ابويا ادي دعوة

لمحة نيوز

سمعنا صوت موبايل بيرن.
مش موبايل حد فينا.
الصوت جاي من داخل الصندوق الخشبي.
فتحناه.
كان فيه هاتف قديم.
الشاشة منورة.
وعليها رسالة واحدة
لو عايزة الشريط، تعالي لوحدك.
وتحتها عنوان.
قرأت العنوان.
وكان اسم المكان مألوفًا جدًا.
قلت
ده المكان اللي كنت بروحه وأنا صغيرة.
أبويا انتفض.
لا.
بصيت له.
إنت تعرفه؟
قال
ده بيت جدتك.
عمي قال
البيت مقفول من سنين.
سامح أخذ الهاتف.
الرسالة اتبعت من رقم غير مسجل.
الرجل الكبير قال
ومش هنروح ورا الرسالة.
اعترضت
بس الشريط هناك.
رد
واللي أخده عايزنا نروح.
سامح قال
بالضبط.
ثم نظر إليّ.
لكن في طريقة تانية.
أخرج جهازه.
لو الرسالة اتبعت من المكان ده، ممكن نحدد مصدرها.
بعد دقائق، رفع عينه.
المصدر قريب جدًا من العنوان.
سألته
يعني هو هناك؟
قال
مش بالضرورة.
أبويا قرب مني.
إنتِ مش هتروحي.
بصيت له.
أنا مش هروح لوحدي.
سكت.
لكن هروح.
قبل ما يرد، سمعنا صوت رسالة جديدة على الهاتف.
فتحناها.
كانت صورة.
صورة حديثة ليا وأنا واقفة على مسرح الأكاديمية النهارده.
وتحتها جملة واحدة
أبوك كان بيحميكي من الماضي لكن مين هيحميكي من الحقيقة؟
ثم وصلت رسالة ثانية مباشرة بعدها
وخلي العقيد سامح يجيب الملف الأزرق.
سامح تجمد.
أنا بصيت له.
إيه الملف الأزرق؟
ما ردش.
قلت
حضرتك عندك ملف أزرق؟
فضل ساكت.
فقال أبويا
سامح كفاية أسرار.
العقيد سامح أخذ نفسًا طويلًا.
ثم فتح حقيبته وأخرج ملفًا أزرق.
حطه قدامي.
وقال
ده الملف اللي أمك طلبت مني أخفيه.
فتحت عيني.
فيه إيه؟
قال
الحقيقة الكاملة عن آخر أسبوع في حياة أمك.
ثم أضاف
وفيه اسم الشخص اللي كانت بتثق فيه.
فتحت الملف.
لكن قبل ما أقرأ الاسم
سمعنا طرقًا قويًا على باب البيت.
ثلاث خبطات.
ثم صوت رجل من الخارج
ليان أنا جاي أخد الشريط اتجمدنا كلنا.
الصوت اللي بره كان واضح.
والمشكلة إن صاحب الصوت نطق اسمي كأنه يعرفني من سنين.
العقيد سامح أشار للضباط يسكتوا.
ثم قال بصوت منخفض
محدش يفتح.
الخبطات اتكررت.
دق دق دق.
الرجل بره قال
أنا عارف إنكم جوه.
أبويا قرب من الباب، لكن سامح وقفه.
خليك مكانك.
الرجل كمل
والشريط مش هو أهم حاجة عندكم.
بصيت للملف الأزرق في إيدي.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قلت
هو عارف الملف.
سامح هز رأسه.
واضح.
الرجل بره قال
ليان أمك كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.
ثم سكت.
وعشان كده تركت لك رسالة.
بصيت للملف.
قال
افتحي الصفحة الأخيرة.
فتحت الملف بسرعة.
صفحات وتقارير قديمة.
لحد ما وصلت للصفحة الأخيرة.
كان عليها ظرف صغير.
مكتوب عليه بخط أمي
إلى ليان فقط.
فتحته.
جواه ورقة صغيرة جدًا.
قرأت
لو الشخص اللي عند الباب وصل لحد هنا، يبقى الخطة الأولى فشلت.
اتنفست بصعوبة.
لكن ما تخافيش. هو مش أخطر شخص في الحكاية.
رفعت عيني لسامح.
كملت
الشخص الأخطر هو الشخص الذي سيحاول إقناعك أن كل ما حدث كان لحمايتك.
بصيت لأبويا.
كان وشه اتغير.
قال
ليان
رفعت إيدي.
استنى.
رجعت للورقة.
اسألي عن الشخص الذي كان يملك مفتاح غرفتي.
توقفت.
قلت
مين كان معاه مفتاح أوضة ماما؟
أبويا قال فورًا
أنا.
عمي قال
وأنا كان معايا نسخة.
سامح قال
وأنا ما كانش معايا.
لكن الرجل الكبير كان ساكت.
بصيت له.
حضرتك؟
هز رأسه.
لا.
وفجأة
سمعنا صوت المفتاح بيدور في باب البيت.
أبويا رجع خطوة.
مستحيل.
سامح أشار للضباط.
لكن الباب اتفتح ببطء.
دخل رجل.
وقف في الصالة.
ما كانش عمي.
ولا الشخص اللي ظهر في الصورة.
ولا أي حد توقعناه.
كان أحد العاملين القدامى في بيت جدتي.
بص لي وقال
أنا مش جاي أؤذيكي.
سامح رفع سلاحه.
إيديك قدامك.
الرجل رفع إيديه.
أنا جاي أقول الحقيقة.
قلت
إيه الحقيقة؟
بص لأبي.
ثم قال
أمك ما كانتش بتخاف من أخوكِ في العيلة.
سكت.
كانت بتخاف من الشخص اللي كان بيدخل البيت باسم أبوكي.
أبويا اتجمد.
قلت
مين؟
الرجل أخرج مفتاحًا قديمًا.
وقال
الشخص ده كان بيدخل أوضتها وقت ما أبوكي يكون بره.
أبويا قال
إنت بتتهم مين؟
الرجل بص لي.
مش هاتهم حد.
ثم أشار للملف.
الاسم موجود جوه.
فتحت الصفحة الأخيرة.
وكان تحت توقيع أمي اسم واحد.
اسم الشخص الذي كانت تثق به.
قرأته
واتسعت عيني.
لأن الاسم كان لشخص واحد فقط في الغرفة.
العقيد سامح رشدي فضلت باصة للاسم ثواني، وكأني مستنية الحروف تتغير قدامي.
العقيد سامح رشدي.
رفعت عيني ببطء.
سامح ما اتحركش.
ولا حاول يبرر.
وده كان أخوف من أي دفاع.
قلت بصوت متوتر
إنت كنت الشخص اللي ماما بتثق فيه؟
رد بهدوء
أيوه.
أبويا انفجر
وأنا كنت عارف إنك هتوصلي للنقطة دي!
سامح بص له.
إنت عارف نص الحقيقة بس.
إنت كنت بتدخل أوضتها!
سامح سكت لحظة، وبعدين قال
كنت بدخل لما هي تطلب مني.
اتصدمت.
ليه؟
بص للورقة اللي في إيدي.
لأن أمك كانت بتحاول تحميكي.
الرجل اللي دخل البيت فجأة قال
مش بس تحميها كانت بتحمي حاجة أهم.
سامح التفت له بسرعة.
إنت ما كانش المفروض تيجي هنا.
الرجل ابتسم ابتسامة غريبة.
وأنت ما كانش المفروض تخبي الشريط كل السنين دي.
سكت المكان كله.
أنا قربت خطوة.
إيه اللي على الشريط؟
سامح بص لي مباشرة.
آخر تسجيل عملته أمك.
وقالت فيه إيه؟
قبل ما يرد
سمعنا صوت تكسير جاي من ناحية الشباك.
طاخ!
الزجاج اتكسر.
الضباط اندفعوا ناحية الصوت.
وأبويا شدني بعيد عن الشباك.
لكن سامح ما بصش ناحية الزجاج.
بص ناحية الملف.
وقال
خدوا الملف.
قلت
ليه؟
قال
لأن اللي حصل دلوقتي معناه إنهم عرفوا إنك قرأتي الاسم.
فتحت الملف بسرعة.
الورق كان موجود.
لكن
الصفحة الأخيرة اختفت.
شهقت
الصفحة راحت!
سامح قال
مستحيل.
قلبنا الملف كله.
ولا أثر لها.
الرجل الغريب قال
مش مستحيل.
وبص للساعة.
لأن اللي أخدها كان جوه البيت قبل ما أنا أدخل.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قال
يعني الشخص اللي بندور عليه مش برا.
سكت لحظة.
ثم بص لأبويا.
هو كان هنا.
أبويا اتراجع خطوة.
إنت بتتكلم عن مين؟
الرجل ما ردش.
وفجأة
موبايل سامح رن.
بص للشاشة.
اتغير لون وشه.
قلت
مين؟
مد إيده بالموبايل ناحيتي.
كان فيه رسالة واحدة
خلصتوا من الصفحة؟
وتحتها صورة.
صورة لينا كلنا
متاخدة من داخل البيت.
لكن الصورة كانت ملتقطة منذ دقائق.
يعني الشخص اللي صورها كان لسه موجود.
بصيت حواليا.
الأبواب.
الشبابيك.
الممر.
السلم.
وفجأة لمحت باب صغير تحت السلم.
باب كنا معديين قدامه طول الوقت.
كان مقفول.
قلت
الباب ده وراه إيه؟
أبويا رد بسرعة
مفيش حاجة.
سامح بص له.
وبعدين بص لي.
وقال
افتحيه.
أبويا اعترض
ليان، بلاش.
لكنني مشيت ناحية الباب.
حطيت إيدي على المقبض.
كان مفتوحًا أصلًا
لكن حد كان ماسكه من الناحية التانية.
وقبل ما أقدر أعمل أي حاجة
جالي صوت من جوه
ليان
صوت ست.
صوت ضعيف.
ومبحوح.
لكنني عرفته.
لأني سمعته مرة واحدة فقط وأنا طفلة
في تسجيل قديم كانت أمي بتتكلم فيه.
الصوت قال
لو فتحتي الباب هتعرفي ليه أبوكي خبّى الحقيقة عنك.
اتجمدت مكاني.
وسامح همس
مستحيل
قلت
إنت عرفت الصوت؟
ما ردش.
الصوت من جوه قال
اسألي سامح عن اللي حصل ليلة وفاة أمك.
ثم سكت.
وضعت يدي على المقبض.
لكن قبل ما أفتحه، سامح قال جملة خلتني أسحب إيدي فورًا
ليان أمك ما كانتش لوحدها ليلة موتها.
وسكت.
ثم أضاف
وأنا كنت آخر واحد شافها.
لكن السؤال الحقيقي كان
ليه سامح أخفى ده عني كل السنين دي؟أكيد، دي النهاية وتكشف كل الأسرار وتربط الأحداث ببعض
فضلت ليان واقفة قدام الباب، وعينيها على العقيد سامح.
قالت بصوت ثابت رغم ارتعاشها
إنت كنت آخر واحد شاف أمي ليه؟
سامح أخد نفس طويل، وقال
لأن أمك في الليلة دي طلبت مني أساعدها تختفي من غير ما حد يعرف.
ليان اتصدمت.
تختفي؟! بس هي ماتت!
هز رأسه.
هي ماتت فعلًا لكن قبل موتها بساعات كانت عارفة إن في حد بيحاول يوصل للأوراق اللي جمعتها.
فتح سامح الملف الأزرق وأخرج ورقة قديمة.
أمك اكتشفت إن فيه تحويلات مالية واتفاقات مزورة مرتبطة بأملاك العيلة. والأخطر إنها اكتشفت إن حد من أقرب الناس ليها كان بيوصل المعلومات دي لناس تانية.
ليان بصت لأبوها.
عشان كده كنت بتخبي عني؟
أبوها نزل عينيه.
كنت خايف عليكي.
صرخت
الخوف مش مبرر إنك تخليني أصدق إن أمي ماتت بسبب تعب!
رد أبوها والدموع في عينيه
أنا غلطت. خفت أخسر بنتي زي ما خسرت أمك.
سكتت ليان.
ثم التفتت لسامح
والشريط؟
سامح أخرج هاتفه.
الشريط الأصلي ما اتسرقش.
ليان اتصدمت.
إيه؟
ابتسم لأول مرة.
اللي اتسرق كان نسخة.
ثم أخرج ظرفًا أسود من داخل سترته.
أمك سلمتني الأصل قبل وفاتها.
فتح الظرف.
كان بداخله تسجيل صوتي.
شغله.
وجاء صوت أم ليان، ضعيفًا لكنه واضح
ليان لو وصل التسجيل ده ليكي، يبقى أنا ما قدرتش أحكي لك بنفسي.
شهقت ليان.
الصوت تابع
أبوك أخطأ لما حاول يخبي الحقيقة عنك، لكنه ما كانش الشخص اللي خان ثقتي.
ليان بصت لأبيها.
ثم جاء الجزء الذي قلب كل شيء
الشخص اللي كنت بثق فيه هو سامح وعشان كده سلمته الأدلة.
سامح أغمض عينيه.
لكن يا ليان، لو سمعتِ التسجيل ده، ما تثقيش في أي ورقة لوحدها. الحقيقة لازم تكون قدام جهات رسمية.
ثم قالت أمها
والشخص اللي حاول ياخد الشريط مش هو اللي بدأ الحكاية. هو مجرد واحد كان بينفذ أوامر شخص أكبر.
توقف التسجيل.
ساد الصمت.
الرجل الذي دخل البيت قال
الشخص ده أنا كنت شاكك فيه من سنين.
ليان سألته
مين؟
قبل أن يجيب، دخلت قوة من رجال التحقيق، بعدما كان سامح قد أرسل لهم الموقع والملفات.
وتم ضبط الشخص الذي حاول سرقة الصفحة والشريط.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت أثناء التحقيق.
اعترف أن الشخص الذي كان يعطيه التعليمات هو أحد أفراد العائلة الذي كان يتولى إدارة جزء من الممتلكات والحسابات القديمة.
لم يكن الأب.
ولم يكن سامح.
وكان هو نفسه الشخص الذي استغل ثقة الأسرة لسنوات، وزور بعض المستندات وحاول التخلص من الأدلة التي جمعتها أم ليان.
أما وفاة الأم، فلم يثبت أنها جريمة قتل؛ التحقيقات الطبية والجنائية أكدت أنها توفيت بسبب مضاعفات مرضية، لكن الظروف المحيطة بها جعلت القضية تُفتح من جديد للتحقيق في إخفاء المستندات والتلاعب المالي.
أما الصفحة الأخيرة التي اختفت من الملف، فقد عُثر عليها داخل منزل الشخص المتورط.
وعليها جملة واحدة كتبتها أم ليان
لو وصلت ليان إلى الحقيقة، سيعرف الجميع أنني لم أكن خائفة على نفسي كنت خائفة عليها.
مرت الشهور.
انتهت التحقيقات، وعادت حقوق الأسرة في جزء كبير من الممتلكات بعد إثبات التلاعب.
أما والد ليان، فكان أكثر شيء يؤلمه أنه أدرك متأخرًا أن محاولته حمايتها جعلتها تشعر طوال حياتها بأنها غير مهمة.
وقف أمامها ذات يوم وقال
أنا خسرت أربع سنين وأنا فاكر إني بحميكي وأنا في الحقيقة كنت بخسرك.
ليان لم تجبه فورًا.
ثم قالت
أنا مش محتاجة تعوضني عن السنين اللي فاتت بس لو عايز تكون أبويا بجد، متخبيش عني الحقيقة تاني.
هز رأسه.
وعد.
وفي اليوم التالي عادت ليان إلى الأكاديمية.
هذه المرة لم تدخل من باب جانبي.
دخلت من البوابة الرئيسية.
مرتدية زيها الرسمي، ورأسها مرفوع.
كان قائد الأكاديمية ينتظرها.
قال لها
مستعدة للمرحلة الجديدة؟
ابتسمت.
أكتر من أي وقت.
ناولها ملفًا جديدًا.
تم اعتماد ترشيحك لبرنامج القيادة.
فتحت الملف.
وجدت في أول صفحة جملة كتبها العقيد سامح بخط يده
ليان محمود عبدالسلام لم تكن يومًا محتاجة لمن يفتح لها الباب، لأنها أثبتت أنها قادرة على فتح الأبواب المغلقة بنفسها.
ابتسمت ليان.
ولأول مرة منذ سنوات
لم تنظر خلفها.
لأنها فهمت أخيرًا أن أكبر انتصار لم يكن في كشف سر أمها
ولا في إثبات خطأ أبيها
ولا في كشف الشخص الذي خان ثقة العائلة.
كان في أنها خرجت من كل ذلك وهي ما زالت واقفة.
وليان التي طُردت من باب حفل تخرجها أمام الجميع، دخلت بعد شهور من نفس الباب، لكن هذه المرة لم تكن ابنة رجل مهم.
كانت ضابطة صنعت اسمها بنفسها.

تم نسخ الرابط