قبل فرحى بأسبوع بقلم منى السيد

لمحة نيوز

قبل فرحي بأسبوع، قررت أختبر خطيبي بطريقة محدش كان يتوقعها...
روحت أقابل أهله وأنا شايلة وزة في قفص!
أول ما هشام شافني قدام باب بيتهم، وشه اتغير فجأة، وبص للقفص كأنه شايف مصيبة ماشية على رجلين.
قرب مني وهمس بعصبية
إنتِ مش متخيلة بوّظتي إيه وخرّبتي الدنيا إزاي!
بصيتله بهدوء وقلت
دي هدية بسيطة لأهلك.
ما ردش.
بس نظراته كانت بتقول إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد وزة.
أنا ندى، عندي اتنين وتلاتين سنة، أخصائية تخاطب في مركز أطفال في الهرم.
أبويا وأمي ماتوا وأنا صغيرة، وجدتي لأمي هي اللي ربتني.
كانت ست بسيطة، لكن قوية جدًا، وكانت دايمًا تقول لي
يا ندى، الإنسان مش بقيمة اللي لابسه... الإنسان بقيمة اللي جواه.
قبل وفاتها، سابت لي بيت قديم في أطراف أوسيم، حواليه جنينة صغيرة.
البيت كان قديم فعلًا، والدهان واقع في أماكن، والشبابيك محتاجة تتصلح، لكن بالنسبة لي كان أغلى مكان في الدنيا.
هناك قضيت طفولتي.
هناك جدتي علمتني الزراعة والطبخ وتحمل المسؤولية.
وهناك كنت ناوية أعيش بعد الجواز وأرمم البيت واحدة واحدة.
لكن هشام كان شايف الموضوع بشكل مختلف تمامًا.
من أول ما عرف إن البيت باسمي، بدأ يتكلم عن بيعه.
كان يقول
البيت ده ملوش لازمة يا ندى.
وأرد
أنا مش عايزة أبيعه.
فيضحك ويقول
هتفهمي بعد الجواز إن الواحد لازم يفكر بعقل.
كنت بسكت.
لكن مع الوقت، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كل مرة أرفض البيع، يتغير أسلوبه.
مرة يقولي إن البيت خطر.
ومرة يقول إن المنطقة بعيدة.
ومرة يقول إن الأرض ملهاش قيمة.
وفي كل مرة كان يرجع لنفس الجملة
أول ما نتجوز هنبيع ونجيب مكان أحسن.
لحد ليلة مقابلة أهله.
اتصل بيا وقال
اسمعي كلامي يا ندى. البسي حاجة شيك جدًا، وروحي اشتري بوكيه غالي، ومتحاوليش تعملي أي حاجة غريبة قدام أهلي.
سألته
هو أنا عملت إيه قبل كده؟
قال
أنا عارفك.
وقفل المكالمة.
فضلت قاعدة أفكر.
ليه مهم عنده أظهر قدام أهله بصورة معينة؟
وليه خايف من أي تصرف بسيط مني؟
ساعتها قررت أختبره.
تاني يوم، بدل ما أروح أشتري ورد غالي...
روحت سوق الطيور.
واشتريت وزة صغيرة وحطيتها في قفص خوص.
وربطت حوالين القفص شريطة حمرا.
وقلت لنفسي
لو الناس دي فعلًا بتحب البساطة وبتحترم الإنسان، هتضحك على الموقف وتعديه.
لكن لو كل اهتمامهم بالمظاهر...
هعرف من أول دقيقة.
وصلت للفيلا.
هشام فتح الباب.
أول ما شاف القفص، وشه اصفر.
إيه ده؟!
قلت
هدية لمامتك.
قال بسرعة
إنتِ بتهزري؟
وقبل ما أرد، ظهرت والدته من الصالة.
كانت لابسة بشكل أنيق جدًا، وبصت للقفص باستغراب.
هو إيه اللي جايباه ده يا هشام؟
قال بسرعة
والله أنا معرفش!
بصيتله.
معرفش؟
أنا اللي كنت واقفة قدامه بالقفص!
دخلت بهدوء.
لكن الوزة اتوترت فجأة، وبدأت تتحرك داخل القفص.
فتحت الباب بالغلط...
وخرجت تجري في الصالة.
والدة هشام صرخت
يا نهار أبيض!
والده قام من مكانه.
وهشام جري وراها وهو متوتر.
أنا كنت واقفة أراقب.
وبعد ما قدر يمسكها، قال بعصبية
إنتِ عملتي إيه؟!
قلت
كنت بجرب أشوف أهلك بيحبوا البساطة ولا لأ.
سكت.
والدته بصتلي باحتقار وقالت
واضح إنك مش فاهمة إحنا عيلة إيه.
رديت بهدوء
وأنا جاية أعرف.
سكتت.
وبعدها قالت
روحي اقعدي في الجنينة شوية لحد ما نرتب المكان.
خرجت من الصالة.
لكن بدل ما أقعد في الجنينة، وقفت بعيد عن باب المكتب.
الباب كان مفتوح سنة بسيطة.
وسمعت صوت والدة هشام
إنت فقدت عقلك؟! جايب لنا واحدة بالشكل ده قبل الجواز بأسبوع؟
رد هشام
أنا مكنتش متوقع تعمل كده.
والده قال
المهم الأرض.
اتجمدت مكاني.
الأرض؟
قربت خطوة.
سمعت هشام يقول
أنا هتصرف.
قالت والدته
لازم تتصرف بسرعة، لأن لو اتجوزتها وسكنت في البيت ده، الموضوع هيبقى أصعب.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
والده قال
هي تعرف قيمة الأرض أصلًا؟
هشام رد
فاكرة إن البيت مجرد ذكرى من جدتها.
سكت الجميع.
ثم قال
وأنا مش هخليها تعرف إن المنطقة داخلة على مشروع كبير.
حطيت إيدي على بوقي.
فجأة فهمت.
كانوا بيحاولوا يقنعوني أبيع الأرض وأنا فاكرة إنها بلا قيمة.
لكن المفاجأة الأكبر لسه ما جتش.
والده قال
بس فيه مشكلة.
هشام سأله
إيه؟
العقد القديم اللي عملته جدتها.
ماله؟
فيه شرط يمنع بيع الأرض إلا بموافقة ندى شخصيًا بعد ما تعرف القيمة الحقيقية للعقار.
سكت هشام تمامًا.
والدته قالت
يعني لازم تعرف؟
والده رد
لازم.
ضحكت في سري.
دلوقتي عرفت ليه هشام كان مستعجل.
وعرفت ليه كان بيقلل من قيمة البيت طول الوقت.
رجعت للجنينة وكأني ما سمعتش حاجة.
وبعد دقائق، خرج هشام.
ندى، إنتِ زعلانة؟
بصيتله وقلت
لأ.
متأكدة؟
جدًا.
ابتسم وهو فاكر إنه نجح يهديني.
لكن أنا كنت خلاص أخدت قراري.
مش هفسخ الخطوبة.
ومش هواجهه.
لسه بدري.
لأني عايزة أعرف الحقيقة كاملة.
رجعت البيت، وأول شخص اتصلت بيه كان محامي جدتي القديم.
قلتله
عمو فؤاد، أنا محتاجة أعرف كل حاجة عن البيت والأرض.
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
كنت مستني المكالمة دي من زمان.
اتوترت.
يعني إيه؟
قال
جدتك قبل ما تموت قالتلي إن اليوم ده هييجي.
أي يوم؟
رد بصوت هادي
اليوم اللي حد يحاول يقنعك إن أرضك ملهاش قيمة.
سكت.
ثم قال
وفيه ملف عندي باسمك.
سألته
فيه إيه؟
قال
فيه مستندات تثبت إن الأرض قيمتها الحقيقية أضعاف اللي هشام وأهله فاكرينه.
لكن قبل ما يشرح أكتر، قال جملة خلتني أسكت تمامًا
وفيه سبب تاني أهم من الفلوس... جدتك كانت متوقعة إن الشخص اللي هيتقدم لك ممكن يحاول يستغل ملكيتك.
بصيت قدامي وأنا مش قادرة أتكلم.
وقتها فهمت إن الوزة ما كانتش أغرب حاجة عملتها جدتي في حياتها.
لأنها كانت سايبة لي خطة كاملة...
وخطة جدتي كانت لسه في أولها نكمّل من لحظة ما ندى عرفت إن جدتها كانت متوقعة كل حاجة، ونصعّد المفاجآت تدريجيًا، مع الحفاظ على القصة من غير خيانة أو أحضان.
في اليوم التالي، روحت لعمو فؤاد بدري.
أول ما دخلت مكتبه، لقيته حاطط قدامه صندوق خشب قديم.
بص للصندوق وقال
جدتك سلمتهولي من سبع سنين، وقالتلي متفتحهش غير لما ندى تكون على وش جواز.
قلبي دق بسرعة.
وليه قبل الجواز؟
ابتسم بحزن
لأنها كانت شايفة إن الجواز ممكن يكشف معدن الناس.
فتح الصندوق بهدوء.
كان جواه ملف كبير، ومجموعة مفاتيح، وصورة قديمة لجدتي وهي واقفة قدام البيت.
ناولني أول ورقة.
كانت خريطة للمنطقة.
بصيت فيها، ولاحظت خط أحمر مرسوم حوالين الأرض.
إيه ده؟
قال
دي حدود ملكية جدتك.
وبعدين حط قدامي ورقة تانية.
ودي دراسة سعر الأرض الحالية.
بصيت للرقم المكتوب.
اتسمرت مكاني.
القيمة كانت أكبر من كل اللي تخيلته.
هشام كان طول الوقت بيقولي إن الأرض ملهاش قيمة.
لكن الحقيقة كانت العكس تمامًا.
قلت
طب ليه كان بيحاول يخليني أبيعها؟
عمو فؤاد ما جاوبش فورًا.
فتح درج مكتبه، وطلع منه ملف أصغر.
لأن فيه شركة حاولت تشتري الأراضي المحيطة من أصحابها، وعرضت على جدتك مبلغ كبير جدًا.
وهي رفضت؟
رفضت.
ليه؟
ابتسم وقال
لأنها كانت شايفة إن المكان هيتغير تمامًا خلال كام سنة، وإن بيع الأرض دلوقتي هيبقى خسارة.
سكت شوية، وبعدين أضاف
لكن فيه حاجة أهم.
رفعت عيني له.
إيه؟
قال
جدتك كانت عارفة إن بعض الناس ممكن يحاولوا يوصلوا للأرض عن طريقك بعد وفاتها.
حسيت بقشعريرة.
يعني كانت متوقعة إن حد يتجوزني عشان الأرض؟
هز رأسه.
كانت حاطة الاحتمال ده في حسابها.
فتحت فمي من الصدمة.
لكن عمو فؤاد مد إيده لورقة أخيرة.
اقري دي.
كانت رسالة بخط جدتي.
فتحتها بإيد مرتعشة.
ندى حبيبتي...
لو وصلتي للورقة دي، يبقى أنا مش موجودة، وإنتِ كبرتي وبقيتي قادرة تاخدي قراراتك بنفسك.
متبيعيش البيت مهما حد قالك إنه قديم أو ملوش قيمة.
البيت ده مش مجرد أرض.
ده أمانك.
ولو حد طلب منك توقعي على ورقة تخص البيت، مهما كان قريب منك، خديها الأول لمحامي.
ومتخليش حبك لأي إنسان يخليكي تتنازلي عن حقك.
اللي يحبك بجد، هيحافظ على حقك زي ما بيحافظ على حقه.
نزلت دموعي من غير ما أحس.
جدتي كانت بتتكلم معايا بعد سنين من وفاتها.
قفلت الرسالة وقلت
عمو فؤاد... أنا هكمل الجواز.
بصلي باستغراب.
بعد اللي عرفتيه؟
قلت
آه.
ليه؟
ابتسمت.
عشان لو فسخت دلوقتي، هشام هيعرف إني اكتشفت كل حاجة.
سكت.
وبعدين ابتسم لأول مرة.
جدتك كانت هتفرح بيكي.
رجعت البيت، واتصلت بهشام.
مساء الخير.
صوته كان متوتر
إنتِ فين من الصبح؟
كنت بخلص شوية حاجات.
نحدد معاد نروح فيه نكتب عقد بيع البيت؟
ضحكت بهدوء.
ليه مستعجل؟
عشان نخلص قبل الفرح.
قلت
ماشي.
سكت لحظة.
واضح إنه فرح.
قال
بكرة مناسب؟
مناسب.
قفلنا.
لكن أول ما حطيت الموبايل، اتصلت بعمو فؤاد.
جهزلي كل حاجة.
قال
إنتِ ناوية تعملي إيه؟
قلت
هخليه يجيب العقد بنفسه.
وبعدها؟
ابتسمت
وبعدها هعرف هو كان ناوي يعمل إيه بالضبط.
في اليوم التالي، قابلت هشام في مكتب المحامي.
دخل وهو مبتسم.
أخيرًا اقتنعتي.
قلت
أنا بثق فيك.
بصلي بثقة.
لكن المحامي دخل في اللحظة دي، وحط ملف قدامه.
قبل التوقيع، فيه إجراء بسيط.
هشام سأل
إجراء إيه؟
المحامي قال
لازم نراجع كل بنود الملكية.
فتح الملف.
وبدأ يقرأ.
وفجأة تغير وجه هشام.
لأن الورقة اللي ظهرت قدامه كانت مختلفة تمامًا عن الورقة اللي كان متوقع يوقعني عليها.
رفعت عيني وبصيتله.
وقلت
مالك؟
قال
مفيش.
ابتسمت.
متأكد؟
سكت.
وفي اللحظة دي، دخل عمو فؤاد المكتب ومعاه ملف قديم.
حطه على الترابيزة وقال
قبل ما نكمل، فيه مستند لازم هشام يشوفه.
هشام بصله.
مستند إيه؟
فتح عمو فؤاد الملف.
وقال
عقد جدتك الأصلي.
وبعدين حط إصبعه على بند معين.
البند ده بيمنع أي بيع أو تنازل عن الأرض لمدة عشر سنوات بعد

تم نسخ الرابط