روحت أزور بنت سلفى بقلم منى السيد

لمحة نيوز

كان فيه شنطتين شبه بعض عند باب الشقة.
سألتها
وإنتِ متأكدة إنك أخدتي شنطتي؟
قالت
أيوه بس دلوقتي افتكرت إن واحدة منهم كانت شنطة أم ملك.
أم ملك فتحت عينيها وقالت
يعني ممكن الشنط اتبدلت فعلًا؟
بصينا لبعض.
وبدأنا نفتكر تفاصيل اليوم كله.
وفي النهاية اكتشفنا إن اللي حصل ماكانش سرقة، ولا سوء نية، ولا مؤامرة.
كانت مجرد غلطة صغيرة اتسببت في سلسلة طويلة من سوء الفهم.
وقبل ما أمشي، ملك قالت لي
طنط، أنا عايزة أقولك حاجة.
قلت
قولي يا حبيبتي.
قالت
لما كبرت وفهمت اللي حصل، عرفت إن أحسن حاجة عملتيها إنك ما اتهمتيش حد من غير دليل.
ابتسمت وقلت
عشان الاتهام سهل يا ملك لكن إثبات الحقيقة هو اللي محتاج عقل وصبر.
ومن يومها، كل ما حد يحصل له موقف أو يسمع كلام عن شخص، أقول له نفس الجملة
قبل ما تزعل من حد اسمع منه. وقبل ما تتهمه اتأكد. لأن الحقيقة ساعات بتكون أبسط بكتير من الحكاية اللي بنبنيها في دماغنا بعد الموقف ده، افتكرت إن الحكاية انتهت فعلًا.
لكن بعد حوالي شهر، حصل شيء رجّع كل التفاصيل من جديد.
كنت عند حماتي، ولقيت أم ملك داخلة ومعاها صندوق صغير.
حطته على الترابيزة وقالت
الصندوق ده كان في بيتنا من زمان، وملك لقيته وهي بتدور على حاجة في الدولاب.
بصيت لها باستغراب.
قالت
افتحيه.
فتحته، لقيت جواه صور قديمة، أوراق، وإيصالات.
لكن في وسطهم كان فيه ظرف مكتوب عليه اسمي.
اتصدمت.
قلت
اسمي أنا؟
قالت
أيوه.
فتحت الظرف، لقيت ورقة قديمة جدًا.
كانت عبارة عن قائمة حاجات مكتوبة بخط إيدي.
بصيت لها كويس، وافتكرت فورًا.
قلت
دي قائمتي!
سألتني أم ملك
قائمة إيه؟
قلت
من سنين، قبل ما أتجوز، كنت بكتب فيها حاجات كنت عايزة أعملها لأهل البيت. ومن ضمنها إني ما أنساش حد في المناسبات.
ملك ضحكت وقالت
يعني إنتِ من زمان بتحبي تعملي الواجب؟
قلت
أيوه، بس واضح إني كنت باخد الموضوع بجد زيادة عن اللزوم.
ضحكنا.
لكن نادية كانت ساكتة.
وبعد لحظات قالت
أنا عايزة أقولك حاجة.
بصيت لها.
قالت
يوم موضوع الشنطة، أنا كنت زعلانة من نفسي.
قلت
ليه؟
قالت
عشان كنت دايمًا بحس إنك بتعملي واجبك أكتر مني، والناس بتتكلم عنك كويس. ولما حصلت مشكلة الشنطة، خوفت الناس تفتكر إني السبب.
سكتت شوية وقالت
عشان كده اتوترت وماعرفتش أتكلم صح.
قلت لها
كان ممكن تقوليلي الحقيقة من الأول.
قالت
عارفة.
أم ملك تدخلت وقالت
المهم إن الموضوع خلص، والناس اتعلمت منه.
لكن ملك كان عندها رأي تاني.
قالت
أنا اتعلمت حاجة أهم.
سألناها
إيه؟
قالت
إن الإنسان مايتقاسش بالحاجة اللي بيجيبها.
سكتنا كلنا.
وكملت
طنط جابتلي شنطة كبيرة، بس لو ماكنتش جابت حاجة خالص، كانت برضه هتفضل طنط اللي بتحبني وبتسأل عليا.
الكلام لمسني جدًا.
بصيت لها وقلت
ربنا يحفظك يا ملك.
ومن اليوم ده، بدأت أغيّر طريقتي.
بقيت أعمل الواجب، لكن من غير ما أحمل نفسي فوق طاقتها.
ولو حد ماقدرش يجيب حاجة، ما بقيتش أحكم عليه.
ولو حد جاب حاجة بسيطة، بقيت أفرح بيها زي الحاجة الكبيرة.
أما نادية، فبقت كل ما يحصل موقف بينا تقول
فاكرة الشنطة؟
وأضحك وأرد
أيوه دي الشنطة اللي علمتنا إن سوء الفهم ممكن يعمل حكاية كاملة.
لكن ملك كانت دايمًا تصحح لنا
لأ دي الشنطة اللي علمتنا إن الحقيقة لازم تفضل هي آخر كلمة.
ومن وقتها، كل ما أروح زيارة، آخد معايا حاجة بسيطة على قد استطاعتي، وأقول لنفسي
الواجب مش بالمبلغ الواجب بالنية.
والناس مش بالمظاهر الناس بالمواقف.
وأهم حاجة في أي خلاف إننا نعرف الحقيقة قبل ما نحكم على بعض لكن بعد الكلام ده بشهرين، حصل موقف جديد خلاني أفتكر الشنطة تاني.
كنت في بيت حماتي، وكان كل أهل العيلة متجمعين عشان مناسبة عائلية.
فجأة دخلت أم ملك وهي شايلة صندوق كبير.
قالت
أنا جبت حاجة لازم تشوفوها.
حطت الصندوق على الترابيزة وفتحته.
جواه حاجات قديمة تخص ملك من وقت العملية الروشتة، إيصالات المستشفى، وبعض الأوراق.
لكن كان فيه ظرف صغير ملفوف بورقة.
أم ملك قالت
الظرف ده لقيناه جوه شنطة ملك القديمة.
ملك قالت
وأنا أول ما شفته افتكرت إنه بتاع طنط.
بصيت للظرف، وكان مكتوب عليه اسمي فعلًا.
فتحته، ولقيت رسالة قصيرة بخط أم ملك.
قرأتها
إلى أختي لو حصل في يوم سوء فهم بينا، افتكري إن العِشرة أهم من أي حاجة.
رفعت عيني وبصيت لها.
قالت
أنا كتبت الرسالة دي من سنين، قبل حتى موضوع الشنطة. وكنت حاطاها في حاجات ملك، عشان لما تكبر تعرف إن العيلة مش بس كلام ومناسبات العيلة ستر وسند.
نادية قالت
غريبة الدنيا الرسالة ظهرت بعد كل اللي حصل.
أم ملك ابتسمت
يمكن عشان كلنا نفهم معناها.
لكن ملك فجأة قالت
طب أنا عندي حاجة كمان.
قامت وجابت موبايلها، وفتحت صورة قديمة.
كانت صورة للكيس اللي أنا جبته يوم العملية.
وقالت
أنا صورت الحاجات دي قبل ما أنام يوم الزيارة، عشان كنت فرحانة إن طنط جابتلي كل اللي الدكتور قال عليه.
بصيت للصورة.
الكيس كان ظاهر بوضوح، وكل الحاجات اللي جواه كانت موجودة.
نادية ضحكت وقالت
خلاص كده الصورة دي شهادة براءة للكيس!
ضحكنا كلنا.
لكن أنا بصيت للصورة فترة طويلة.
مش عشان الحاجات اللي اشتريتها
لكن عشان افتكرت قد إيه ممكن الإنسان يزعل بسبب كلمة، أو سوء فهم، أو موقف صغير.
وقلت لهم
عارفة إيه اللي اتعلمته من كل ده؟
سألوني
إيه؟
قلت
إننا ساعات بنفتكر إن المشكلة في الحاجة اللي ضاعت لكن الحقيقة إن المشكلة الأكبر بتكون في الكلام اللي بيتقال قبل ما نعرف الحقيقة.
حماتي قالت
عندك حق.
وبعدين نادية قامت، وقالت
وأنا كمان اتعلمت حاجة.
بصيت لها.
قالت
لو في حاجة حصلت، هسأل وأتكلم، بدل ما أفضل ساكتة وأسيب سوء الفهم يكبر.
قلت لها
وأنا لو سمعت عنك حاجة، هسألك إنتِ الأول.
أم ملك ابتسمت وقالت
كده الموضوع انتهى.
ملك ردت
لأ، لسه!
ضحكنا وسألناها
لسه إيه؟
قالت
أنا عايزة أعمل لطنط مفاجأة.
وبعد أيام، جالي منها ظرف صغير.
فتحته، لقيت جوه صورة لينا كلنا يوم الزيارة، وتحتها جملة بخط ملك
أحلى حاجة في الزيارة مش الكيس اللي جابته طنط أحلى حاجة إننا عرفنا إن الحقيقة لما تظهر، بتصلح حاجات كتير.
احتفظت بالصورة في درج خاص عندي.
وكل ما أشوفها، أفتكر إن صلة الرحم مش معناها إننا مانختلفش.
معناها إننا لما نختلف، نعرف نرجع لبعض بالحقيقة والاحترام.
ومن يومها، بقى عندنا في العيلة قاعدة واحدة
مفيش حكم قبل ما نسمع الطرفين ومفيش زعل بسبب كلام منقول.
والغريب إن القاعدة دي بعد كده منعت مشاكل كتير جدًا قبل ما تبدأ.
لأن أحيانًا
موقف صغير بيكشف للناس قيمة كبيرة إن الثقة مش معناها إننا ما نسألش، الثقة معناها إننا نسأل بعض قبل ما نحكم عدت الأيام، وكل حاجة رجعت طبيعية، لحد ما في يوم حصل موقف غريب جدًا.
كنت في بيت حماتي، وسمعت أم ملك بتتكلم في التليفون بصوت متوتر
يعني إزاي؟! إنت متأكد إن الورق ده اتسلم لنا؟
قربت منها وسألت
في إيه؟
قفلت المكالمة وقالت
الموضوع يخص ملك.
قلبي اتقبض.
ملك مالها؟
قالت
الدكتور طلب مني أجيب ملف العملية القديم، بس الملف مش موجود.
نادية قالت
يمكن في المستشفى.
أم ملك هزت راسها
سألتهم، قالوا إن نسخة الملف اتسلمت لنا يوم العملية.
بدأنا ندور في البيت.
فتحنا الأدراج، الدولاب، شنطة المستشفى ولا أثر للملف.
وفجأة ملك قالت
استنوا.
بصت لنا وقالت
أنا فاكرة إن بابا حط ورق العملية في شنطة طنط.
بصيت لها بدهشة
شنطتي أنا؟
قالت
أيوه، يوم الزيارة. قال إن إيديه كانت مشغولة، فحط ظرف جوه الكيس الكبير.
اتجمدنا.
قلت
بس الشنطة رجعت من غير الظرف!
هنا بدأت أفتكر كل تفاصيل اليوم.
قلت
استنوا أنا لما رجعت البيت، لقيت في الشنطة ورقة مش بتاعتي.
أم ملك قالت بسرعة
كانت فين؟
قلت
كنت فاكرة إنها إيصال قديم، ورميتها.
سألتني
رميتيها فين؟
قلت
في سلة الورق ولسه ما طلعتش الزبالة من وقتها.
جريت على البيت.
فتحت سلة الورق، وبدأت أدور بين الأوراق.
وبعد دقائق
لقيت ظرف بني صغير.
صرخت
لقيته!
رجعت عندهم، وفتحنا الظرف.
كان فيه ملف العملية كامل.
أم ملك مسكته وهي مش مصدقة وقالت
ده هو!
لكن كان فيه ورقة تانية جوه الملف.
ورقة مكتوب عليها موعد مراجعة مهم جدًا.
أم ملك بصت للموعد، وفجأة قالت
الموعد ده بكرة!
ملك اتوترت.
لكننا اتصلنا بالمستشفى، واتأكدنا من الموعد، وروحنا في نفس اليوم نجهز كل حاجة.
الدكتور راجع الملف، واطمّن على ملك، وقال إن حالتها كويسة وإن المتابعة مهمة عشان يتأكد إن التعافي ماشي بشكل سليم.
خرجنا من عنده مرتاحين.
وفي الطريق، ملك قالت لي
طنط، لو الشنطة ما اختفتش، كنا ممكن مانعرفش إن الورق ده موجود أصلًا.
ضحكت وقلت
بقى الشنطة دي هتفضل وراها حكايات لحد ما تكبري!
قالت
وأنا لما أكبر هحكي لأولادي عنها.
نادية قالت
بس ماتقوليش إننا ضيعنا الملف!
ضحكنا كلنا.
وبعدها بصيت لنادية وقلت
عارفة؟ أكتر حاجة عجبتني في كل اللي حصل إننا كل مرة كنا بنلاقي الحقيقة من غير ما نظلم حد.
قالت
وأنا اتعلمت إني ما أفسرش أي موقف من دماغي.
أم ملك قالت
وأنا اتعلمت إني ما أصدقش أي كلام منقول.
أما ملك فقالت وهي بتضحك
وأنا اتعلمت إن أي شنطة في عيلتنا لازم يبقى عليها اسم صاحبها!
ضحكنا كلنا.
ومن يومها فعلًا، كل شنطة في بيتنا بقى عليها اسم صاحبها.
لكن ملك كتبت على شنطتها جملة خاصة
ممنوع الاختفاء لأن وراكي حكاية كاملة!
وبقت كل ما نفتكر اللي حصل نضحك.
وفي الآخر، اكتشفت إن أجمل حاجة خرجت بيها من الحكاية دي مش إن الشنطة رجعت
لكن إن علاقتنا ببعض بقت أوضح.
بقينا نسأل بدل ما نفترض.
ونتكلم بدل ما نزعل.
ونتأكد بدل ما نحكم.
وعرفت إن العيلة مش معناها إن مفيش مشاكل
العيلة معناها إن لما المشكلة تحصل، نحلها بالحقيقة والاحترام بعد ما حكاية الشنطة بقت ذكرى بنضحك عليها، افتكرت إن خلاص مفيش حاجة ممكن تربطنا بيها تاني.
لكن بعد كام شهر، حصل موقف رجّع اسم الشنطة تاني، بس
تم نسخ الرابط