاعدة في البيت، لقيت رسالة من نفس الرقم المجهول.
فتحتها.
كان مكتوب
مبروك يا وتين... الحقيقة ظهرت، وكل واحد فيكم عرف غلطه.
ابتسمت.
لكن بعدها وصلت رسالة تانية
بس أنا كنت محتفظ برسالة أخيرة من والدك... ودي مخصصة ليكي إنتِ وحدك.
قلبي دق.
وبعد ثواني وصلت صورة لظرف قديم.
وعليه بخط أبويا
إلى وتين... يوم ما تعرفي قيمة عبد الرحمن، افتحي الرسالة دي.
فضلت باصة للصورة، ومش عارفة إيه اللي أبويا كان كاتبه في الرسالة الأخيرة.
لكن المرة دي، كان عندي إحساس إن الحقيقة اللي جاية...
مش هتفرقنا.
يمكن تكون هي السبب اللي يخلينا نعرف نبدأ من جديد تاني يوم، وصل الظرف فعلًا.
كان عم فؤاد هو اللي جابه بنفسه.
دخل البيت، وحط الظرف قدامي وقال
أبوك طلب
تم نسخ الرابط