عمتى بقلم منى السيد

لمحة نيوز

في أول يوم رمضان، كنا كلنا مجتمعين على سفرة ستّي كريمة في المنصورة.
الجو كان جميل، والبيت مليان ريحة الأكل، وكلنا مستنيين أذان المغرب.
أنا كنت قاعدة جنب جوزي طارق، وإيدي على بطني من غير ما أحس.
كنت في الشهر الخامس، وبعد سنة كاملة من العلاج والانتظار، أخيرًا ربنا رزقنا بالخبر اللي كنا بنتمناه.
لكن ما كنتش أعرف إن الخبر اللي فرّحنا، هيكون سبب في واحدة من أغرب الليالي في حياتي.
لسه بنسمي الله ونبدأ الفطار، لقيت عمتي ميرفت بصتلي فجأة وقالت بصوت عالي
إنتِ حامل بجد؟
ابتسمت وقلت
أيوه يا عمتي الحمد لله.
بدل ما تفرح، حطت الكوباية على السفرة بعنف وقالت
وده قرار عاقل يعني؟!
الكل سكت.
أمي بصتلها باستغراب وقالت
مالك يا ميرفت؟ دي بنتي وفرحانة بخبر حملها.
ردت بعصبية
فرحانة بإيه؟ وهي وجوزها لسه بيسددوا أقساط الشقة! الطفل محتاج مصاريف، ومسؤولية، والتزامات!
طارق فضل ساكت، لكن ملامحه اتغيرت.
أنا حاولت أهدّي الموقف وقلت
كل حاجة بتتحل يا عمتي، وإحنا الحمد لله بنشتغل وربنا بيرزق.
ضحكت بسخرية وقالت
لا طبعًا، هي حبيبة العيلة. محدش يقدر يقولها الحقيقة.
هنا ستّي كريمة قالت بحزم
ميرفت، دي سفرة رمضان. لو عندك كلمة حلوة قوليها، غير كده اسكتي.
لكن عمتي ما سكتتش.
بصتلي وقالت
إنتِ من يوم ما اتجوزتي وإنتِ واخدة كل الاهتمام. دلوقتي كمان حامل، وكل الناس هتفضل حواليكي!
أمي زعقت
كفاية بقى!
ميرفت ردت
أنا الوحيدة اللي بتتكلم بصراحة هنا!
ساعتها بصيتلها وقلت
الصراحة عمرها ما كانت إهانة.
اتعصبت وقالت
وإنتِ عايزة تعمليلي فيها مثالية؟!
كنت هرد، لكني افتكرت حاجة.
حاجة مخبياها من شهور.
سر ما كنتش عايزة أتكلم عنه.
مش عشان خايفة من ميرفت
لكن عشان كنت وعدت ستّي إني أديها فرصة تصلح غلطتها بنفسها.
من حوالي تمانية شهور، حصل موقف في البنك.
عمتي كانت طلبت مني أروح معاها عشان تساعدها في إنهاء معاملة مالية.
وأنا هناك، الموظف سألني سؤال غريب
حضرتك متأكدة إن المستند ده تابع ليكي؟
بصيت للورقة.
ولقيت اسمي مكتوب عليها.
لكن التوقيع مش توقيعي.
اتصدمت.
سألت الموظف
الورقة دي اتقدمت إمتى؟
قال
من فترة قصيرة.
وقتها بدأت أفهم إن فيه حد استخدم بيانات تخص العيلة في إجراء مالي من غير موافقة أصحابها.
والمفاجأة الأكبر؟
إن الشخص اللي كان موجود وقت تقديم الأوراق
كان عمتي ميرفت.
واجهتها وقتها.
وقلتلها
إنتِ عملتي إيه؟
انهارت وقالت إنها كانت بتحاول تحل مشكلة مالية، وإنها اتصرفت غلط، وإنها هتصلح الموضوع قبل ما يحصل أي ضرر.
وصدقتها.
أو بالأصح
اديتها فرصة.
لكن بعد اللي حصل على سفرة رمضان، قررت إن السكوت خلاص انتهى.
بصيت لميرفت وقلت بهدوء
بما إنك بتتكلمي عن المسؤولية، وعن الصح والغلط، وعن إنك دايمًا بتقولي الحقيقة ممكن تقولي لنا كلنا إيه اللي حصل في البنك الشتاء اللي فات؟
وشها اتغير في لحظة.
الابتسامة اختفت.
والكلام وقف.
أمي بصتلي وقالت
بنك؟ إيه اللي حصل؟
ستّي كريمة قربت منها وقالت
ميرفت ردي.
ميرفت بدأت تتلعثم
مفيش حاجة هي فاهمة غلط.
طلعت الملف من شنطتي وحطيته على السفرة.
أنا مش فاهمة غلط.
فتحت الملف وطلعت أول ورقة.
دي إفادة البنك.
وبعدين الورقة التانية.
ودي صورة المستند اللي اتقدم باسمي.
ثم الورقة التالتة.
ودي الشكوى اللي اتعملت وقتها.
البيت كله سكت.
ميرفت بصت للورق، وبعدها بصتلي.
وقالت بصوت منخفض
إنتِ احتفظتي بكل ده؟
رديت
أيوه.
ليه ما فضحتينيش؟
قلت
عشان كنت مستنية منك تصلحي غلطتك.
ستّي كريمة قالت بغضب
وإنتِ عملتي إيه بالضبط؟
ميرفت نزلت عينيها.
وبعد ثواني طويلة قالت
أنا غلطت.
أمي اتصدمت
يعني إيه غلطتِ؟
قالت
كان عليا التزام كبير، وخفت أقول لكم. حاولت أستخدم ورق من ملف قديم للعيلة عشان أخلص الموضوع، وافتكرت إني هقدر أصلحه بسرعة.
طارق لأول مرة اتكلم
بس ده كان ممكن يضرها هي.
ميرفت هزت راسها وقالت
عارفة.
بصيتلها وقلت
وأنا كنت ساكتة عشان ما أعملش مشكلة في العيلة.
ثم أضفت
لكن اللي حصل النهارده علّمني حاجة مهمة.
كلهم بصوا لي.
قلت
صلة الرحم مش معناها إننا نسكت على الغلط. والتسامح مش معناه إننا نسمح للغلط يتكرر.
ستّي كريمة هزت راسها وقالت
عندك حق.
ميرفت بدأت تبكي وقالت
أنا آسفة.
رديت بهدوء
الاعتذار الحقيقي مش بالكلام. صلحي اللي حصل، وكل حاجة هتتحل بالطريق الصح.
طارق مسك إيدي وقال
وأنا معاكي.
ابتسمت.
وبصيت لبطني.
وقلت
أنا مش هسمح لأي حد يفسد فرحتي بالطفل اللي ربنا رزقني بيه.
ستّي كريمة ابتسمت لأول مرة وقالت
خلاص يا جماعة رمضان مش هيفضل واقف على مشكلة.
ثم أشارت للأكل وقالت
كلوا قبل ما الأكل يبرد.
ضحك إسلام وقال
أخيرًا حد قال كلمة عدلة!
ضحكنا كلنا.
أما ميرفت، ففضلت ساكتة.
لكن قبل ما نقوم من على السفرة، تليفونها رن.
بصت للشاشة
واتجمدت مكانها.
قالت بصوت مرتعش
ده البنك.
بصيتلها.
قالت
بيقولوا إن فيه مستند تاني ظهر النهارده ومستند عليه اسم شخص من العيلة.
ساعتها فهمت إن اللي حصل في البنك ماكانش مجرد غلطة بسيطة.
كان فيه سر تاني
وسر أكبر مستني يتكشف بصيت لميرفت وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
يعني إيه بابا حذرِك منه؟
ميرفت قعدت على الكرسي، وحطت إيديها على وشها وقالت
قبل وفاة أبوكي بفترة، كان فيه شخص بيحاول يشتري جزء من الأرض بسعر قليل جدًا. أبوكي رفض، وقال إن الأرض دي حق أولاده ومش هيفرط فيها.
أمي سألتها
ومين الشخص ده؟
ميرفت سكتت ثواني، ثم قالت
اسمه حمدي.
طارق سأل
وحمدي ده علاقته بإيه بالعيلة؟
قالت
كان بيتعامل مع أبوكي في شغل قديم، وكان عارف تفاصيل كتير عن أملاكه.
قلت
وإنتِ ليه دخلتي معاه في الموضوع؟
ميرفت ردت وهي منهارة
لأنه أقنعني إنه هيحل مشكلتي، وقال إن الورق اللي هوقع عليه مجرد إجراء مؤقت، وإن مفيش حاجة هتتأثر.
بصيت لها بحدة
وإنتِ صدقتيه؟
للأسف.
أمي قالت
لكن بابا كان حذرك منه.
ميرفت رفعت عينيها
عشان كده أنا خفت لما سمعت صوته في المكالمة.
سألتها
وإيه علاقة الدولاب القديم؟
قالت
أبوكي كان بيحتفظ فيه بكل الأوراق المهمة. ولو فعلًا كان متوقع إن حد يحاول يستغل الأرض بعد وفاته، أكيد كان سايب دليل.
رجعنا البيت القديم بعد الظهر.
كان البيت مقفول من شهور.
دخلنا، وكل حاجة كانت زي ما اتسابَت تقريبًا.
أمي فضلت واقفة عند باب غرفة أبيها، وعينيها مليانة دموع.
أما أنا فاتجهت للدولاب الخشبي القديم.
فتحنا الأدراج واحد ورا التاني.
مفيش حاجة.
طارق قال
جربي الدرج الأخير.
سحبته.
كان فاضي.
لكن لما حركته، سمعنا صوت خبطة من جوه الخشب.
بصيت لطارق.
قال
استني.
رفع الدرج بالكامل.
ولقينا تجويف صغير مستخبي وراه.
جواه صندوق معدني قديم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أمي قالت
ده صندوق أبوكي.
كان عليه قفل صغير، لكن المفتاح كان متعلقًا بسلسلة داخل الدرج.
فتحت الصندوق.
جواه مجموعة أوراق وصور وإيصالات.
لكن كان فيه ظرف أبيض عليه اسمي.
اتجمدت مكاني.
الظرف ده ليا؟
طارق قال
افتحيه.
فتحت الظرف بإيد بتترعش.
لقيت ورقة مكتوبة بخط أبويا.
وكان أول سطر فيها
يا بنتي، لو وصلتي للورقة دي، يبقى خوفي كان في مكانه.
سكتنا كلنا.
كملت القراءة
الأرض دي مش مجرد أرض. فيه شخص بيحاول يثبت إن ليه حق فيها، لكن الحق مش معاه. احتفظت بالمستند الأصلي في مكان آمن، وكتبت لكِ كل التفاصيل عشان محدش يقدر يضغط عليكِ.
وتحت الكلام كان فيه اسم شخص.
مش حمدي.
اسم تاني تمامًا.
أمي شهقت وقالت
الاسم ده أنا أعرفه.
بصيت لها
مين؟
قالت
ده كان المحاسب اللي اشتغل مع أبوكي آخر سنة قبل وفاته.
ميرفت قربت من الورقة، وأول ما شافت الاسم اتراجعت خطوة.
قلت لها
إنتِ تعرفيه؟
ردت بسرعة
أيوه.
منين؟
سكتت.
طارق قال بحزم
ميرفت، كفاية أسرار.
قالت
هو الشخص اللي عرّفني على حمدي.
الكل سكت.
فهمنا وقتها إن الموضوع أكبر من مجرد ورقة مزورة.
كان فيه شخص بيجمع المعلومات من سنين.
والأخطر
إن أبويا كان عارف.
قلّبت باقي الأوراق بسرعة، لحد ما لقيت صورة لمستند قديم جدًا.
كان فيه توقيع أبي.
لكن تحت التوقيع جملة صغيرة
لا يُعتد بهذا المستند إلا بحضور جميع الورثة.
ابتسمت لأول مرة.
قلت
خلاص عرفنا إن الورقة اللي قدموها للبنك ملهاش قيمة لوحدها.
طارق قال
ولسه لازم نثبت مين زور المستند الجديد.
وفجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
بصنا من الشباك.
رجل نزل من العربية ومسك ظرف بني.
ميرفت أول ما شافته، وشها اتغير.
قالت بصوت منخفض
ده حمدي.
الرجل وقف قدام باب البيت، وخبط ثلاث خبطات.
ستّي ما كانتش معانا، لكن أمي قالت
ما حدش يفتح.
حمدي خبط مرة تانية.
ثم قال بصوت مسموع
أنا عارف إنكم لقيتوا الصندوق.
بصينا لبعض.
إزاي عرف؟
ثم قال
ولو فتحتوا الظرف اللي جواه يبقى لازم تسمعوا الحقيقة كاملة.
طارق وقف عند الباب وقال
قول اللي عندك من ورا الباب.
جاء صوته
الحقيقة إن والدكم ما خبّاش الصندوق عشان الأرض
سكت لحظة.
ثم أكمل
خبّاه عشان يحمي شخص من العيلة.
ميرفت شهقت.
وأنا بصيت لأمي.
لأن السؤال اللي جه في دماغنا كلنا كان واحد
مين الشخص اللي بابا كان بيحاول يحميه؟ميرفت فضلت ماسكة التليفون، وشها متغير.
ستّي كريمة سألتها
البنك قال إيه؟
ميرفت بلعت ريقها وقالت
بيقولوا إن فيه مستند جديد اتقدم النهارده بخصوص الأرض.
أمي سألت بسرعة
أرض مين؟
ميرفت سكتت.
أنا حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع.
قلت
أرض بابا؟
هزت راسها ببطء.
طارق بصلي وقال
بس إنتِ قولتي إن كل أوراق الأرض محفوظة.
قلت
كانت محفوظة فعلًا.
ستّي كريمة طلبت منها تحط التليفون على السماعة.
في البداية ميرفت رفضت، لكن قدام إصرار ستّي اضطرت توافق.
جاء صوت موظف البنك
إحنا محتاجين حضور أصحاب الشأن بكرة الصبح، لأن فيه طلب مقدم من شخص بيدعي إن عنده تفويض قديم يسمح له يتصرف في جزء من الممتلكات.
أمي سألت
ومين الشخص ده؟
الموظف رد
الاسم موجود في المستند، لكن لازم نحافظ على سرية بيانات العميل.
قفلت ميرفت المكالمة بسرعة.
إسلام قال
يعني إيه؟ حد بيحاول ياخد الأرض؟
قلت
مش لازم نستنتج

تم نسخ الرابط