جه بليل
جه بالليل الساعة سبعة، والمأذون كان معاه، وانتهى كل شيء.
حتى آخر خيط كنت متعلقة بيه جوايا.
كنت قاعدة قدامه وأنا بحاول أتماسك، رغم إن قلبي كان بيرفض يصدق إن اللحظة دي وصلت.
قبلها بساعات، كنت واقفة قدامه وبقول بصوت مكسور
أنا عايزة أتطلق يا عبد الرحمن.
رفع عينه وبصلي فترة، وبعدها رد بهدوء غريب
إنتِ طالق يا وتين. هجيب المأذون النهارده بالليل عشان نخلص كل الإجراءات.
بصيتله وأنا بحاول أتحكم في دموعي.
طب وبنتي؟ أنا مقدرش أعيش من غير رِقة، وإنت عارف كده.
هز راسه بالنفي، وطلع ورقة من جيبه ومدها لي.
مقدرش أحرمك منها. رِقة هتفضل معاكي، لأنك أمها، وإنتِ أقدر واحدة تعرف تسعدها.
بصيت للورقة، لقيتها عقد الشقة.
إيه ده؟
قال بهدوء
الشقة. كتبتها باسمك.
رجعتله العقد بسرعة.
بس أنا مش عايزة الشقة يا عبد الرحمن.
ده حقك يا وتين. وأنا عايز أبقى مطمن عليكي وعلى رِقة.
سكت لحظة، وبعدين كمل
ولو حابة ترجعي بيت أهلك، براحتك. بس الشقة دي هتفضل بيتك وبيت رِقة.
بصيتله ومقدرتش أقول حاجة.
يمكن أكتر حاجة وجعتني إن حتى وهو بيمشي من حياتي، كان لسه بيفكر في أمان بنتنا.
سابني ونزل.
قعدت لوحدي على الكنبة، وبصيت حواليا.
البيت اللي عشنا فيه سنين.
البيت اللي شهد أول فرحتنا، وأول خناقة، وأول مرة شيلنا فيها رِقة بين إيدينا.
إزاي مكان واحد يشيل كل الذكريات دي، وفي يوم واحد يبقى مجرد بيت؟
جوازنا بدأ بحب.
بس الحب لوحده مش دايمًا بيكفي.
ضغط الشغل، المسؤوليات، اختلاف وجهات النظر، وكل مرة كنا نزعل ونقرر نسكت بدل ما نتكلم... كل ده عمل بينا مسافة.
مكنش في حد تالت.
مكنش في خيانة.
مكنش في سر كبير.
كان فيه اتنين بيحبوا بعض، لكن كل واحد فيهم كان مستني التاني يبدأ بالكلام.
ومع الوقت، السكوت كبر.
والزعل تراكم.
لحد ما بقينا قاعدين في نفس المكان، وكل واحد فينا حاسس إنه لوحده.
الساعة سبعة بالليل، جه عبد الرحمن ومعاه المأذون.
خلصنا الإجراءات.
ولما المأذون مشي، وقف عبد الرحمن مكانه ثواني.
بصلي، وقال
أنا مش هطلب منك ترجعي في قرارك، بس أتمنى في يوم تفهمي إني عمري ما كنت عايز أوصلك للحظة دي.
دموعي نزلت غصب عني.
رديت بصوت ضعيف
وأنا كمان عمري ما كنت عايزة نوصل لكده.
بص ناحية رِقة، وكانت قاعدة تلعب في المشاية.
ابتسم بحزن وقال
خلي بالك منها.
قلت
دي بنتك يا عبد الرحمن. وفي أي وقت تحب تشوفها، كلمني.
هز راسه.
أكيد.
مسك شنطته، واتجه ناحية الباب.
وقبل ما يخرج، وقف لحظة من غير ما يبص وراه، وقال
ربنا يسعدك يا وتين.
وخرج.
فضلت واقفة مكاني، أسمع صوت خطواته وهي بتبعد.
ولأول مرة فهمت إن أوقات النهاية مش بتكون بسبب إن الحب اختفى.
أوقات النهاية بتحصل لأن الناس بتتعب من المحاولة.
تاني يوم، لميت هدومي وهدوم رِقة.
ونزلت قدام بيت أهلي في الزمالك.
بيت قديم من دورين، قدامه جنينة كبيرة.
دخلت وأنا شايلة رِقة، وحارس البيت ساعدني في الشنط.
كنت فاكرة إن الرجوع لبيت أهلي هيخليني أنسى.
لكن الذكريات مكنتش بتتنسى بسهولة.
مرت أيام.
وبعدين أسابيع.
وبعدين شهور.
عدى شهر.
واتنين.
وتلاتة.
لحد ما عدى خمس شهور كاملة.
رِقة كبرت شوية، وبقت بتتكلم أكتر، وكل ما تعمل حاجة جديدة كنت تلقائيًا أمسك موبايلي عشان أبعت لعبد الرحمن.
وبعدين أفتكر...
إننا خلاص اتطلقنا.
كنت بوحشني أيامه.
وبتوحشني طريقته في الكلام.
وحتى خناقنا كان واحشني.
لأن المشكلة مكانتش إننا مبقيناش بنحب بعض.
المشكلة إننا اتعودنا نخبي اللي جوانا.
وفي يوم، كنت قاعدة في جنينة البيت بلعب مع رِقة.
سمعت صوت إشعار من الموبايل.
مسكته.
رسالة واتساب من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت رسالة قصيرة جدًا
وتين... أنا عارف إنك اتطلقتي من عبد الرحمن من خمس شهور، لكن في حاجة لازم تعرفيها قبل فوات الأوان.
قلبي دق بسرعة.
بصيت للرقم.
مفيش صورة.
مفيش اسم.
كتبت
مين؟
ظهرت علامة إن الشخص بيكتب.
وبعد ثواني وصلت رسالة تانية
أنا شخص شاف اللي حصل بينك وبين عبد الرحمن من البداية... والطلاق اللي حصل بينكم مبني على معلومة غلط.
اتجمدت مكاني.
بصيت لرِقة، وبعدين للموبايل.
كتبت بسرعة
إيه المعلومة؟
الرد جه بعدها بثواني
عبد الرحمن كان فاكر إنك طلبتي الطلاق لسبب معين... لكن الحقيقة إن الشخص اللي وصله المعلومة دي كذب عليه.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
كتبت
مين الشخص ده؟
المرة دي اتأخر الرد.
وبعد دقيقة، وصلت رسالة واحدة قلبت كل حاجة
لو عايزة تعرفي الحقيقة، افتحي الدرج التاني في مكتب والدك... وهتلاقي جواب باسم عبد الرحمن.
بصيت ناحية البيت.
مكتب والدي كان مقفول من شهور.
والسؤال اللي بدأ يلف في دماغي كان أخطر من الرسالة نفسها
إيه علاقة جواب قديم عند أبويا بطلاقي من عبد الرحمن؟طلعت بسرعة على أوضة والدي، ووقفت قدام المكتب وأنا مترددة.
مش عارفة ليه إيدي كانت بتترعش.
يمكن لأني كنت خايفة ألاقي إجابة تغير كل اللي كنت فاهمته عن الشهور اللي فاتت.
فتحت الدرج التاني.
كان مليان أوراق قديمة، إيصالات، ومستندات.
بدأت أقلب فيها واحدة واحدة.
لحد ما لقيت ظرف أبيض مكتوب عليه
عبد الرحمن
اتجمدت مكاني.
مسكت الظرف وفتحته.
جواه ورقة واحدة.
بدأت أقرأ
ابني عبد الرحمن...
لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أكيد حصل بينك وبين وتين خلاف كبير، ويمكن تكونوا وصلتوا لقرار الانفصال.
لكن قبل ما تاخد أي قرار نهائي، اسمع منها بنفسك.
وتين في الفترة الأخيرة كانت بتتحمل فوق طاقتها، لكنها عمرها ما قالت إنها عايزة تسيبك.
هي كانت محتاجة منك كلمة واحدة تطمنها إنك لسه متمسك بيها.
نزلت الورقة من إيدي.
دموعي بدأت تنزل.
يعني بابا كان عارف؟
كملت القراءة
وأنا عارف إنك كمان متعب.
شغلك زاد، ومسؤولياتك زادت، وإنت فاكر إن سكوت وتين معناه إنها مبقتش عايزاك.
لكن الحقيقة إن كل واحد فيكم كان مستني التاني يتكلم.
قفلت عيني.
افتكرت كل مرة عبد الرحمن كان يدخل البيت ساكت.
وأنا أفسر سكوته إنه بُعد.
وافتكرت كل مرة كنت زعلانة وأسكت، وهو يفسر سكوتي إني مش مهتمة.
إحنا الاتنين كنا بنغلط نفس الغلطة.
الورقة كان فيها سطر أخير
لو حصل الطلاق بالفعل، متضغطش عليها، لكن لو لسه جواك مشاعر، اتكلم معاها مرة واحدة بصدق. لأن بعض العلاقات لا تنتهي بسبب انتهاء الحب، وإنما بسبب عدم الكلام.
قعدت على الكرسي وأنا ماسكة الورقة.
وفجأة الموبايل رن.
نفس الرقم المجهول.
رديت
ألو؟
الصوت قال
قرأتي الجواب؟
قلت
أيوه... بس إنت مين؟
قال
أنا الشخص اللي كان والدك موصيه يحتفظ بالجواب ده لحد ما ييجي الوقت المناسب.
سألته بسرعة
يعني إنت كنت تعرف أبويا؟
أيوه.
وعارف عبد الرحمن؟
عارفه من سنين.
سكت لحظة، وبعدين قال
بس في حاجة أهم من الجواب.
قلبي دق.
إيه؟
قال
عبد الرحمن لسه محتفظ بحاجة تخصك.
إيه هي؟
رد
دفتر قديم كان بيكتب فيه كل اللي مقدرش يقولهولك.
سكت.
حسيت إن الكلام ده مش ممكن يكون حقيقي.
عبد الرحمن كان بيكتب؟
سألته
فين الدفتر؟
قال
في شقته.
قفلت المكالمة، وفضلت واقفة مكاني.
بصيت لرِقة اللي كانت قاعدة في الصالة بتلعب.
كان لازم أعرف الحقيقة.
مش علشان أرجع لعبد الرحمن.
لكن علشان أعرف هل إحنا فعلًا انتهينا...
ولا إحنا بس ضيعنا بعض بسبب حاجات كان ممكن تتصلح بكلمتين؟
وفي نفس اللحظة، جالي إشعار جديد.
من نفس الرقم.
فتحت الرسالة.
كان مكتوب
لو عايزة الدفتر، عبد الرحمن هيكون في البيت الساعة ثمانية الليلة.
بصيت في الساعة.
كانت سبعة ونص.
قدامي نص ساعة بس.
وأول مرة من خمس شهور...
حسيت إن قلبي مستني يشوف عبد الرحمن من جديد لبست بسرعة، وخدت رِقة معايا.
طول الطريق وأنا ساكتة، وعقلي مليان أسئلة.
لما وصلت قدام الشقة، وقفت ثواني قبل ما أضغط الجرس.
المكان ده كان بيتي في يوم من الأيام.
رفعت إيدي وضغطت.
بعد لحظات، الباب اتفتح.
عبد الرحمن.
أول ما شافني، اتفاجئ.
بص لرِقة، وبعدها بصلي وقال
وتين؟
قلت وأنا بحاول أتماسك
ممكن أدخل؟
فتح الباب من غير ما يسأل.
دخلت، ولاحظت إن الشقة زي ما هي تقريبًا.
حتى الكرسي اللي كانت رِقة بتقعد عليه لسه مكانه.
عبد الرحمن قال
في حاجة حصلت؟
طلعت الورقة من شنطتي وحطيتها قدامه.
لقيت دي في مكتب بابا.
أخدها وبدأ يقرأ.
ملامحه اتغيرت مع كل سطر.
ولما خلص، فضل ساكت.
قلت
إنت كنت عارف إن بابا كتبلك الكلام ده؟
هز راسه
لا.
طيب ليه ماحاولتش تتكلم معايا قبل الطلاق؟
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
كنت فاكر إنك خلاص مبقتيش عايزاني.
بصيتله باستغراب
وأنا كنت فاكرة إنك إنت اللي مبقتش عايزني.
قال بهدوء
وهو ده كان أكبر غلط عملناه.
سكتنا.
رِقة كانت واقفة بتبص لنا من بعيد.
عبد الرحمن نزل لمستواها وقال
كبرتي يا رِقة.
ابتسمت له وقالت
بابا.
الكلمة دي خلت ملامحه تتغير.
رفع عينه ناحيتي وقال
أنا عمرى ما نسيت إنك أم بنتي.
رديت
وأنا عمري ما منعتك منها.
قال
عارف.
وبعدين اتجه ناحية المكتبة.
فتح درج صغير وطلع دفتر أسود.
حطه قدامي.
ده اللي بتدوري عليه.
مسكته، لكني مقدرتش أفتحه.
سألته
إنت كنت بتكتب فيه إيه؟
قال
حاجات مقدرتش أقولها.
فتحت أول صفحة.
كان مكتوب
النهارده اتخانقت أنا وتين... ومش عارف أقولها إني مش زعلان منها، أنا زعلان من نفسي لأني مش عارف أوصلها.
قلبت الصفحة.
النهارده وتين نامت زعلانة. فضلت صاحي طول الليل، وكان نفسي أعتذر، لكن خوفت أتكلم ونختلف أكتر.
دموعي نزلت.
قلبت صفحة تانية.
أنا بحبها، لكني مش عارف أصلح اللي اتكسر بينا.
قفلت الدفتر.
بصيتله.
ليه ماقولتليش الكلام ده؟
ابتسم ابتسامة حزينة
لأني كنت غبي.
قلت
وأنا كمان.
سكتنا شوية.
وبعدين قال
بس في حاجة لازم تعرفيها.
رفعت عيني.
إيه؟
قال
أنا مش هطلب منك ترجعيلي.
اتصدمت.
كمل
لأن قرار زي ده مينفعش يتاخد بسبب الحنين أو الذكريات. لو في يوم هنبدأ من جديد، لازم نكون