ابنى سيف
المحتويات
بصوت منخفض
في نفس المدينة.
وإيه اللي حصل هناك من سبع سنين؟
سكتت.
أنا بدأت أحس إن فيه حاجة مش طبيعية.
قلت
هدى، كفاية ألغاز. قولي الحقيقة.
رفعت عينيها وقالت
قبل ولادة سيف بشهور، كنت ببحث عن أخويا.
أحمد قال
وإنتِ قلتي إنك لقيتيه.
أيوه.
فين؟
قالت
في دار رعاية.
أحمد اتصدم.
يعني أخوكي كان عايش؟
هزت رأسها.
أيوه.
وليه محدش قال لك؟
لأن أهلي زمان سجلوا الموضوع بطريقة مختلفة، وخبوا وجوده عن معظم الناس.
سكتت لحظة.
لما لقيته، اكتشفت إنه كان محتاج رعاية خاصة طول حياته.
أنا سألتها
وإيه علاقة فريدة؟
هدى بصت لفريدة.
لما فريدة اتولدت، كل ذكريات أخويا رجعت لي.
أحمد قال
ده يفسر خوفك، لكنه ما يفسرش إنك أخفيتي معلومات طبية عن بنتنا.
هدى نزلت رأسها.
عندك حق.
سيف كان ساكت طول الوقت.
وبعدين قال
بس الورقة اللي في الشنطة مش بتاعة أخو تيتة.
هدى رفعت رأسها بسرعة.
إنت شفتها؟
أيوه.
أنا بصيت له.
ورقة إيه؟
قال
الورقة اللي عليها اسمي.
أحمد فتح عينه.
اسمك؟
سيف هز رأسه.
أيوه.
هدى قامت فجأة.
سيف!
لكن أحمد وقف قدامها.
استني يا ماما.
ثم بص لسيف
فين الورقة؟
سيف أشار إلى غرفة هدى.
في الدرج اللي جنب سريرها.
أحمد دخل الغرفة بسرعة.
وأنا مشيت وراه.
فتح الدرج.
كان مليان أوراق قديمة.
قلبنا فيها واحدة واحدة.
وفجأة أحمد وقف.
طلع ملف أبيض.
على الغلاف كان مكتوب
سيف أحمد...
اتصدمت.
إيه ده؟
أحمد فتح الملف.
كان فيه تقارير طبية لسيف من وقت ولادته.
لكن في آخر صفحة كان فيه اسم طبيب، وتحت اسمه ملاحظة
ضرورة إعادة الفحص عند بلوغ الطفل سن السابعة.
بصيت لأحمد.
يعني إيه؟
قبل ما يرد، هدى دخلت علينا.
وقالت
كنت خايفة.
أحمد لف لها.
من إيه المرة دي؟
قالت
سيف من وهو صغير كان عنده نتيجة محتاجة متابعة.
بصيت لها بغضب.
وإنتِ كنتِ عارفة؟
قالت
أنا اللي احتفظت بالملف.
ليه؟
لأن والدك كان وقتها مسافر، وإنتِ كنتِ في المستشفى، والطبيب قال إن الأمر يحتاج متابعة فقط.
أحمد قال
طيب وليه مكتوب إعادة الفحص عند سبع سنين؟
هدى سكتت.
ثم قالت
لأن بعض الأعراض ممكن تظهر في السن ده.
أنا قربت من أحمد.
وإحنا ما نعرفش؟
هدى هزت رأسها.
كنت ناوية أقول لكم.
إمتى؟
قالت
لما تتأكدوا.
أحمد انفجر
إنتِ مش من حقك تخبي عننا أي حاجة تخص أولادنا!
سيف كان واقف عند الباب.
سمع كل حاجة.
ثم قال بهدوء
عشان كده كنت بخاف على فريدة.
أنا نزلت لمستواه.
ليه يا حبيبي؟
قال
عشان لما شفت تيتة بتخبي ورق فريدة، افتكرت إنها هتخبي عليها زي ما خبت الورق بتاعي.
سكتنا.
سيف كمل
أنا مش خايف من فريدة.
ثم بص لأخته.
أنا خايف إن الكبار يسكتوا لما يكون فيه حاجة مهمة.
الجملة دي كسرتني.
حضنت نفسي وأنا بحاول أتماسك، وقلت
عندك حق تزعل يا سيف.
أحمد أخذ الملف.
وقال
بكرة الصبح هنروح للدكتور.
هدى قالت
وأنا هاجي معاكم.
أحمد رد
لأ.
سكتت.
المرة دي أنا وجيهان هنروح لوحدنا.
في صباح اليوم التالي، أخدنا سيف وفريدة للطبيب.
عملنا الفحوصات المطلوبة.
وبعد ساعات طويلة من الانتظار، دخل الطبيب علينا.
بص لسيف.
ثم ابتسم.
الحمد لله، النتائج مطمئنة.
أنا تنفست براحة.
يعني مفيش حاجة خطيرة؟
لا. فيه ملاحظة بسيطة تحتاج متابعة دورية، لكن مفيش شيء يستدعي الخوف.
بصيت لأحمد.
أول مرة من أيام حسيت إن نفسي رجع.
أما فريدة، فكانت حالتها مستقرة، والطبيب أكد لنا إن المتابعة المنتظمة هي أهم شيء.
رجعنا البيت.
دخلت أوضة فريدة.
لقيت سيف تحت السرير.
لكن المرة دي كان صاحي.
قلت له
إنت لسه هتنام هنا؟
ابتسم وقال
لأ.
أمال بتعمل إيه؟
قال
كنت بشوف المكان بس.
ضحكت.
خلاص، من النهارده سريرك هو مكان نومك.
هز رأسه.
وبعدين سأل
فريدة كويسة؟
قلت
كويسة يا حبيبي.
ابتسم.
لكن قبل ما يخرج من الأوضة، وقف فجأة.
وبص ناحية الكومودينو.
قال
ماما...
نعم؟
تيتة نسيت ورقة هنا.
قلبي دق بسرعة.
ورقة إيه؟
سيف أشار للدرج.
فتحت الدرج.
وكان فيه ظرف صغير.
المرة دي ما كانش عليه اسم فريدة.
ولا اسم سيف.
كان عليه اسم أحمد.
فتحناه.
وكانت أول جملة مكتوبة فيه
إلى ابني أحمد... لو في يوم عرفت الحقيقة، لازم تعرف إن والدك هو اللي طلب مني أخفي كل الأوراق.
أحمد فضل واقف مكانه.
وبص لي.
ثم قال
بابا؟
ولأول مرة فهمنا إن هدى ما كانتش صاحبة السر الوحيد...
كان فيه شخص تاني في العيلة عارف كل حاجة من البداية عدّى حوالي شهر، والبيت أخيرًا رجع هادي.
فريدة بقت أحسن، ومواعيدها مع الدكاترة منتظمة، وسيف رجع لحياته الطبيعية.
لكن في يوم، وأنا برتب دولاب فريدة، لقيت كراسة صغيرة محشورة بين الهدوم.
فتحتها.
كانت كراسة سيف.
صفحات كتير فيها رسومات لفريدة، وتحت كل رسمة تاريخ.
في صفحة مكتوب
الاثنين... فريدة نامت كويس.
وفي صفحة تانية
الخميس... تيتة دخلت عندها بالليل.
قلبت الصفحات بسرعة.
لكن آخر صفحة خلت إيدي تتجمد.
كان مكتوب
النهارده لقيت حاجة تحت سرير فريدة.
ناديته فورًا
سيف!
دخل وهو بيجري.
نعم يا ماما؟
رفعت الكراسة.
إيه الحاجة اللي لقيتها؟
بص للكراسة، وسكت.
سيف، كلمني.
قال
مش عايز أقول.
ليه؟
عشان قلت لتيتة إني مش هقول.
وقتها افتكرت كل اللي حصل.
قلت له بهدوء
يا سيف، لما يكون الموضوع متعلق بسلامة فريدة، مفيش سر لازم تخبيه.
سكت شوية.
ثم قال
لقيت مفتاح.
مفتاح إيه؟
صغير.
فين؟
تحت السرير.
أحمد كان داخل الأوضة في اللحظة دي.
سمع آخر جملة.
قال
مفتاح لإيه؟
سيف بص له.
مش عارف.
أحمد قال
فين المفتاح دلوقتي؟
سيف خرج من جيبه سلسلة مفاتيح صغيرة.
كان فيها مفتاح واحد غريب.
أخدته.
بصيت لأحمد.
ده مش بتاع أي باب عندنا.
أحمد قلب المفتاح في إيده.
وفجأة هدى دخلت الأوضة.
أول ما شافت المفتاح، وقفت مكانها.
قلت
إنتِ تعرفيه؟
ما ردتش.
أحمد قال
ماما؟
هدى قعدت على طرف السرير.
وقالت
أيوه.
سألها
مفتاح إيه؟
قالت
صندوق.
صندوق إيه؟
صندوق والدك.
أحمد اتصدم.
بابا كان عنده صندوق؟
هزت رأسها.
أيوه.
وفين؟
قالت
في البيت القديم.
أحمد سأل
وإنتِ ليه مخبية الموضوع ده؟
قالت
لأن الصندوق فيه آخر حاجة سابها قبل ما يموت.
أحمد قال
طيب نروح نفتحه.
هدى سكتت.
ثم قالت
مش كل اللي جواه لازم تعرفوه.
رديت عليها
لأ، المرة دي لازم نعرف.
سكتت طويلًا.
ثم وافقت.
في نفس اليوم، رحنا البيت القديم.
كان مقفول من سنين.
دخلنا المخزن.
هدى مشت ناحية حائط قديم، ووقفت عند بلاطة مختلفة عن باقي البلاط.
شالتها.
كان وراها صندوق معدني صغير.
أحمد قرب.
أدخل المفتاح.
لفه.
الصندوق اتفتح.
جواه صور قديمة، أوراق، ودفتر بني.
أحمد مسك الدفتر.
أول صفحة كان مكتوب عليها
إلى أحفادي... عندما يكبرون.
قلب الصفحة.
كان فيها كلام عن العيلة، وعن أخطاء حصلت من سنين.
لكن في آخر الصفحة جملة واحدة
أكبر خطأ ارتكبناه لم يكن إخفاء الحقيقة... بل اعتقادنا أن الطفل المختلف يحتاج إلى الشفقة.
سكتنا كلنا.
أحمد كمل القراءة.
كنت أظن أنني أحمي ابني عندما أخفيت حقيقة أخيه. لكنني كنت في الحقيقة أحمي نفسي من كلام الناس.
هدى بدأت تبكي.
أنا مسكت إيدها.
وبعدين أحمد قلب الصفحة.
وكانت المفاجأة.
صورة قديمة لأخو هدى.
وفي الصورة كان واقف جنب طفل صغير.
أحمد قرب الصورة من عينه.
مين الطفل ده؟
هدى بصت للصورة.
وشها اتغير.
ده...
سكتت.
أحمد قال
مين؟
هدى ردت بصوت مرتعش
ده أنا.
أحمد استغرب.
إنتِ؟
أيوه.
وإيه الغريب في كده؟
هدى أشارت لطفل تاني واقف جنبها.
مش أنا اللي بتكلم عنه.
بصينا للصورة.
كان فيه طفل ثالث.
والغريب إن الطفل ده كان ماسك لعبة ديناصور صغيرة.
نفس نوع الديناصور القديم اللي سيف كان بيحبه.
سيف قرب من الصورة.
قال
ده شبه الديناصور بتاعي.
هدى هزت رأسها.
لأن اللعبة دي كانت لأخويا.
سكت سيف.
ثم قال
يعني تيتة كانت تعرف الديناصور ده؟
هدى ابتسمت بحزن.
أيوه.
أحمد قلب الصورة.
وخلفها كان مكتوب تاريخ.
ثم جملة
لو عاد هذا الطفل يومًا، أعطوه الديناصور.
بصينا لبعض.
أحمد قال
بس أخوكي اختفى من أكتر من ثلاثين سنة.
هدى قالت
عارف.
يبقى مين الطفل؟
ماحدش رد.
إلا سيف.
قال بهدوء
يمكن مش طفل.
بصينا له.
قال
يمكن الصورة قديمة... بس الديناصور موجود لحد دلوقتي.
أحمد ابتسم.
تقصد إيه؟
سيف أشار إلى اللعبة الموجودة في شنطته.
ثم قال
نفس الديناصور.
سكتنا جميعًا.
لأننا فجأة فهمنا إن فيه شخصًا آخر كان يعرف اللعبة، ويعرف قصة العيلة، ويعرف كل الأسرار...
والشخص ده كان أقرب لنا مما كنا نتخيل مرت أسابيع، والبيت أخيرًا بدأ يرجع هادي.
فريدة كانت بتتابع مع الدكتور بانتظام، وسيف رجع ينام في أوضته.
أما هدى، فكانت بتحاول تصلح كل حاجة عملتها.
لكن في يوم، وأنا برتب أوضة فريدة، لقيت ظرف صغير واقع ورا الكومودينو.
استغربت.
مسكته.
كان مكتوب عليه
إلى جيهان... بعد مرور شهر على ولادة فريدة.
قلبي دق بسرعة.
أنا ما كنتش فاهمة الظرف ده جه منين.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
وكان أول سطر فيها
لو بتقري الكلام ده، يبقى سيف هو اللي وصلك للظرف.
وقفت مكاني.
دخل سيف الأوضة في اللحظة دي.
قلت له
سيف... إنت تعرف الظرف ده؟
بص عليه.
وشه اتغير.
أيوه.
مين حطه هنا؟
قال
تيتة.
إمتى؟
قبل ما نروح المستشفى أول مرة.
سألته
وإنت ليه ما قلتليش؟
قال
عشان تيتة قالتلي ما أقولش غير لما الوقت يبقى مناسب.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب
جيهان، أنا عارفة إنك هتزعلي مني، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها عن سيف.
وقفت عن القراءة.
بصيت لسيف.
هو كان واقف ساكت.
كملت
سيف من وهو صغير كان عنده ملاحظة في طريقة تعامله مع الأصوات والخوف. الطبيب قال إنه طفل شديد الملاحظة، وبيلاحظ حاجات الكبار أحيانًا ما بياخدوش بالهم منها.
اتنهدت.
أنا فعلًا كنت ملاحظة إن سيف بيركز في كل حاجة.
لكن ما كنتش أعرف إن ده جزء من شخصيته بالشكل ده.
كملت
لما فريدة اتولدت، سيف لاحظ إن البيت كله اتغير. لاحظ خوفكم، ولاحظ ارتباككم، ولاحظ إن بعض الكبار بيتكلموا بعيد عنه.
وقفت تاني.
سيف قال
كملي يا ماما.
كملت
هو بدأ يعتقد إن فيه حاجة خطيرة بتحصل، وإنكم مش بتقولوا له الحقيقة. لذلك بدأ ينام تحت سرير فريدة. لم يكن يحرسها من شخص بعينه، بل كان يحرسها من السر.
حسيت بدموعي بتنزل.
كملت آخر سطر
ولو سيف قال لك يومًا إنه كان خايف على فريدة، صدقيه.
نزلت الورقة.
وبصيت له.
إنت كنت فاهم كل ده؟
قال
مش كله.
أمال كنت بتعمل إيه؟
قال
كنت بحاول أتأكد إنها بخير.
قلت
وكنت فاكر إن تيتة ممكن تأذيها؟
هز رأسه.
لأ.
استغربت.
أمال؟
قال
كنت خايف إنها تخبي حاجة تانية.
سألته
ليه؟
قال
عشان كل ما كنت أسألها عن فريدة، كانت تقول لي لما تكبر هتفهم.
سكت.
ثم قال
وأنا مكنتش عايز أستنى لما أكبر.
ابتسمت رغم دموعي.
ليه؟
قال
عشان فريدة كانت صغيرة.
في اللحظة دي دخل أحمد.
بص للورقة.
إيه ده؟
حكيته له.
قرأها.
وبعدين قال
ماما كانت عارفة إن سيف بيفكر بالطريقة دي؟
هزيت رأسي.
واضح.
أحمد سكت.
وبعدين قال
لازم نروح لها.
رحنا أوضتها.
كانت قاعدة قدام الشباك.
أحمد حط الورقة قدامها.
ليه كتبتي ده؟
هدى بصت
متابعة القراءة