البنك باع
البنك باع له ٤٣ جاموسة برية هزيلة من الجوع وبعد كام شهر، أصحاب المزارع بقوا بيترجّوه يرجّع لهم العجول.
٢٢ ألف جنيه في حيوانات مش هتعيش لحد ديسمبر؟ إنت بجد ناوي ترمي فلوسك كده يا حاج ياسين؟
ضحكات اتناثرت في ساحة المزاد.
لكن الحاج ياسين السعدني، راجل عنده ٧٢ سنة، ما نزلش إيده.
قدامه كان فيه ٤٣ جاموسة برية، هزلانة لدرجة إن ضلوعها كانت باينة كأنها بتحاول تخرج من تحت جلدها.
بعضها كان واقف من غير حركة.
والباقي كان بينكش في التراب، بيدور على أي بقايا أكل رغم إن مفيش حاجة فاضلة.
فوق المنصة، كان رامي البدري، مدير المنطقة في البنك اللي حجز المزرعة، واقف مبتسم.
ضرب الدلال بالمطرقة وقال
اتباعت للحاج ياسين السعدني!
ياسين حط إيصال الشراء في جيب قميصه.
كان دفع جزء كبير من تحويشة عمره.
والفلوس اللي فاضلة كان لازم تكفي النقل، والأكل، والعلاج البيطري.
رامي قرب منه بعد ما المشترين بدأوا يمشوا.
وقال بسخرية
مراتك لو كانت موجودة، ما كانتش هتسمح لك بالجنون ده.
ياسين رفع عينه له.
ولثانية، كأن دوشة المكان كلها اختفت.
قال بصوت هادي لكنه حازم
إوعى تجيب سيرة عزيزة تاني.
ابتسامة رامي اختفت.
ياسين مشي ناحية الحيوانات.
كانت فيه أنثى كبيرة واقفة في آخر الحظيرة.
ضهرها غائر من الهزال، وإحدى ودانها متقطعة من طرفها.
ومع كده
كانت كل ما واحد من الرجالة يقرب من السور أو يخبط عليه عشان يحرك الحيوانات، تتحرك هي وتقف بينهم وبين باقي القطيع.
ياسين وقف مكانه.
هو ربّى مواشي أكتر من ٥٠ سنة.
وكان يعرف كويس الفرق بين الحيوان اللي ساكت لأنه مرهق
والحيوان اللي خلاص بطل يهتم بأي حاجة حواليه.
الأنثى دي كانت لسه مركزة مع القطيع.
لسه بتحاول تحميهم.
طلع موبايله واتصل بالطبيبة البيطرية.
دكتورة كامليا، محتاجك تيجي حالًا قبل ما ننقلهم.
بعد ساعة، وصلت كامليا.
كشفت على أضعف الحيوانات، وفضلت تبص على الباقي من بره الحظيرة.
وقالت
حالتهم سيئة جدًا. عندهم جفاف وسوء تغذية، وفي منهم ممكن ما يستحملش النقل أصلًا.
ياسين سأل
والباقي؟ عندهم فرصة؟
آه، لو اتعاملنا معاهم صح. لكن الموضوع مش مجرد إنك تطلقهم في أرض وتسيبهم ياكلوا.
ياسين هز راسه.
هو ماكانش محتاج وعد.
كان محتاج يعرف يبدأ منين.
المزرعة اللي البنك حجز عليها كانت جنب أرضه، النور، في شمال الوادي الجديد.
أرضه كانت واسعة، رغم إن جزء كبير منها جاف، ومساحات كبيرة منها بقالها سنين من غير رعي.
ومن يوم ما مراته عزيزة ماتت، ياسين كان باع تقريبًا كل المواشي اللي عنده.
فضل عنده كمية بسيطة من العلف، وشوية فراخ، وكمان دين كان أخده عشان يصلّح البير وقت مرض مراته.
بنته ليلى كانت عايشة في القاهرة.
وأول ما عرفت اللي أبوها عمله، اتصلت بيه فورًا.
بابا ٤٣ جاموسة برية؟ إنت لوحدك؟
مش هعمل ده لوحدي. دكتورة كامليا هتساعدني.
دكتورة بيطرية مش هتقدر تفضل معاك كل ليلة.
ياسين بص للمطبخ الفاضي.
كان فيه فنجانين على الرف.
رغم إنه بقاله ٤ سنين بيستخدم فنجان واحد بس.
قال
نشوف هنتصرف إزاي.
ليلى سكتت شوية.
وبعدين قالت
ده اللي مخوفني يا بابا إنك تدخل نفسك في مشكلة الأول، وبعدين تبدأ تفكر هتخرج منها إزاي.
ياسين ما جادلهاش.
كان عارف إن عندها أسباب تخاف عليه.
الحيوانات وصلت على كذا نقلة، بمساعدة جاره عم رجب.
وقبل ما يستقبلوهم، قوّوا الحظائر، وراجعوا المشارب، واتأكدوا إن كل البوابات شغالة كويس.
كامليا حطت نظام علاج وأكل تدريجي عشان يرجعوا لوزنهم وصحتهم.
وياسين كان بيسجل كل حاجة.
أضعف الحيوانات حطوها في مكان محمي.
ومحدش كان بيدخل وسطهم لمجرد إنه متعاطف أو فاكر إنه يقدر يتعامل معاهم بسهولة.
دي حيوانات برية
حتى وهي منهكة.
الأسابيع عدّت.
وياسين كان بيشتغل من الصبح لحد ما إيديه وجعته.
أما الأنثى اللي ودنها مقطوعة
فكانت آخر واحدة تقرب من الأكل.
ياسين بدأ يسميها
العجوز.
وكان يكلمها من الناحية التانية للسور
يلا يا عجوز إنتِ عارفة تستني دورك، بس بلاش مبالغة.
أحيانًا كان يحس إنه غريب على نفسه وهو واقف يتكلم معاها.
وبعدين
ما بقاش فارق معاه.
المصاريف زادت.
النقل كلّفه أكتر بكتير من اللي كان متوقعه.
وجزء من السور احتاج يتشال ويتعمل من جديد بالكامل.
وبعدين حصلت حاجة ما كانتش في الحسبان.
نزلت موجة برد وتساقط تلج بدري عن ميعاده.
الطريق اتغطى.
وبالات العلف بدأت تخلص من المخزن أسرع بكتير من المتوقع.
وفي فجر يوم من الأيام، خرج ياسين ومعاه الكشاف، ووجهه ناحية الحظيرة.
بص على القطيع.
لكن ما شافش العجوز.
قلبه اتقبض.
فضل يدور عليها لحد ما لقاها مرمية جنب المأوى.
ما كانتش قادرة تقوم.
ياسين مسك الموبايل بإيدين متجمدة واتصل بكامليا.
لما وصلت، كشفت عليها.
وبعدها رفعت عينها لياسين بجدية.
وقالت
الليلة دي ممكن نخسرها.
ياسين سحب كرسي وقعد جنب الحظيرة.
وبص للعجوز من بعيد.
وقال
يبقى الليلة دي مش هتبات لوحدها.
حكايات بسمة
صلو علي النبي ولو عاوزين التكمله متنسوش اللايك والكومنتياسين فضل قاعد جنب الحظيرة، والكشاف في إيده، وعينه على العجوز اللي كانت بتتنفس بصعوبة.
كامليا كانت بتجهز الحقن والمحاليل، وعم رجب واقف عند الباب، مش عارف يقول إيه.
قالت كامليا وهي بتراجع حرارتها
يا حاج ياسين، لازم ننقلها لمكان دافي، بس حركتها دلوقتي ممكن تتعبها أكتر.
ياسين قام فورًا.
يبقى ندفّي المكان اللي هي فيه.
محتاجين نتصرف بسرعة، جسمها مستنزف، ولو فضلت بالشكل ده ممكن يحصل لها انهيار.
ياسين بص للحظيرة، وبعدين بص للسماء اللي كانت مليانة سحب تقيلة.
يا رجب، هات المشمعات اللي في المخزن. وولّع الدفاية الآمنة بعيد عنها، وخلي بالك من التهوية.
عم رجب جري ينفذ كلامه.
أما كامليا، ففضلت جنب العجوز، بتديها العلاج بحذر.
ياسين قعد على كرسي خشب قديم، وحط إيده على ركبته اللي كانت بتوجعه.
كامليا بصت له وقالت
إنت كمان لازم ترتاح. بقالك يومين مش بتنام كويس.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
لما هي تقوم، أبقى أنام.
لكن بعد أقل من ساعة، حصل شيء غريب.
العجوز حاولت ترفع راسها، وبصت ناحية الباب.
وبعدين أطلقت صوت خافت، مختلف عن الأصوات اللي كان ياسين سمعها منها قبل كده.
القطيع كله اتحرك.
حتى الحيوانات اللي كانت نايمة قامت ووقفت ناحية السور.
كامليا رفعت راسها باستغراب.
إيه اللي حصل؟
ياسين وقف ببطء.
مش عارف بس فيه حاجة مخوفاهم.
خرج عم رجب بالكشاف، ولف حوالين الحظيرة.
وبعد دقايق رجع وهو بيقول
يا حاج، فيه آثار عجلات عربية جنب السور الخلفي ولسه جديدة.
ياسين عقد حاجبيه.
عربية مين؟
معرفش. بس فيه حد كان واقف هنا، وفيه حاجة متعلقة في السلك.
راحوا ناحية السور، وكامليا فضلت جوه تراقب الحيوانات.
عم رجب سلط الكشاف على السلك، فظهر كيس بلاستيك صغير مربوط في طرفه.
ياسين فكه وفتحه.
كان جواه ورقة مطوية.
فتحها تحت نور الكشاف، وقرأ المكتوب بخط كبير
بيع القطيع قبل ما تخسر أرضك البنك مش هيسيبك في حالك.
عم رجب بلع ريقه.
هو مين اللي بعت الكلام ده؟
ياسين فضل ساكت.
لكن قبل ما يرد، موبايله رن.
كانت بنته ليلى.
بابا، إنت صاحي؟
أيوه يا بنتي.
فيه حاجة لازم تعرفها أنا لقيت ورق قديم في حاجات ماما، ومش فاهمة معناه.
ياسين حس إن قلبه دق أسرع.
ورق إيه؟
ليلى اترددت لحظة، وبعدين قالت
ورق خاص بالمزرعة اللي البنك باعك حيواناتها وفيه اسم رامي البدري.
ياسين بص للورقة اللي في إيده.
رامي؟ إنتِ متأكدة؟
أيوه. والأغرب إن الورق عليه إمضا ماما بتاريخ قبل وفاتها بشهرين.
ياسين سكت تمامًا.
عزيزة عمرها ما قالت له إنها تعرف رامي.
ولا مرة جابت سيرة البنك أو المزرعة دي.
ليلى كملت بصوت متوتر
بابا، فيه كمان ورقة مكتوب فيها إن ماما كانت بتحاول تمنع بيع حاجة تخص الأرض وأنا خايفة يكون الموضوع أكبر من اللي إحنا فاهمينه.
ياسين سند إيده على السور.
اسمعيني كويس يا ليلى صوّري الورق كله، وابعتِيهولي. ومتسلميش أي أصل لحد.
حاضر بس يا بابا، إنت ليه صوتك اتغير؟
بص ياسين ناحية الحظيرة.
العجوز كانت لسه رافعة راسها، وعينيها ثابتة على الباب.
قال بهدوء
عشان حاسس إن الليلة دي مش بس ليلة إنقاذ حيوان.
وقبل ما يقفل، سمع صوت كامليا بتناديه من جوه
يا حاج ياسين! تعالى بسرعة!
جري ناحية الحظيرة.
العجوز كانت بتحاول تقوم، لكن رجليها خانتها.
وفي اللحظة دي، حصلت المفاجأة
واحدة من الجاموسات الصغيرة خرجت من بين القطيع، وقربت من العجوز، وحطت راسها تحت رقبتها كأنها بتحاول تسندها.
كامليا بصت لياسين بدهشة.
بص يا حاج دي مش بتسيبها لحظة!
ياسين قرب خطوتين، لكن كامليا أشارت له يقف.
استنى خلينا نراقبهم من غير ما نضغط عليهم.
وفجأة، العجوز رفعت راسها مرة تانية، وأطلقت صوتًا عاليًا هزّ الحظيرة.
القطيع كله رد عليها.
ياسين حس إن فيه رابط بينهم أكبر من مجرد وجودهم في نفس المكان.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية
مع أول ضوء للنهار، وصلت عربية سوداء عند بوابة المزرعة.
نزل منها رامي البدري بنفسه.
وكان معاه راجل شايل ملف بني كبير.
رامي ما استناش ياسين يخرج، وفضل يخبط على البوابة بعصبية.
يا حاج ياسين! افتح، لازم نتكلم حالًا!
ياسين خرج، ووقف قدامه.
خير؟
رامي بص ناحية الحظائر، وبعدين قال
أنا جاي أديك فرصة أخيرة ترجع الجاموس للبنك، ونلغي البيع من غير ما تخسر أكتر.
ياسين ضيّق عينيه.
وليه البنك يغيّر رأيه دلوقتي؟
رامي قرب منه وخفض صوته
لأن فيه حاجة اكتشفناها عن القطيع حاجة لو عرفتها، مش هتقدر تحتفظ بيهم.
ياسين ما اتحركش.
قول.
رامي فتح الملف، وطلع منه صورة قديمة لجاموسة ودنها مقطوعة من طرفها.
نفس العجوز.
لكن الصورة كانت متصورة قبل سنين، وكانت الجاموسة فيها بصحة ممتازة، واقفة جنب راجل ياسين ما شافوش قبل كده.
رامي حط الصورة قدامه وقال
الجاموسة دي مش مجرد واحدة من القطيع يا حاج دي ممكن تكون السبب في إن أصحاب المزارع كلهم بقوا بيدوروا على العجول.
ياسين مسك الصورة، وفضل يبص فيها.
وبعدين رفع عينه لرامي وسأله
الراجل اللي واقف جنبها ده مين؟
رامي فتح بقه عشان يرد
لكن عم رجب ظهر من ورا ياسين، وأول ما شاف الصورة، وشه اتغير.
وقال بصوت مبحوح
يا ساتر يا رب ده مستحيل!
ياسين لف له بسرعة.
إنت تعرف الراجل ده يا رجب؟
عم رجب رجع خطوة لورا، وعينه على الصورة.
أعرفه يا حاج ده صاحب القطيع الأصلي، والراجل اللي اختفى من الوادي من أكتر من عشر سنين!
رامي قفل الملف بعصبية.
كفاية كلام! الموضوع ده مش المفروض يتفتح تاني!
ياسين وقف قدامه بثبات.
لأ يا رامي دلوقتي بالذات لازم يتفتح.
وفي اللحظة دي، موبايل ياسين وصلته رسالة من ليلى.
صورة لورقة قديمة بخط عزيزة.
وتحت الصورة جملة واحدة
يا ياسين، لو في يوم وصلت لك الجاموسة اللي ودنها مقطوعة اعرف إن السر اللي خبّيته عنك رجع تاني.
ياسين فضل باصص للرسالة، وإيده بتترعش.
خط عزيزة
نفس الخط اللي كان بيشوفه على ورق المصاريف، وقوايم العلف، والرسايل الصغيرة اللي كانت بتسيبهاله جنب فنجان القهوة.
لكن الجملة دي كانت مختلفة.
السر اللي خبّيته عنك رجع تاني.
رفع عينه لعم رجب.
إنت قلت إن الراجل ده اختفى من الوادي من عشر سنين اختفى إزاي؟
عم رجب بص لرامي، وبعدين رجع بص لياسين.
اسمه منصور الديب. كان عنده مزرعة كبيرة، وكان معروف إنه بيربي الجاموس البري من سنين طويلة. وفي يوم، حصل حريق في المخزن، وبعدها اختفى الراجل والقطيع اتفرق.
رامي قاطعه بعصبية
الحكاية دي قديمة ومفيش منها فايدة. أنا جاي أتكلم في موضوع البيع، مش أفتح ملفات اتقفلت من زمان.
ياسين قرب منه.
طب ليه جاي بنفسك؟ وليه عايز ترجع القطيع؟
رامي اتنحنح.
البنك اكتشف إن فيه مشكلة في الأوراق، وعايز يحلها قبل ما الموضوع يكبر.
مشكلة إيه؟
رامي بص للراجل اللي معاه، والراجل فتح الملف وطلع ورقة.
فيه اعتراض رسمي على ملكية بعض الحيوانات، وممكن البيع كله يتوقف لحد ما نراجع المستندات.
ياسين أخد الورقة، وقراها ببطء.
وبعدين رفع عينه.
يعني إنتوا بعتولي حيوانات، وبعد ما دفعت فلوسي، اكتشفتوا إن فيه حد تاني بيدّعي ملكيتها؟
رامي رد بسرعة
إحنا بنتعامل مع إجراءات قانونية يا حاج.
ياسين طوى الورقة وحطها في جيبه.
وأنا كمان هتعامل بالقانون. لحد ما الحقيقة تظهر، الحيوانات دي في عهدتي، وهفضل أصرف عليها وأعالجها.
رامي هز راسه بضيق.
إنت مش فاهم خطورة الموضوع.
يبقى فهمني.
لكن رامي ما ردش.
ركب عربيته ومشي، وساب الراجل اللي معاه واقف لحظة، قبل ما يلحقه.
عم رجب قرب من ياسين وقال
يا حاج، أنا مش مرتاح. منصور الديب ده كان راجل طيب، بس اختفاؤه كان وراه حكاية محدش حب يتكلم فيها.
ياسين بص للصورة تاني.
وإنت كنت تعرفه كويس؟
عم رجب اتردد.
كنت شغال عنده وأنا صغير. وكنت بشوف الجاموسة دي دايمًا معاه. كان بيسميها مبروكة.
ياسين بص ناحية الحظيرة.
العجوز كانت واقفة بصعوبة، والصغيرة اللي ساندتها من شوية كانت لازقة فيها.
طب وإيه حكاية العجول اللي أصحاب المزارع بيدوروا عليها؟
عم رجب خد نفس طويل.
منصور كان عنده سلالة نادرة من الجاموس البري، وكان بيهتم بيها بطريقة مختلفة. العجول اللي كانت بتتولد عنده كانت بتكبر بصحة كويسة رغم ظروف الأرض الصعبة.
ياسين هز راسه.
ده معناه إن فيه سر في التربية أو في السلالة نفسها؟
غالبًا. بس محدش يعرف التفاصيل كلها.
في اللحظة دي، كامليا خرجت من الحظيرة، وشكلها كان متغير.
يا حاج ياسين، محتاجاك تشوف حاجة.
دخلوا معاها.
كانت واقفة جنب العجوز، وفي إيدها دفتر قديم لاقته في صندوق خشب صغير جوه المخزن اللي اتنقلت منه الحيوانات.
الغلاف كان متآكل، وعليه اسم مكتوب بخط باهت
منصور الديب سجل القطيع.
ياسين فتح الدفتر بحذر.
أول الصفحات كانت فيها أرقام وتواريخ وملاحظات عن التغذية والولادات والعلاج.
لكن في نص الدفتر، لقى ورقة متثبتة بدبوس قديم.
كان مكتوب فيها
مبروكة هي الأم الوحيدة اللي فضلت من القطيع الأصلي. لو حصل لي حاجة، لازم اللي يستلمها يحافظ على العجول اللي وراها، وما يبيعهاش قبل ما يعرف الحقيقة.
ياسين رفع عينه لكامليا.
العجول اللي وراها؟
كامليا أشارت ناحية الجاموسة الصغيرة.
ممكن تكون واحدة من نسلها، لكن محتاجين نفحص السجلات ونتأكد. الورق لوحده مش كفاية.
ياسين قلب الصفحة.
ولقى أسماء تانية، جنبها علامات بالقلم الأحمر.
وفي آخر السطر، اسم واحد اتكرر أكتر من مرة
رامي البدري.
عم رجب شهق.
رامي؟!
ياسين قفل الدفتر ببطء.
واضح إن الراجل ده عارف أكتر مما بيقول.
في القاهرة، كانت ليلى قاعدة على الأرض وسط أوراق أمها القديمة.
كل ما تفتح ظرف، تلاقي ورقة بخط عزيزة أو صورة قديمة.
وفجأة، وقعت من بين الأوراق صورة صغيرة.
رفعتها.
كانت صورة لأمها واقفة قدام مزرعة، وجنبها راجل كبير في السن.
قلبت الصورة.
ولقت مكتوب على ظهرها
منصور أمانة مبروكة في رقبتك.
ليلى حست بقشعريرة.
إزاي أمها تعرف منصور الديب؟
وإيه علاقة مبروكة بيها؟
اتصلت بأبوها فورًا.
بابا، لقيت صورة لماما