ابنى سيف
المحتويات
للورقة.
وقالت
عشان كنت عارفة إن سيف هيحتاج حد يسمعه.
أحمد قال
كان ممكن تكلمينا.
حاولت.
وإحنا ما سمعناكيش؟
هزت رأسها.
لأ.
سكتت لحظة.
أنتم كنتوا مشغولين بالخوف على فريدة، وأنا كنت مشغولة بخوفي القديم.
أنا قلت
وخوفك القديم خلاك تخافي من المستقبل.
هزت رأسها.
أيوه.
سكتنا.
ثم قالت
بس فيه حاجة أنا فهمتها متأخر.
أحمد سأل
إيه؟
قالت
الأطفال مش محتاجين نخبّي عنهم كل حاجة.
بصت لسيف.
أحيانًا الطفل بيحس بالحقيقة قبل ما الكبار يعترفوا بيها.
سيف ابتسم.
ثم قال
عشان كده أنا كنت عارف إن فيه حاجة غلط.
هدى هزت رأسها.
أيوه.
وبعدها مدت إيدها له بورقة.
قالت
دي ليك.
سيف أخذها.
فتحها.
كانت رسمة قديمة رسمها بنفسه قبل ولادة فريدة.
رسمة لبيت، وفي وسطه أربعة أشخاص.
هو، وماما، وبابا، وطفلة صغيرة.
سيف بص للرسمة وقال
دي فريدة.
قلت
رسمتها قبل ما تتولد.
قال
كنت عارف إنها هتيجي.
ضحك أحمد.
لكن هدى قالت
وأنا كنت غلطانة لما خفت من اختلافها.
سيف رد
هي مش مختلفة وحش.
هدى ابتسمت.
عارفة.
بعدها بفترة، بدأنا نروح كلنا مع فريدة لمواعيدها.
سيف كان دايمًا يسأل الدكتور
فريدة كويسة؟
والدكتور كان يرد
كويسة، ومتابعتها ماشية تمام.
وفي يوم، الدكتور قال لنا
بصراحة، سيف ساعدكم جدًا.
استغربت.
إزاي؟
قال
لأنه لاحظ حاجات بسيطة، وخلاكم تسألوا أسئلة مهمة.
بصيت لسيف.
هو ابتسم بفخر.
خرجنا من العيادة.
وفي طريق الرجوع، سيف قال
ماما؟
نعم؟
خلاص مش هنام تحت سرير فريدة تاني.
ضحكت.
ليه؟
قال
عشان أنا بقيت عارف إنكم هتسمعوني.
ثم سكت لحظة وقال
بس لو حد خبى حاجة عنها...
ضحك أحمد.
هتعمل إيه؟
سيف رد بمنتهى الجدية
هسأل.
ضحكنا كلنا.
ومن يومها، بقى عندنا قانون واحد في البيت
مفيش سر طبي يخص فريدة أو سيف يتخبى عنهم أو عن بعض.
أما سيف، ففضل أخ كبير بطريقته الخاصة.
مش بالحراسة.
ولا بالخوف.
لكن بالسؤال.
وبالاهتمام.
وبإنه دايمًا يقول لأخته الصغيرة
متخافيش يا فريدة... أنا هنا.
وكانت دي أول مرة يقولها من غير ما يكون مستخبي تحت سريرها الحاجة هدى فضلت واقفة قدامنا ثواني، وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها.
وبعدين قالت
سيف مش له علاقة بأي سر يخص فريدة... بالعكس. كل اللي حصل له علاقة بحاجة حصلت قبل ما هو يتولد بسنين.
أحمد عقد حواجبه
طب قولي يا أمي.
الحاجة هدى أخذت نفس طويل.
زمان، أخويا كان شغال في مؤسسة بتساعد الأطفال اللي محتاجين رعاية وتعليم خاص. وكان عنده اعتقاد واحد عمره ما غيره...
بصت لفريدة.
إن الطفل المختلف مش محتاج شفقة... محتاج فرصة.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
في يوم، كان فيه طفل صغير جدًا وصل للمؤسسة. أهله كانوا مش قادرين يتعاملوا مع ظروفه، وكانوا عايزين يبعدوه عن الناس.
أحمد سأل
والطفل ده؟
هزت رأسها.
مش سيف.
سيف كان واقف ساكت، بيسمع كل كلمة.
قلت
أمال إيه علاقة سيف بيه؟
الحاجة هدى بصت للديناصور.
الطفل ده كان متعلق باللعبة دي. أخويا كان بيستخدمها عشان يطمنه ويخليه يتكلم معاه.
الرجل العجوز قاطعها
وبعد فترة، الطفل خرج من المؤسسة واتنقل لمكان تاني. لكن الديناصور فضل عندي.
أحمد قال
وبعدين وصل لسيف؟
الرجل ابتسم
بعد سنين طويلة، قابلت سيف بالصدفة.
سيف قال بسرعة
إمتى؟
الرجل رد
يوم كنت واقف مع جدتك قدام العيادة.
الحاجة هدى بصت للأرض.
اليوم ده أنا كنت فاكرة إنك ما شفتوش.
الرجل قال
وأنا شفت سيف، وسمعته بيتكلم عن أخته اللي نفسه تيجي الدنيا.
سيف ابتسم
كنت مستني فريدة.
الرجل قال
ووقتها افتكرت الطفل القديم. افتكرت كلام أخويا، وقررت أديك الديناصور.
أحمد سأل
بس ليه قال إن لو الديناصور وصل لطفل من العيلة يبقى لازم نعرف إن أخوه رجع يبحث عن أثره؟
الرجل فتح الملف مرة تانية.
لأن الطفل القديم كان له ابن.
سكت الجميع.
أحمد قال
ابنه فين؟
الرجل رد
هنا بدأت المشكلة.
ثم أخرج صورة قديمة.
كان فيها شاب في بداية العشرينات، واقف جنب نفس الرجل العجوز.
وراء الصورة مكتوب
ابني... آخر شخص يحمل اسمي.
أحمد أخذ الصورة، وفضل يبص فيها.
وفجأة قال
استنى...
قرب الصورة من عينه.
أنا شفت الشخص ده قبل كده.
سألته
فين؟
قال
في صورة قديمة عند بابا.
الحاجة هدى اتوترت.
صورة إيه؟
أحمد رد
صورة كان بابا محتفظ بيها في مكتبه.
الرجل العجوز ابتسم.
يبقى أخيرًا الخيط وصل لبعضه.
ثم قال
الشخص ده مش غريب عنكم.
سيف سأل
هو قريبنا؟
الرجل بص له وقال
أكتر مما تتخيل.
في اللحظة دي، فريدة بدأت تبكي من الغرفة.
أمها راحت تطمن عليها، بينما سيف فضل واقف مكانه.
لكن قبل ما أخرج من الغرفة، سمعت الرجل يقول لأحمد
فيه حاجة أخطر لازم تعرفها.
أحمد سأله
إيه؟
قال
والدك كان يعرف الحقيقة... لكنه طلب مني ما أقولهاش لحد غير لما سيف يتم سبع سنين.
أحمد اتجمد.
بص لسيف.
ثم قال
سيف تم سبع سنين من أسبوعين.
الرجل أومأ.
وعشان كده أنا جيت النهارده.
بصينا كلنا لسيف.
والغريب إن سيف ما كانش خايف.
كان ماسك الديناصور وبيقول بهدوء
يعني اللعبة دي كانت مستنياني أكبر؟
الرجل ابتسم وقال
بالضبط.
سيف سأل
طب ليه؟
الرجل رد
عشان لما تكبر، تبقى قادر تفهم إن بعض الأسرار مش بتتخبى عشان تضرنا...
ثم نظر إلى أحمد.
لكن عشان تحمينا من تكرار أخطاء قديمة.
أحمد فتح آخر ورقة في الملف.
وكان مكتوب فيها بخط والده
لو وصل سيف إلى سن السابعة، احكوا له كل شيء... لأنه وحده قد يستطيع إصلاح ما أفسدناه.
رفعت عيني ناحية أحمد.
وقلت
يصلح إيه؟
الرجل العجوز لم يجب.
فقط أشار إلى آخر صفحة.
وكان فيها عنوان واحد
حكاية الطفل الذي تركناه... وما حدث له بعد ذلك بصينا لبعض.
لأننا فجأة فهمنا إن فيه شخصًا تاني كان يعرف الحكاية كلها...
شخص قريب مننا جدًا.
بصيت لأحمد وقلت بصوت واطي
أحمد... إنت فاكر مين اللي جاب لسيف الديناصور ده أول مرة؟
أحمد سكت ثواني.
وبعدين قال
مش فاكر بصراحة... أمي هي اللي قالتلي وقتها إنها اشترتهوله.
لفّيت ناحية الحاجة هدى.
كانت قاعدة على الكرسي، وشها اتغير تمامًا.
قلت لها
إنتِ اللي جبتيه لسيف؟
ما ردتش.
سيف كان ماسك الديناصور في إيده وباصص لها.
وفجأة قال
آه... بس التيتة مش اللي ادتهولي.
أحمد قام بسرعة.
يعني إيه؟
سيف قال
أنا كنت صغير، بس فاكر إن فيه راجل كبير اداهولي مرة... وقال لي خليه معاك، ده بتاعك.
الحاجة هدى شهقت.
راجل؟!
سيف هز راسه.
أيوه.
سألتُه
كان شكله إيه؟
سيف فكر شوية، وبعدين قال
كان شعره أبيض... وكان عنده علامة صغيرة هنا.
وأشار إلى إيده.
الحاجة هدى قامت واقفة.
وشها بقى شاحب.
مستحيل...
أحمد قرب منها.
ماما، مين الراجل ده؟
فضلت ساكتة.
ثم قالت
أخويا.
الكل اتجمد مكانه.
قلت
أخوكي اللي في الصورة؟
هزت رأسها.
أيوه.
أحمد قال بانفعال
بس إنتِ قلتي إنك ما شوفتيهوش من سنين!
قالت
ما شفتوش فعلًا... بس قبل ما يختفي من حياتنا، كان عارف إن عندي ابن اسمه أحمد.
سكتت لحظة، ثم بصت لسيف.
لكن أنا ما كنتش أعرف إنه قابلك.
سيف سألها
هو كان بيحب الأطفال؟
الحاجة هدى دمعت عينيها وقالت
كان بيحبهم جدًا.
ثم أضافت
وكان دايمًا يقول إن الطفل مش لازم يدفع تمن أخطاء الكبار.
أحمد قرب من الصندوق القديم وأخرج الورقة اللي كانت مخبية تحت الصور.
فتحها.
كان مكتوب فيها
لو وصل الديناصور إلى طفل من العيلة، اعرفوا إن أخويا رجع يبحث عن أثره.
بصينا لبعض.
وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.
مرة.
ثم مرة تانية.
أحمد راح يفتح.
وأنا وقفت مكاني.
سيف جري ناحية الباب، لكني مسكته وقلت
استنى هنا.
الباب اتفتح.
وكان واقف رجل كبير في السن.
شعره أبيض.
وفي إيده نفس العلامة اللي وصفها سيف.
الحاجة هدى أول ما شافته، قعدت على الكرسي من الصدمة.
الرجل بص لها وقال
أخيرًا يا هدى.
ما عرفتش تقول أي كلمة.
أحمد قال
حضرتك مين؟
الرجل ابتسم بحزن.
أنا خالك... وأخو أمك.
ثم بص لسيف.
وعينيه وقعت على الديناصور.
وقال
لسه محتفظ بيه؟
سيف قرب منه خطوة.
إنت اللي اديتهولي؟
الرجل هز رأسه.
أيوه.
سأله سيف
ليه؟
الرجل بص للحاجة هدى وقال
لأن أختي كانت خايفة من الماضي... وأنا كنت عايز أتأكد إن المستقبل ما يكررهوش.
أحمد قال
إحنا مش فاهمين حاجة.
الرجل دخل بهدوء، وحط ملف قديم على الترابيزة.
عشان كده أنا جيت النهارده.
فتح الملف.
وكان جواه مستندات وصور قديمة.
ثم قال
فيه حاجة لازم تعرفوها عن العيلة.
بصيت للملف، ثم لسيف، ثم لفريدة اللي كانت نايمة بهدوء.
وسألت
حاجة تخص فريدة؟
هز رأسه.
لأ.
وسكت لحظة.
تخص سيف.
سيف بص له باستغراب.
والرجل أخرج ورقة قديمة جدًا.
وقال
والد سيف كان يعرف إن الورقة دي موجودة... لكنه ما عرفش قصتها كاملة.
أحمد أخذ الورقة.
قرأ أول سطر.
وفجأة تغيرت ملامحه.
قال بصوت مرتجف
دي... شهادة ميلادي؟
الرجل قال
لأ.
ثم أشار إلى اسم مكتوب في أسفل الورقة.
دي شهادة تسجيل قديمة تخص طفل من العيلة...
وسكت.
ثم قال
والطفل ده هو السبب الحقيقي اللي خلّى الديناصور يوصل لسيف.
سيف شد على لعبته.
وأنا بصيت لأحمد وقلت
إحنا لازم نعرف الحقيقة كاملة.
الحاجة هدى قامت ببطء.
وقالت
وأنا هحكي كل حاجة.
ثم أضافت
المرة دي... من غير ما أخبي أي كلمة.
وساعتها، لأول مرة، بدأنا نفهم إن سر الديناصور ما كانش متعلق بالماضي بس...
كان فيه سبب محدد جدًا ليه الرجل اختار سيف بالذات فتح أحمد آخر صفحة في الملف، وبدأ يقرأ بصوت مرتجف.
كانت الحكاية أقدم مما توقعنا.
الطفل اللي ظهر في الصور كان اسمه مروان، وكان عنده إعاقة ذهنية بسيطة. أسرته وقتها كانت بتخاف من كلام الناس، فحاولوا يبعدوه عن العيلة.
لكن خاله، الرجل العجوز، رفض.
حاول يساعده، وعلمه، ووقف جنبه سنين طويلة.
وفي النهاية، مروان كبر، اشتغل، واتجوز، وبقى له ابن.
لكن قبل ما يموت، كتب رسالة لأخوه
لو يوم من الأيام اتولد طفل مختلف في عيلتنا، أوعى تخليه يحس إنه أقل من غيره. أنا عشت سنين وأنا بحاول أثبت إني أستحق مكاني بين الناس.
سكت أحمد.
الحاجة هدى كانت بتعيط.
وقالت
أنا غلطت... مش مع فريدة بس. أنا كنت طول عمري خايفة من كلام الناس، ولما عرفت إن فريدة عندها متلازمة داون، خوفت عليها بدل ما أفرح بيها.
بصيت لها وقلت
الخوف مفهوم... لكن إخفاء الحقيقة مش حماية.
هزت رأسها.
عارفة.
ثم بصت لسيف.
وإنت يا سيف، أنت علمتني درس مش هنساه.
سيف استغرب
أنا؟
ابتسمت له.
أيوه. لأنك من أول يوم شفت أختك، ما سألتش هي مختلفة ليه. سألت بس إزاي أساعدها؟
الرجل العجوز أخرج الديناصور من إيد سيف للحظة، وقلبه.
كان في أسفله تجويف صغير.
فتحه، وطلع منه ورقة مطوية.
سيف قال بدهشة
دي كانت جوه؟
الرجل ابتسم.
من سنين.
فتحنا الورقة.
وكان مكتوب فيها
إلى الطفل الذي سيحمل الديناصور بعدي...
لا
متابعة القراءة