عمتى بقلم منى السيد

لمحة نيوز

على الأرض، سلمي المفتاح لبنتي.
مديت إيدي آخده، لكن جدتي مسكت إيدي وقالت
قبل ما تاخديه، لازم تعرفي إن المفتاح ده مش بيفتح خزنة.
استغربت
أمال بيفتح إيه؟
قالت
بيفتح باب.
المحامي سألها
باب فين؟
جدتي بصت ناحية عم جلال.
هو الوحيد اللي يعرف.
عم جلال أخذ نفسًا طويلًا وقال
في البيت القديم، ورا المكتبة اللي كانت في مكتب أخويا.
رجعنا كلنا هناك.
دخلنا المكتب، وعم جلال حرّك المكتبة بصعوبة، فظهر جزء صغير من الحائط عليه فتحة للمفتاح.
دخل المفتاح...
واتفتح باب ضيق.
وراه كانت غرفة صغيرة جدًا، مليانة ملفات وصناديق قديمة.
وفي نص الغرفة كان فيه صندوق خشبي.
فتحناه.
لقينا دفتر حسابات، وعقود، وصور، وفي الآخر ظرف مكتوب عليه
إلى بنتي... لو وصلتي لهنا، يبقى لازم تعرفي الحقيقة.
فتحت الظرف.
وكانت أول جملة
الشخص اللي حاول ياخد أرضنا مش حمّدي.
بصيت لطارق.
كملت القراءة
حمّدي كان مجرد أداة، وجلال كان بيحاول يوقفه من بعيد. أما الشخص الحقيقي، فهو واحد من الناس اللي كانوا عارفين كل تفاصيل ملكيتنا.
المحامي قال
كملي.
قلبت الصفحة.
وهنا ظهرت الصدمة.
كان أبويا كاتب اسمًا واضحًا جدًا.
سامح.
رفعت عيني ناحية ابن عمي.
سامح كان واقف في آخر الغرفة، ولما شاف اسمه مكتوب، وشه اصفر.
قلت
إنت؟
رد بسرعة
اسمعيني قبل ما تحكمي عليا!
صرخت
إنت اللي زورت الورقة؟
قال
أيوه... بس مش عشان آخد الأرض.
سكت الجميع.
وأكمل
أنا زورت ورقة واحدة عشان أوقف عملية البيع اللي حمّدي كان بيجهز لها. كنت فاكر إني بحميكم، لكن اللي عملته فتح الباب للشخص الحقيقي إنه يستخدم اسمي واسم عمتي في تزوير أكبر.
المحامي سأله
ومين الشخص الحقيقي؟
سامح بص لعم جلال.
عم جلال قال
خلاص... مافيش داعي نخبي أكتر.
وفجأة سمعنا صوت سيارة وقفت قدام البيت.
ثواني...
وباب البيت اتفتح.
دخل رجل لم نتوقع أبدًا نشوفه.
كان محامي العيلة القديم.
بص لنا وقال
للأسف، أبوكم كان شاكك في الشخص الصح... لكنكم لسه ماعرفتوش كل الحقيقة.
ثم أخرج ملفًا من حقيبته وقال
وأنا جاي أثبت لكم إن الأرض اتباعت من سبع سنين... من غير ما حد فيكم يعرف وقفت قدام عم جلال وأنا مش عارفة أصدقه ولا أصدق الورقة اللي في إيده.
قلت له
يعني إيه الأرض مش ملك الشخص اللي فاكرين إنه وارثها؟
عم جلال حط الورقة على الترابيزة وقال
أبوكي كان عارف إن فيه حد بيحاول يستولي على الأرض من سنين، لكنه ماقدرش يواجهه لوحده.
المحامي مد إيده للورقة، وبدأ يقرأها.
فجأة اتغيرت ملامحه.
دي مش ورقة عادية... دي صورة من عقد قديم جدًا.
عمتي ميرفت قالت
عقد إيه؟
رد المحامي
عقد تقسيم ملكية الأرض قبل وفاة والدكم.
بصيت للورقة، ولقيت اسم أبويا... وبعده أسماء الورثة.
لكن كان فيه اسم إضافي.
إسلام.
أخويا الصغير.
قلت باستغراب
إسلام كان طفل وقتها! إزاي يبقى له نصيب مستقل؟
عم جلال قال
لأن أبوكي عمل حاجة محدش فيكم كان يعرفها.
وسكت لحظة، ثم أخرج ورقة ثانية.
أبوكي سجّل جزء من الأرض باسم إسلام، وجزء تاني باسمك إنتِ.
اتصدمت.
أنا؟
هز رأسه.
أيوه. وكان فيه شرط واضح محدش يقدر يبيع أو يتصرف في الأرض إلا بموافقة أصحاب النصيبين.
المحامي قال
وده يفسر ليه حد كان بيحاول يزوّر الأوراق. لو قدر يلغي حقكم، الأرض كلها هتبقى تحت سيطرته.
سألت عم جلال
بس ليه عمل كل ده في السر؟
بص لي طويلًا وقال
لأنه كان عارف إن الشخص اللي بيطمع في الأرض موجود وسط دايرتكم.
سكتنا جميعًا.
عمتي قالت
تقصد مين؟
عم جلال ما ردش.
بدل كده، أخرج صورة قديمة من جيبه وحطها قدامنا.
الصورة كانت لأبويا واقف قدام الأرض، ومعاه ثلاثة أشخاص.
أنا عرفت أبويا فورًا.
وعرفت عم جلال.
لكن الشخص الثالث...
كان حمّدي.
قلت
حمّدي كان يعرف أبويا من زمان؟
عم جلال قال
أكتر مما تتخيلي.
المحامي قلب الصورة، فلقينا جملة مكتوبة خلفها بخط أبويا
حمّدي يعرف مكان المستند الأصلي... لكنه مش أخطر شخص.
قلبي دق بسرعة.
أمال مين الأخطر؟
عم جلال بص لعمتي ميرفت.
عمتي اتراجعت خطوة.
وقالت
ليه بتبصلي كده؟
رد بهدوء
لأن الشخص اللي استخدم اسمك في البنك كان محتاج حد يوصله للمعلومات اللي كانت معاكي.
عمتي هزت رأسها
أنا ما اديتش أي حد حاجة!
قلت بسرعة
يمكن حد خد الأوراق منك من غير ما تعرفي.
عم جلال قال
بالضبط.
ثم أخرج آخر ورقة من الملف.
ودي هتقول لنا مين.
المحامي بدأ يقرأ الأسماء الموجودة في سجل استلام الأوراق.
وفجأة سكت.
قلت
في إيه؟
رفع عينه وقال
الاسم ده موجود هنا... لكن أنا مش فاهم إزاي.
بصيت في الورقة.
وكان الاسم
كريمة... جدتي.
لكن جدتي كانت وقتها في المستشفى، وما خرجتش من البيت لمدة أسبوع كامل.
عمتي شهقت
مستحيل أمي تكون راحت البنك!
وقبل ما نعرف نعمل إيه، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت رجل هادي
لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها، روحي لجدتك واسأليها عن المفتاح الأسود.
قلت
مين إنت؟
لكن المكالمة اتقفلت.
بصيت للجميع.
وفي نفس اللحظة، عم جلال قال جملة خلتنا كلنا نسكت
أنا عارف المفتاح ده موجود فين... وأبوكي كان مخبيه عشان يحميكم من الشخص اللي بيبحث عنه لحد النهارده النهاية
المحامي حط الملف على الترابيزة، والكل اتجمع حواليه.
قال
الأرض اتباعت فعلًا من سبع سنين، لكن البيع ده باطل قانونًا؛ لأن التوقيع الموجود في العقد مش توقيع والدكم، وكمان البيع تم من غير موافقة أصحاب النصيبين المسجلين.
قلبي ارتاح شوية، لكن سألت
مين اللي عمل كده؟
المحامي فتح آخر صفحة وقال
الشخص اللي قدم العقد هو اللي كان ماسك نسخة قديمة من أوراق والدكم.
بصينا كلنا ناحية سامح.
سامح قال بسرعة
أنا أخطأت لما زورت الورقة، وده أنا مستعد أتحمل مسؤوليته... لكن عقد البيع الأصلي أنا ما عملتوش.
عم جلال قال
أنا عارف مين عمله.
وساد الصمت.
ثم قال
حمّدي.
المحامي هز رأسه
حمّدي كان حلقة في الموضوع، لكن العقل المدبر كان شخصًا آخر. شخص استخدم معلوماته عن العيلة وعن الأرض.
جدتي قالت
كفاية بقى... الحقيقة لازم تظهر كاملة.
وأخرجت ورقة قديمة كانت مخبّياها.
أبوكم كتب اسمه قبل ما يموت.
فتحت الورقة.
وكان الاسم هو اسم رجل كان بيتعامل مع العيلة من سنين، وهو نفسه الشخص اللي زور التوقيعات وحرّك القضية باسم عمتي ميرفت.
تم تقديم كل المستندات للنيابة، واتفتح التحقيق من جديد.
وبعد أسابيع، المحكمة أبطلت عقد البيع المزور، ورجعت ملكية الأرض لأصحابها الشرعيين.
أما سامح، فاعترف بكل اللي عمله، واتحمل نتيجة تصرفه، لكنه قدم للمحكمة كل الأدلة اللي عنده وساعد في كشف الشبكة كاملة.
وعمتي ميرفت؟
اعتذرت لي قدام العيلة كلها.
قالت
أنا غلطت لما خفت من المشكلة وحاولت أحلها بعيد عنكم، لكن عمري ما كنت عايزة أضرك.
ابتسمت وقلت
المهم إن الحقيقة ظهرت.
أما عم جلال، فقرر يرجع يعيش قريب من العيلة بعد سنين الغياب.
وأنا احتفظت برسالة أبويا.
آخر سطر فيها كان
الأرض ممكن تتقسم، والفلوس ممكن تروح، لكن العيلة لو حافظت على الحق والصدق، محدش يقدر يكسرها.
بعد شهور، ولدت بنتي.
وسميتها كريمة على اسم جدتي.
وفي أول يوم جمعت فيه العيلة كلها، بصيت للمكان اللي بدأت فيه الحكاية، وافتكرت قد إيه كلمة واحدة ممكن تشعل مشاكل بين الناس...
لكن الحقيقة، مهما اتأخرت، بتعرف طريقها.
ومن يومها، قررت إن بنتي تكبر وهي عارفة إن حقها مش محتاج صراخ ولا ظلم.
محتاج بس حد يتمسك بيه لآخر لحظة.
وهنا انتهت حكاية الأرض...
لكن أهم حاجة اتعلمتها كانت
مش كل ورقة مكتوب عليها اسمك تكون حقيقتك، ومش كل شخص قريب منك يستحق ثقتك... لكن الحقيقة دايمًا أقوى من أي تزوير.

تم نسخ الرابط