قبل فرحى بأسبوع بقلم منى السيد
المحتويات
المفتاح اللي معاكي هو مفتاحها.
جريت ناحية آخر ممر في البيت.
كان فيه باب قديم خلف دولاب خشب كبير.
طول عمري كنت فاكرة إنه مخزن مهجور.
حركت الدولاب بصعوبة.
لقيت قفلًا صدئًا.
دخلت المفتاح.
لف مرة...
ثم مرة ثانية.
وانفتح الباب.
الغرفة كانت مليانة صناديق قديمة.
وفي المنتصف مكتب صغير.
وعلى المكتب صورة لجدتي.
وتحت الصورة ظرف أبيض مكتوب عليه
إلى ندى... عندما تعرف أن البيت أغلى من الأرض.
فتحت الظرف.
كانت فيه رسالة.
يا ندى،
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى حصل اللي كنت خايفة منه.
لكن متخافيش.
أنا ما حفظتش البيت عشان تمنعي الناس من الاستفادة منه.
أنا حفظته عشان أضمن إن المكان يفضل فيه خير.
الناس هتقول لك إن الأرض فرصة للبيع.
لكن الفرصة الحقيقية مش في البيع.
الفرصة في اللي ممكن تعمليه بيها.
نزلت دموعي.
كملت القراءة.
من سنين، كان فيه مشروع مقترح لبناء مركز كبير للأطفال في المنطقة.
لكن المشروع توقف بسبب مشكلة في ملكية الأرض.
أنا رفضت أبيع لأنني كنت أريد جزءًا من أرضي يكون لخدمة الأطفال.
ولو قدرتِ تكملي الفكرة، يبقى أنتِ حققتي حلمي.
وقفت مكاني.
مركز للأطفال!
بصيت للغرفة.
كان فيه ملف كامل عن المشروع.
رسومات.
تصميمات.
خطابات قديمة.
وحتى دراسة مبدئية.
اتصلت بهشام.
تعالى البيت بسرعة.
جاء بعد أقل من ساعة.
دخل الغرفة، وبص حواليه بدهشة.
إيه المكان ده؟
ناولته الملف.
قرأ أول صفحة.
وبعدين رفع عينه لي.
جدتك كانت مخططة تعمل مركز تأهيل؟
قلت
أيوه.
قال
وده كان سبب رفضها بيع الأرض؟
هزيت رأسي.
جلسنا ساعات نراجع الأوراق.
وفي آخر الملف، وجدنا قائمة بأسماء أشخاص كانوا مستعدين يساعدوا في المشروع.
وكان اسم واحد منهم مألوفًا جدًا.
والد هشام.
بصيت لهشام.
أبوك كان يعرف جدتي؟
وشه اتغير.
على حد علمي... لأ.
اتصلنا بعمو فؤاد.
أول ما سألناه، قال
كان يعرفها.
اتصدمت.
إزاي؟
قال
قبل ما تتوفى بسنين، والد هشام جه لها وطلب شراء الأرض.
سكت.
ثم أضاف
وجدتك رفضت.
سألت
ليه؟
قال
لأنه كان عايز يعمل عليها مشروع تجاري.
أما جدتك، فكانت مصرة إن الأرض يبقى فيها مشروع للأطفال.
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أتكلم.
هشام قال
يعني أبويا كان عارف حلم جدتك من زمان.
قلت
وأنت ما كنتش تعرف؟
هز رأسه.
والله ما كنت أعرف.
في اليوم التالي، قررت أروح لوالد هشام.
دخلت مكتبه، وحطيت قدامه صورة جدتي.
قلت
حضرتك كنت تعرفها.
فضل ساكت.
ثم قال
أيوه.
وكانت رافضة تبيعك الأرض.
أيوه.
ليه؟
تنهد.
لأنها كانت ست عنيدة.
ابتسمت رغم غضبي.
ولا لأنها كانت شايفة إن الأرض ممكن تعمل حاجة أهم من الفلوس؟
سكت.
ثم قال
يمكن.
حطيت الملف قدامه.
أنا هكمل حلمها.
رفع عينه.
إزاي؟
قلت
هعمل مركز تأهيل للأطفال هنا.
سكت فترة.
ثم قال
هتحتاجي تمويل كبير.
قلت
عارفة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وأنا ممكن أساعد.
بصيت له باستغراب.
ليه؟
قال
يمكن لأن جدتك كانت صح.
ثم أضاف
وأنا غلطت لما فكرت في الأرض كرقم.
خرجت من عنده وأنا مش عارفة هل أصدق التغيير ده ولا لأ.
لكن المرة دي، ما كانش لازم أصدق كلام أي حد.
الأفعال هي اللي هتثبت.
وبعد سنة كاملة...
وقفنا أمام مبنى جديد على جزء صغير من أرض جدتي.
على الواجهة لوحة كبيرة مكتوب عليها
مركز ستي للتأهيل وتنمية مهارات الأطفال.
وقفت قدام اللوحة، وافتكرت اليوم اللي دخلت فيه بيت هشام بقفص فيه وزة.
ضحكت.
هشام وقف جنبي وقال
فاكرة أول يوم؟
قلت
مستحيل أنساه.
قال
أنا كنت فاكر إنك بوظتي كل حاجة.
بصيت له وقلت
وأنا كنت فاكرة إني داخلة أختبر عيلتك.
ضحك.
وفي الآخر؟
بصيت للمركز، وللأطفال اللي بدأوا يدخلوا من البوابة.
وقلت
في الآخر... الوزة اختبرت الكل.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن أغلى حاجة في الأرض...
ما كانتش قيمتها.
كانت الخير اللي جدتي سابت لي فرصة أعمله بيها.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إيه حكاية الوزة؟
أبتسم وأقول
دي مش حكاية وزة...
دي حكاية ست كبيرة ماتت، لكن خطتها فضلت عايشة لحد ما حفيدتها كملتها عدّى كام شهر، ومشروع مركز ستي للتأهيل وتنمية مهارات الأطفال بدأ ياخد شكل حقيقي.
ندى كانت كل يوم بتصحى بدري، تروح الأرض، تراجع مع المهندسين، وتتابع تجهيز الغرف.
وفي يوم، وهي بتراجع أوراق قديمة في المكتب الصغير، لقت ملف بني مكتوب عليه بخط جدتها
لو المشروع بدأ فعلًا افتحي الملف ده.
ندى فتحت الملف بإيد بتترعش.
جواه كانت فيه خريطة قديمة للأرض، وصورة لمبنى صغير، وتحتها جملة
المركز ده مش هو المفاجأة يا ندى المفاجأة إن الأرض دي مش لوحدها.
ندى عقدت حواجبها.
يعني إيه؟
قلبت الورقة.
كان فيه رسم لقطعة أرض تانية ملاصقة لأرضها، وعليها اسم شخص غريب عنها.
لكن في آخر الصفحة كان فيه رقم عقد.
ندى أخدت الورقة وروحت فورًا لعمو فؤاد.
أول ما شاف العقد، وشه اتغير.
إنتِ لقيتي ده فين؟
في أوضة ستي المقفولة.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا كنت مستني اليوم ده.
ندى بصتله باستغراب.
مستني إيه؟
فتح درج مكتبه وطلع ملف قديم.
جدتك قبل ما تتوفى بشهور قالتلي لو ظهر الملف ده، لازم أقولك الحقيقة كاملة.
ندى قربت منه.
حقيقة إيه؟
قال بهدوء
جدتك ما كانتش بتحمي الأرض بس كانت بتحميك من صفقة أكبر.
صفقة أكبر إزاي؟
فتح الملف.
الأرض اللي جنبكم اتباعت من سنين بسعر قليل جدًا، وبعدها اتعملت عليها سلسلة تنازلات لشركات مختلفة. وفي الآخر، الشركة اللي كانت بتحاول تشتري أرضك كانت عايزة تجمع القطعتين مع بعض.
ندى شهقت
يعني كانوا محتاجين أرضي عشان المشروع كله؟
بالضبط.
سكتت ندى لحظة، وبعدين سألت
وهشام كان يعرف؟
عمو فؤاد هز راسه.
معرفش لحد فين كان عارف. لكن في حاجة أخطر.
إيه؟
طلع ورقة قديمة.
والد هشام مش أول واحد حاول يشتري أرض جدتك.
ندى بصتله.
مين كان قبله؟
عمو فؤاد قال اسمًا جعلها تتجمد مكانها
ماجد رفعت.
ندى افتكرت الاسم فورًا.
قريب هشام؟
أيوه.
في اللحظة دي، تليفون ندى رن.
رقم مجهول.
ردت بحذر
ألو؟
جالها صوت رجل كبير في السن
أنا عارف إنك وصلتي للملف.
ندى سكتت.
مين حضرتك؟
واحد جدتك طلبت منه يحتفظ بحقيقة معينة لحد ما تكوني مستعدة تعرفيها.
حقيقة إيه؟
روحي البيت القديم قبل المغرب وادخلي الحديقة.
ليه؟
هتلاقي حاجة تحت شجرة الليمون.
وقفل.
ندى فضلت باصة للتليفون.
عمو فؤاد سألها
مين؟
قالت
مش عارفة.
وبعد ساعة كانت واقفة في الحديقة القديمة.
راحت ناحية شجرة الليمون.
بدأت تدور في التراب.
وفجأة خبطت إيدها في صندوق معدني صغير.
طلعته.
الصندوق كان مقفول بقفل قديم.
لكن المفتاح اللي كانت لاقته قبل كده في الأوضة المقفولة كان مناسب له.
فتحته.
جواه كان فيه دفتر أسود.
ندى فتحته.
أول صفحة كانت مكتوبة بخط جدتها
يا ندى لو وصلتي للدفتر ده، يبقى اللي حاولوا ياخدوا أرضك فشلوا.
ندى بدأت تقرأ بسرعة.
كل صفحة كانت بتكشف جزء من الخطة.
لكن في آخر صفحة كان فيه شيء صدمها.
اسم هشام مكتوب بخط جدتها.
وتحته
هشام مش خطر لكن لازم أعرف هل هيختار ندى ولا الفلوس.
ندى قعدت على الكرسي الخشبي وهي مش مصدقة.
يعني جدتها كانت تعرف هشام؟
فتحت الصفحة الأخيرة.
وكان فيها
أنا قابلت هشام مرة وهو صغير، مع والده. ووقتها فهمت إن الأيام هتجمعه بندى من غير ما أعرف إزاي. لو كبر وبقى إنسان كويس، يبقى يستحق فرصة. ولو اختار مصلحته على حسابها، ندى لازم تمشي من غير ندم.
ندى فضلت ساكتة.
لأول مرة فهمت إن جدتها كانت شايفة أبعد من أي حد.
وفجأة سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت.
خرجت من الحديقة.
كان هشام.
نزل من العربية ومعاه ظرف.
بص لها وقال
لازم أقولك حاجة قبل ما تعرفيها من حد تاني.
ندى رفعت الدفتر.
وأنا كمان عندي حاجات عايزة أعرفها منك.
هشام اتوتر.
إنتِ لقيتي الدفتر؟
أيوه.
سكت.
ندى قالت
جدتي كانت عارفة عنك.
هشام بص للأرض.
وأنا كنت عارف إنها كانت مراقبة كل حاجة.
ندى اتصدمت.
كنت عارف؟!
قال بسرعة
بس مش كل حاجة. أنا عرفت بعد ما بدأت المشكلة بينا.
وإيه اللي في الظرف؟
مدهولها.
مستندات تثبت إن والدي وماجد كانوا بيحاولوا يضموا الأرض لمشروعهم من سنين.
ندى فتحت الظرف.
وكان جواه آخر دليل كانت محتاجاه.
لكن تحت المستندات كان فيه ورقة صغيرة جدًا.
ندى طلعتها.
قرأت أول سطر
ثم رفعت عينيها لهشام.
دي إمضاك.
هشام اتغير وشه.
ندى اسمعيني.
قالت بهدوء
المرة دي مش هحكم من كلامك.
طب احكمي من الورقة اللي بعدها.
قلبت الورقة.
وكان مكتوب
إقرار بتنازل هشام عن أي منفعة أو نسبة أو حق في الأرض أو المشروع.
ندى رفعت عينيها.
هشام قال
أنا مضيت عليه من شهر.
ليه؟
عشان لو فضلت في حياتك، أفضل موجود باعتباري شخص بيقف جنبك مش شخص مستني ياخد منك حاجة.
ندى فضلت ساكتة.
ثم قالت
جدتي كانت بتختبر الناس بطريقتها.
هشام ابتسم ابتسامة خفيفة.
وإنتِ اختبرتيهم بوزة.
ندى ضحكت لأول مرة من قلبها.
أيوه والوزة طلعت أذكى من ناس كتير.
وبينما هما بيتكلموا، صوت عربية وقف عند الباب.
كان عمو فؤاد.
نزل من العربية وقال
عندي خبر مهم جدًا.
ندى قربت منه.
إيه؟
ابتسم وقال
الموافقة النهائية على مشروع المركز وصلت.
ندى بصت للبيت، ثم للحديقة، ثم لشجرة الليمون.
وفهمت أخيرًا ليه جدتها رفضت كل العروض.
كانت مش بتحافظ على أرض.
كانت بتحافظ على مستقبل.
لكن عمو فؤاد كان لسه مخبي آخر مفاجأة.
مد لها ظرف أبيض وقال
ده يتفتح يوم افتتاح المركز.
ندى سألته
ليه؟
قال
لأن جدتك كاتبة فيه آخر وصية.
ندى أخدت الظرف.
وبصت له.
كان مكتوب عليه
إلى ندى افتحيه أمام أول طفل يدخل المركز.
وساعتها أدركت إن الحكاية لسه ما خلصتش
لأن آخر سر لجدتها كان مستني يوم الافتتاح جاء يوم افتتاح مركز ستي للتأهيل وتنمية مهارات
متابعة القراءة