امي كانت متجوزة حكايات زهرة
وسط دموعها.
كنت بتكتب اسمك على كل حاجة.
بدأنا ندور تحت البلاط.
ثالث بلاطة ناحية الشباك كانت مفكوكة فعلًا.
علي شالها.
كان تحتها صندوق حديد صغير.
لكن الصندوق كان مفتوح.
وفاضي.
ما عدا صورة واحدة.
علي مسك الصورة.
الصورة كانت لأبوه وأمه...
وعلي بينهم وهو طفل.
لكن في خلفية الصورة كان واقف رجل تاني.
علي قرب الصورة من عينه.
ثم قال
ده عمي.
مازن أخد الصورة.
مش عمك بس.
بصينا له.
قال
ده يوم الحادثة.
علي قلب الصورة.
كان مكتوب عليها تاريخ.
ثم جملة قصيرة
الصورة دي اتاخدت قبل الحادثة بساعتين.
علي اتنفس بصعوبة.
يبقى عمي كان مع أبويا قبل ما يموت.
مازن قال
والسؤال مش كان معاه ليه...
وسكت.
علي بص له
السؤال إيه؟
مازن قال
مين الشخص التالت اللي كان معاهم؟
فجأة سمعنا صوت باب البيت بيتقفل.
أمي شهقت.
علي حط الصورة في جيبه.
محدش يتحرك.
سمعنا خطوات بطيئة في الممر.
خطوة...
وبعدها خطوة...
والصوت قرب من الغرفة.
أنا مسكت إيد أمي.
الباب بدأ يتفتح.
ظهر رجل واقف في الضلمة.
علي قال
مين إنت؟
الرجل ما ردش.
رفع إيده وحطها على مفتاح النور.
ولما النور اشتغل...
أمي صرخت
إنت؟!
الرجل كان واقف قدامنا بملامح أكبر من الصورة بسنين.
علي بص له، واتجمد.
الرجل قال
أنا الشخص اللي كان المفروض يموت في الحادثة.
علي همس
أبويا؟
الرجل بص لأمي.
وبص لعلي.
وقال
أيوه... أنا أبوك.
لكن قبل ما حد يستوعب الصدمة، أخرج ورقة قديمة من جيبه ومدها لعلي.
اقرأ دي الأول...
علي فتحها.
وأول سطر فيها كان
أنا خيري... ولو ابني علي وصل للورقة دي، يبقى لازم يعرف إن أمه ما كانتش ضحية الحكاية كلها علي فضل واقف مكانه، والملف مفتوح في إيده، لكن عينيه ما كانتش على الورق...
كانت على أمه.
ماما... إنتِ كنتِ عارفة إن أبويا كان بيتراقب؟
أمي حركت شفايفها، بس الصوت ما خرجش.
خيري تدخل
ما تضغطش عليها يا علي.
علي لف له بعصبية
إنت آخر واحد يتكلم! تلاتين سنة وأنا عايش بنص حكاية، وإنت كنت عارف!
خيري نزل عينه.
كنت عارف جزء.
إيه الجزء؟
إن أبوك كان اكتشف حاجة كبيرة قبل الحادثة.
إيه؟
خيري سكت.
عمه ابتسم ابتسامة باردة.
أهو دي المشكلة... أخوك لسه فاكر إنه يقدر يحميكم بنفس الطريقة القديمة.
خيري بص له بغضب
إنت ما لكش دعوة.
ليّا كل الدعوة.
علي وقف بينهم.
كفاية!
وبص لعمه
إنت قلت إن أمي مش بريئة. عايز تقول إيه؟ قوله قدامي.
عمه فتح الملف.
طلع ورقة تانية.
قبل الحادثة بأسبوع، أبوك كتب إقرار.
علي أخد الورقة.
قرأها.
وكان مكتوب
لو حصل لي أي شيء، لا تسلّموا ابني لأي شخص من عائلة والدته.
علي رفع عينه.
ليه؟
عمه قال
لأن أبوك كان شاكك إن فيه حد من ناحية أمك عايز ياخدك.
أمي صرخت
كذب!
خيري قال بسرعة
مش كذب بالكامل.
الكل سكت.
علي بص له.
يعني إيه؟
خيري قال
كان فيه تهديد فعلاً.
ضد مين؟
ضد أبوك.
من مين؟
خيري أخد نفس طويل.
من شخص كان قريب من العيلة جدًا.
علي قال
مين؟
خيري ما ردش.
عمه قال
أمك.
أنا اتصدمت.
إنت بتتهمها؟
عمه رد
أنا بقول الحقيقة.
علي بص لأمه.
أمي كانت بتبكي وبتحرك راسها بالنفي.
أنا ما أذيتش أبوك.
خيري قال
هي ما أذتوش.
عمه بص له.
بس كانت تعرف.
علي سأله
تعرف إيه؟
خيري قال
إن أبوك كان هربان من شخص بيهدده.
مين الشخص؟
خيري سكت.
وفجأة أمي قالت بصوت مبحوح
سالم.
علي تجمد.
سالم؟
أمي هزت راسها.
سالم كان صاحب أبوك... وأول واحد وصل بعد الحادثة.
مازن قال
سالم هو الشخص اللي كنت بحذرك منه.
علي بص له
إنت تعرفه؟
أيوه.
مين هو؟
مازن قال
هو مش مجرد صاحب أبوك.
علي انتظر.
مازن أكمل
هو كان شريكه في كل حاجة.
عمه فجأة قال
وكان آخر شخص شاف أبوك حي.
خيري اتوتر.
علي قال
طيب هو فين دلوقتي؟
عمه ابتسم.
أقرب مما تتخيل.
رن تليفون علي.
رقم مجهول.
رد.
مافيش كلام.
بس صوت تنفس.
وبعدين صوت رجل هادي
لو عايز تعرف مين قتل أبوك... ارجع المستشفى.
علي قال
مين إنت؟
الصوت رد
اسأل مدير المستشفى عن الملف رقم ٣٧.
ثم قفل.
علي بص لنا.
أنا قلت
ملف إيه؟
خيري قال
ملف والدتك.
علي اتصدم.
إزاي؟
خيري قال
لأن ملف رقم ٣٧ مش ملف مريضة عادية.
علي سأل
أمال ملف مين؟
خيري بص لأمه.
ده الملف اللي اتكتب فيه كل اللي حصل لأمك... من يوم ما اتاخد ابنها لحد يوم دخولها المستشفى.
أمي بدأت تنتفض.
لا... ما تفتحوش.
علي قرب منها.
ليه؟
أمي مسكت إيده وقالت
لأنهم كتبوا فيه حاجة أنا نفسي ما كنتش عارفاها.
إيه؟
أمي بصت له بعينين مليانين خوف.
كتبوا إنك...
وسكتت.
علي ضغط على إيدها
إني إيه؟
لكن قبل ما تكمل...
جاء صوت إنذار من موبايل مازن.
بص للشاشة.
ثم قال
حد فتح الملف رقم ٣٧ دلوقتي.
علي سأله
منين؟
مازن رفع عينه.
من داخل المستشفى.
وفي نفس اللحظة، ظهر على شاشة الموبايل اسم المستخدم اللي فتح الملف.
سالم خيري علي فضل واقف قدام شاشة الموبايل، عينيه ثابتة على الاسم اللي ظهر قدامه
سالم خيري.
قال بصوت مخنوق
سالم خيري؟! ده اسم أبويا!
مازن قرب منه وقال بسرعة
يعني حد دخل على الملف بحساب أبوك؟
علي هز راسه، لكن قبل ما يتكلم، موبايله رن.
رقم المستشفى.
رد
ألو؟
جاله صوت مدير المستشفى مرتعش
دكتور علي... تعالى فورًا. في حاجة حصلت في الأرشيف.
وصل علي ومازن، ولقوا مدير المستشفى واقف قدام غرفة الملفات، والباب مفتوح.
قال المدير
الملف 37 اختفى.
علي حس إن رجليه مش شايلاه.
اختفى إزاي؟
مدير المستشفى أشار لجهاز الكمبيوتر
حد دخل بحساب قديم باسم والدك، وفتح الملف، وبعدها مسح جزء من السجلات.
علي قرب من الشاشة، وفجأة ظهرت نسخة احتياطية لصفحة واحدة.
قرأها بصوت عالي
في يوم دخول السيدة... تم إحضارها للمستشفى بعد تعرضها لانهيار عصبي شديد. المريضة كانت تكرر جملة واحدة ابني اتاخد مني غصب.
سكت.
وبعدين كمل
وقد أفادت المريضة أن والدها أجبرها على توقيع تنازل عن طفلها تحت التهديد.
علي حط إيده على دماغه.
كل السنين اللي عاشها وهو فاكر إن أمه رمته...
كانت مبنية على كذبة.
لكن الورقة كان فيها سطر أخير
هناك شخص حضر للمستشفى قبل إدخال المريضة بساعات، وطلب مقابلة الطبيب المسؤول، وترك تعليمات بعدم إخبار الابن بحقيقة ما حدث.
علي بص للمدير
مين الشخص ده؟
المدير بلع ريقه وقال
اسمُه موجود في الصفحة الأصلية... لكن الصفحة اتشالت.
مازن قال
بس النسخة الاحتياطية لازم تكون عارفة اسمه.
المدير ضغط على زر.
ظهرت كلمة واحدة
سالم.
علي اتجمد.
سالم... شريك أبويا؟
مدير المستشفى هز راسه.
أيوه.
في اللحظة دي، علي افتكر كل كلمة قالها له أبوه.
أنا كنت خايف عليك.
أمك ما أذتكش.
كان لازم تختفي.
وفجأة فهم.
أبوه ماكانش بيهرب من أمه.
كان بيهرب من حد تاني.
لكن السؤال الأصعب كان مين؟
رجع علي لغرفة أمه.
كانت قاعدة على السرير، ساكتة، وعينيها في الأرض.
قعد جنبها.
قال
ماما...
رفعت عينيها ببطء.
لأول مرة من سنين، بصت له بتركيز.
قال
أنا علي.
شفايفها ارتعشت.
لكنها ما صرختش.
ما خافتش.
مدت إيدها ولمست وشه.
وقالت
كنت عارفة إنك هترجع.
علي انهار في البكاء.
ليه ما قولتيليش؟
قالت وهي بتبص له
كل مرة كنت بقول الحقيقة... كانوا يقولوا إني مجنونة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
بس في حاجة واحدة عمري ما نسيتها.
إيه؟
اليوم اللي أخدوك فيه... أبوك كان بيجري وراهم.
علي رفع عينه.
أبويا؟
هزت رأسها.
أبوك حاول يرجعك.
دخلت بنتها عليهم وهي بتبكي.
يعني بابا كان بيحاول يرجع علي؟
أمها بصت لها وقالت
أبوك ما كانش السبب.
ثم أمسكت يد علي بقوة.
أبوك كان أول واحد حاول يكشف الحقيقة... وعشان كده اختفى من حياتنا.
علي سألها
ومين سالم؟
وشها اتغير.
الخوف رجع لعينيها.
وقالت
ما تدورش وراه.
ليه؟
لأن اللي أخدك زمان... كان عايزك تكرهني.
وسكتت.
وسالم كان عارف ليه.
بعد أيام، الشرطة فتحت التحقيق في القضية القديمة بناءً على المستندات اللي ظهرت في ملف المستشفى.
اتضح إن توقيع الأم على التنازل عن ابنها كان مزورًا في جزء منه، وإن أوراق الوصاية اتعملت بطريقة غير قانونية.
أما عم علي، فكان قد توفي قبل سنوات، لكن شهادات قديمة أكدت إنه أخفى الحقيقة عن الطفل عمدًا، وأقنعه إن أمه تخلت عنه.
أما سالم، فتم الوصول إليه بعد تتبع الأوراق القديمة.
وكانت المفاجأة أنه لم يكن القاتل ولا الشخص الذي خطط لكل شيء.
كان شاهدًا خائفًا.
هو الذي عرف أن جد علي استخدم نفوذه لإبعاد الطفل عن أمه، وهو الذي احتفظ بنسخ من بعض الأوراق.
أما الحساب الذي ظهر باسم سالم خيري في المستشفى، فلم يكن سالم نفسه.
كان حسابًا قديمًا لوالد علي، ولم يُغلق منذ وفاته.
الشخص الذي استخدمه كان أحد العاملين القدامى في المستشفى، حاول إخفاء الحقيقة مقابل المال، لكن النسخ الاحتياطية أنقذت القضية.
وبعد شهور من العلاج، بدأت الأم تستعيد هدوءها.
لم تكن المعجزة إنها شُفيت فجأة.
المعجزة كانت إنها أخيرًا بطلت تستنى ابنها عند باب المستشفى.
لأن ابنها بقى قدامها.
وفي يوم، دخلت بنتها الغرفة ومعاها علي.
قالت لأمها
علي جابلك حاجة.
مد لها علبة صغيرة.
فتحتها.
كانت فيها صورة قديمة جدًا لطفل عمره سنة،
الصورة اللي اتسرقت منها يوم أخدوه.
الأم فضلت باصة للصورة وقت طويل.
وبعدين وقالت
كنت عارفة إنك هترجع.
علي مسك إيدها.
أنا آسف يا أمي.
بصت له وقالت
إنت ما تعملش حاجة تخليني أندم إني استنيتك.
ابتسم وهو بيبكي.
مش هسيبك تاني.
أما بنتها، فكانت واقفة بعيد، والدموع في عينيها.
عشر سنين قضتهم وهي بتحاول ترجع لأمها ابنها.
وفي النهاية، ما رجعتش لها ابنها بس...
رجعت لها الحقيقة.
ورجعت لها كرامتها.
ورجعت لها حياتها.
لأن أحيانًا الإنسان ما بيحتاجش معجزة عشان يشفى...
بيحتاج بس حد يصدقه، بعد ما العالم كله كذّبه.
وعلي، بعد ثلاثين سنة من الغياب، عرف أخيرًا إن أمه ما رمتهوش.
هي كانت طول عمرها مستنياه.
وإن أسوأ شيء حصل لهم ما كانش الفراق...
كان الكذبة اللي خلت اتنين مظلومين يكرهوا بعض سنين طويلة.
وفي آخر يوم خرجت فيه أمه من المستشفى، وقفت على الباب، بصت للسماء، وقالت
الحمد لله... ابني رجع.
علي وقف جنبها.
ولأول مرة من ثلاثين سنة...
دخلت أم وابنها بيتهم، من غير ما يكون بينهم سر واحد.