شفت مرات ابنى حكايات ليلي

لمحة نيوز

دي.
ثم كملت
لو لم أستطع، ابحثي عن ياسين في المكان الذي بدأ منه كل شيء.
المكان كان المستشفى القديم.
في اليوم التالي، ذهبنا أنا وابني وياسين إلى المستشفى.
كان المبنى قديمًا، لكن السجلات الأصلية ما زالت محفوظة.
الضابط حصل على إذن لفتح الأرشيف.
وبعد ساعات من البحث، وجدنا سجل الولادة.
اسمي.
تاريخ الولادة.
وبجانبه ملاحظة صغيرة
تم تسليم الطفل إلى القسم المختص.
لكن مفيش أي تسجيل لوفاة الطفل.
بصيت للضابط.
يعني شهادة الوفاة كانت مزورة؟
قال
على الأغلب، وهنحتاج تحقيق رسمي عشان نثبت ده.
ياسين كان واقف ساكت.
ثم وجد ورقة أخرى.
إيصال تسليم طفل.
التاريخ نفسه.
وفي خانة اسم المستلم كان مكتوب اسم امرأة.
الضابط قرأ الاسم.
وفجأة ياسين قال
أنا أعرفها.
بصينا له.
مين؟
قال
دي الست اللي ربتني.
اتصدمت.
يعني هي كانت تعرف إني أمك؟
هز رأسه.
أيوه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر الأخير.
كان مكتوبًا
تم التسليم بناءً على طلب والد الطفل.
والاسم كان
اسم زوجي.
ابني قال
يعني أبويا هو اللي سلّم ياسين؟
الصمت نزل علينا.
كنت مش عارفة أصدق.
بعد كل اللي عرفناه، ظهر سؤال جديد
هل زوجي كان فعلًا بيحاول يحمي ياسين؟
ولا كان فيه سبب تاني أخفاه عني؟
رجعنا البيت.
وفي نفس الليلة، وصل ظرف جديد.
من غير اسم.
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة جدًا لزوجي وهو واقف أمام المستشفى.
وفي ظهر الصورة مكتوب
اسألي لماذا اختار والدك أن يسلّم ابنك بنفسه.
اتجمدت.
لأن الجملة دي معناها إن الحقيقة لسه ناقصة.
ولأول مرة بدأت أشك إن زوجي نفسه
ما كانش مجرد شخص بيحاول يصلح أخطاء الآخرين.
يمكن كان هو الوحيد اللي يعرف القصة كاملة.
وفي صباح اليوم التالي، اتصل بياسين وقال
لقيت الشخص اللي يعرف الإجابة.
سألته
مين؟
قال
الست اللي ربتني.
قلت
هي عايشة؟
قال
أيوه.
ثم سكت لحظة وقال
لكنها طلبت تشوفك إنتِ لوحدك.
قلت
ليه؟
رد
قالت إن عندها اعتراف لازم تسمعيه قبل ما تموت.
وهنا عرفت إن الشنطة البنية كانت فعلًا مجرد بداية
لأن الحقيقة الأخيرة كانت لسه مستنية في بيت امرأة حملت سر ابني لأكثر من ثلاثين سنة روحت للعنوان لوحدي.
كان بيت صغير في آخر شارع هادي.
خبطت على الباب.
بعد ثواني، فتحته ست كبيرة في السن.
أول ما شافتني، عينيها دمعت.
قالت
إنتِ فاطمة؟
هزيت راسي.
قالت
ادخلي أنا مستنياكي من سنين.
دخلت وأنا مش فاهمة حاجة.
قعدت قدامها.
وقلت
إنتِ مين؟
قالت
اسمي نوال.
ثم سكتت طويلًا.
أنا الست اللي ربيت ياسين.
قلت
ليه أخدتي ابني؟
قالت
أنا ما أخدتوش.
أمال؟
أبوك هو اللي سلّمهولي.
الجملة وقعت عليّ كأنها صدمة.
قلت
ليه؟
فتحت درج قديم، وطلعت منه ظرف أصفر.
لأنه كان خايف إن حد يوصله.
فتحت الظرف.
كان فيه خطاب بخط زوجي.
نوال، أنا عارف إن اللي بطلبه منك صعب، لكن ابني في خطر. لو عاش معايا، الناس اللي بتراقبني هتوصله. خليه بعيد عني لحد ما أقدر أحميه.
قرأت الخطاب أكثر من مرة.
ثم سألتها
وليه ما قالليش؟
نوال ردت
لأنه كان عارف إن مراقبتهم ليك كانت أسهل من مراقبته هو.
قلت
يعني كان بيحميني؟
كان بيحميكم أنتم الاتنين.
ثم أخرجت صورة صغيرة.
كانت صورتي وأنا في المستشفى بعد الولادة.
وعلى ظهرها تاريخ.
نفس اليوم اللي اتولد فيه ياسين.
قالت
كان بيزورك كل سنة من بعيد.
اتسعت عيني.
إيه؟
كان بيشوفك من غير ما تعرفي.
حسيت بدموعي بتنزل.
ليه ما رجعش ابني؟
قالت
لأنه كل مرة كان بيقرب، كانت المشاكل بتبدأ من جديد.
ثم قالت
وقبل ما يموت بأيام، جه عندي.
سألتها
قال إيه؟
أخذت نفسًا عميقًا.
قال إن الخطر انتهى.
سكتت.
لكنه كان غلطان.
قلت
ليه؟
قالت
لأن الشخص اللي كان بيلاحق ياسين ما كانش مهتم بالفلوس.
أمال كان عايز إيه؟
نظرت في عيني.
كان عايز يمسح كل دليل يثبت إن ياسين ابنك.
سألتها
ومين الشخص ده؟
مدت يدها إلى صندوق صغير.
فتحته.
وأخرجت بطاقة قديمة.
كان عليها اسم امرأة.
قالت
دي كانت موظفة في المستشفى.
قلت
وإيه علاقتها بالموضوع؟
قالت
هي اللي غيرت سجل ميلاد ياسين.
ثم أعطتني عنوانًا.
لكن قبل ما تروحي لها، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
قالت
هي مش هتقول لك الحقيقة بسهولة.
ثم ابتسمت بحزن.
لأن عندها ابن وهو الشخص اللي كان بيراقب مايا.
رجعت البيت وأنا شايلة العنوان.
لكن أول ما وصلت، لقيت ابني ومايا مستنييني.
مايا قالت
ماما، حصلت حاجة.
سألتها
إيه؟
أخرجت هاتفها.
الرقم المجهول بعتلي رسالة.
فتحتها.
وكان مكتوب
خلاص الحقيقة قربت تخلص.
ثم وصلت رسالة ثانية بعدها بثواني
لكن لو عايزين تعرفوا كل شيء، اسألوا عن الملف رقم 27.
ابني قال
ملف 27 موجود في أرشيف المستشفى.
بصيت لنوال اللي كانت معانا على الهاتف.
قالت
أيوه.
سألتها
إيه الملف ده؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت
الملف اللي فيه الحقيقة عن يوم ولادة ياسين.
في اليوم التالي رجعنا المستشفى.
طلبنا الملف رقم 27.
الموظف بحث عنه.
وبعد دقائق رجع وقال
الملف غير موجود.
الضابط سأله
مين آخر شخص فتحه؟
الموظف راجع السجل.
ثم رفع عينيه وقال
آخر شخص فتح الملف كان من يومين.
مين؟
قرأ الاسم.
وساد الصمت.
لأن الاسم كان
اسم مايا.
بصيت لها.
هي نفسها اتصدمت.
وقالت
أنا؟! أنا ما دخلتش المستشفى أصلًا!
الضابط قال
يبقى حد استخدم بياناتك.
وفجأة فهمنا الخطة.
الشخص اللي كان بيطارد الحقيقة مش بس كان بيخوفنا.
كان بيحاول يلفق لمايا قضية سرقة مستندات.
وقبل ما نتحرك، رن هاتف ابني.
كان الرقم المجهول.
رد.
جاء صوت رجل وقال
لو عايزين الملف رقم 27 تعالوا البحيرة.
نفس البحيرة.
المكان اللي بدأت عنده الحكاية.
لكن هذه المرة
لم نكن ذاهبين للبحث عن شنطة.
كنا ذاهبين لمواجهة الشخص الذي حرّك كل الخيوط من البداية رجعنا للبحيرة مرة تانية.
نفس الطريق.
نفس الأشجار.
ونفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
لكن المرة دي كنا أربعة أنا، ابني، مايا، وياسين، ومعانا الضابط والمحامي على مسافة قريبة.
وصلنا قبل الموعد بعشر دقائق.
فضلنا مستنيين.
فجأة ظهر شخص من بين الأشجار.
كان ماسك ملف أسود.
قال
جيتوا.
ابني رد
فين الملف رقم 27؟
الرجل رفع الملف.
هنا.
الضابط خرج من مكانه وقال
حط الملف على الأرض وابعد.
الرجل اتوتر.
وبص حواليه.
ثم قال
أنا مش اللي بدأ كل ده.
قلت
أمال مين؟
رد
أمي.
اتصدمت.
موظفة المستشفى؟
هز رأسه.
أيوه.
قال إن أمه كانت واحدة من الموظفين اللي بيزوروا السجلات بأوامر من شخص أكبر منها.
قلت
ومين الشخص ده؟
فتح الملف.
وكانت فيه صورة قديمة.
الصورة كانت لجوزي
ومعه موظفة المستشفى
وشخص ثالث.
ولما بصيت للشخص الثالث، عرفت إنه
والد عم ابني.
لكن كان متوفي من سنين.
الرجل قال
أبويا هو اللي بدأ العملية.
ابني قال
بس أبويا كان بيحاول يكشفه!
صح.
يبقى ليه كنتوا بتلاحقوا ياسين؟
قال
لأن ياسين كان آخر شخص عنده دليل يثبت إن والدي كان بيزوّر سجلات الأطفال.
ياسين قال
وأنا كنت طفل وقتها. إزاي أكون دليل؟
الرجل أشار إلى الملف.
لأن الملف رقم 27 فيه بصمة والدك وتوقيعه.
المحامي أخذ الملف.
فتحه.
وكانت المفاجأة إن آخر صفحة فيها إقرار رسمي كتبه والدي.
أنا أقر أن الطفل الذي تم تسجيله على أنه متوفى هو ابني، وقد تم تغيير بياناته لحمايته.
بصيت لياسين.
دموعي نزلت.
كل السنين دي
كان أبو ابني بيحاول يرجعه.
لكن الخوف كان أكبر منه.
الضابط أخذ الملف وقال
كده عندنا دليل رسمي.
الرجل سأل
يعني هتقبضوا عليا؟
الضابط قال
أنت هتتسأل عن دورك في إخفاء الأدلة، لكن ده هيتحدد بالتحقيق.
الرجل نزل رأسه.
أنا ما كنتش عايز أؤذي حد.
قال
كنت بحاول أحمي أمي، لأنها كانت خايفة.
ثم أضاف
وهي مستعدة تشهد.
بعدها بدأت التحقيقات رسميًا.
اتفتحت ملفات قديمة.
واتأكد إن جزءًا من سجلات المستشفى اتزوّر بالفعل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن زوجي لم يكن متورطًا.
بالعكس.
كان من أوائل الناس اللي حاولوا يكشفوا التلاعب.
أما الشنطة البنية، فكانت تحتوي على النسخ الأصلية من المستندات التي أخفاها زوجي قبل وفاته.
مايا كانت لقتها.
وياسين كان عارف مكانها.
ورماها في البحيرة كجزء من خطة لإبعاد الشخص اللي كان بيراقبها عن مكان الأدلة الحقيقي.
لكنهم ما توقعوش إني أشوفها.
ولا إني هروح وراها.
ولا إني هفتحها.
وفي النهاية، رجعت البيت ومعايا ياسين.
ابني كان واقف في الصالة، وبص له وقال
البيت ده بيتك أنت كمان.
ياسين سكت.
وبعدين قال
أنا مش عايز آخد مكان حد.
ابني رد
إنت مش جاي تاخد مكان حد.
ثم أضاف
إنت راجع لمكان كان من حقك تعرفه من البداية.
بصيت لابني الاثنين.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن جزءًا كان ناقصًا مني رجع.
وفي الليلة دي، فتحت آخر ورقة تركها زوجي.
وكان مكتوب فيها
لو يومًا رجع ابني، قولي له إني ما نسيتهوش لحظة واحدة.
فضلت أبص للكلام طويلًا.
ثم حطيت الورقة في الصندوق.
وأخيرًا فهمت معنى الشنطة البنية.
لم تكن تحمل جريمة.
كانت تحمل حقيقة عيلة ضاعت بسبب الخوف والتزوير والسكوت.
وأحيانًا
أكبر الأسرار مش بتكون أسرار خيانة أو جريمة.
أحيانًا بتكون حقيقة بسيطة جدًا
لكن اتخبّت سنين طويلة، لحد ما بقت حياة كاملة من غيرها مستحيلة مرت شهور بعد اليوم اللي ظهرت فيه الحقيقة.
القضية اتفتحت رسميًا، واتراجعت سجلات المستشفى القديمة، واتثبت إن شهادة وفاة ياسين كانت مزورة، وإن والده الحقيقي حاول طوال سنين يحميه ويجمع الأدلة من غير ما يعرضه للخطر.
أما الشنطة البنية، فبقت بالنسبة لي أكتر من مجرد شنطة.
بقت الحاجة اللي رجعت لي ابني.
مايا فضلت واقفة جنبي طول الفترة دي، ولأول مرة فهمت إنها ما كانتش بتخبي عني علشان تأذيني.
كانت بتحاول تحميني.
وفي يوم، كنا قاعدين كلنا في البيت.
أنا، ابني، ياسين، ومايا.
بصيت لياسين وقلت
عارف إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟
قال
إيه؟
قلت
إني صدقت إنك مت، من غير ما يكون عندي فرصة أعرف الحقيقة.
ابتسم وقال
المهم إن الحقيقة وصلت في الآخر.
ابني حط الصندوق القديم قدامه.
وقال
نخليه عندك.
سألته
ليه؟
قال
لأنه مش بتاع الماضي بس ده دليل إنك رجعت لعيلتك.
فتحت الصندوق للمرة الأخيرة.
كان جواه صورة قديمة لينا، ورسالة والده، وشهادة ميلاده الحقيقية.
أما الشنطة البنية نفسها، فاحتفظت بيها.
مش لأنها مهمة
لكن لأنها فكرتني إن أحيانًا الحاجة اللي بنفتكر إنها مصدر مصيبة، ممكن تكون هي نفسها الطريق للحقيقة.
وبعد فترة، اتقفلت القضية الأساسية، وظهرت الحقيقة كاملة.
والأهم إن ياسين ما رجعش كغريب.
رجع كابن.
وأنا؟
كل ما أفتكر اليوم اللي شفت فيه مايا وهي بترمي الشنطة في البحيرة، بقول لنفسي
لو كنت ركبت التاكسي وكملت طريقي، كنت هفضل طول عمري فاكرة إن فيه سر مخيف مستخبي ورا المية.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
الشنطة ما كانتش فيها جريمة.
كانت فيها حكاية ابن
اتاخد من أمه وهو لسه طفل
وأب قضى آخر سنين عمره بيحاول يرجعه
وأسرة كاملة احتاجت أكتر من ثلاثين سنة علشان تعرف الحقيقة.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إيه اللي حصل في الشنطة البنية؟
بابتسم وأقول
الشنطة ما كانتش نهاية الحكاية
الشنطة كانت السبب إني ألاقي ابني اللي كنت فاكرة إني فقدته من زمان.
النهاية.

تم نسخ الرابط