امي كانت متجوزة حكايات زهرة
امي كانت متجوزه واحد قبل ابويا ومعاها منه ولد ولما اتوفى اهلها اخدو منها طفلها اللي عمره سنه ورموه لاعمامه وجوزوها غصب ، من وقتها وحالتها النفسيه سائت ووصل بيها الحال في مستشفى الامراض العقليه ، بس الاسوء ان ابنها رجع بعد 30 سنه وبقى الدكتور بتاعها واللي عمله فيها لما عرفها دمر الباقي منها !!!!
كانت أامي دايماً بتقول إن الوجع لما بيطول في الجسم بيبقى زي الضيف التقيل، بس أنا كنت عارفة إن الوجع اللي في قلب أمي مش ضيف... ده صاحب البيت.
عندي دلوقتي 25 سنة، وعلى مدار 10 سنين كاملين، حياتي كلها كانت زيارات لمستشفى الامراض العقليه. أصحى الصبح، أحضر الأكل اللي امي بتحبه، وأركب المواصلات وأنا بتمنى مع كل خطوة ألاقيها النهاردة أحسن شوية... أو على الأقل تكون فاكراني.
أمي ما كرهتش الدنيا مرة واحدة، الدنيا هي اللي نهت فيها حتة حتة. زمان، قبل ما أنا أتولد وقبل ما تكون في المكان ده، كانت ست تانية خالص. كانت متجوزه قبل ابويا وبتحب جوزها الأولاني حب مالوش أخر، وربنا رزقهم بطفل سموه علي. بس الحلو ما بيكملش، جوزها اتوفى في حادثة فجأة، وقبل ما تفوق من الصدمة، جحيم الورث اتفتح. بين طمع أعمام الولد وقسوة أبوها، طارت الرحمة من قلوبهم كلهم. ابوها حلف يمين ان علي ابنها ميفضلش معاهم وراح واخد الطفل اللي كان عنده سنة واحدة بس ، ورماه لأعمامه، وجوزها لأبويا غصب عنها بعد ما عدتها خلصت على طول.
من يومها وأمي اتكسرت. صدمة أخذت منها روحها. كانت تحاول تخرج تدور على ابنها، أعمامه يطردوها ويمنعوها، وجوزها لما يعرف يربطها في البيت ويقفل عليها. الليل والنهار بقى عندها واحد، تفكر في طفلها لحد ما عقلها بدأ يهرب منها... بقت تتخيل إنها بتلاعبه، وبتحطله الأكل في بقه وهوا مش موجود. حتى لما خلفتني أنا، فرحتها بيّا كانت زي الدخان، ما غيرتش من وحدتها ولا طفت النار اللي في قلبها على علي ابنها.
وأنا صغيرة، كان عمري 15 سنة، كنت بشوفها بتكلم الهواء، تنادي باسم علي وتبكي، وفي يوم ميلاده تجيب حتة عيش وتحط عليها شمعة وتحتفل بيه وهي بتضحك ودموعها نازلة على خدها. وقتها ما كنتش فاهمة حاجة، لحد ما حالتها ساءت خالص... صراخ مستمر، وتكسير، وخوف من كل حاجة حواليها. أبويا ما استحملش، وبدل ما يعالجها، رماها في مستشفى الأمراض النفسية وقفل باب قصتها.
يومها أنا ما سكتش. دورت ورا السر لحد ما وصلت لست كبيرة، وكانت والدة جوز أمي الأولاني الله يرحمه. الست دي كانت طيبة أوي، ولما سالتها حكتلي كل حاجة. حكتلي عن قسوة اهل امي واخوات جوزها وعن طفلها اللي اخدوه منها....واللي حصل لابنها اسوء عم علي كان كارهه وكان بينيمه بالجوع وهو طفل، وشغّله من صغره علشان يصرف على دراسته. بس الألعن من الجوع، إنه ملي دماغ الولد كره لأمه، فهمه إن أمه رمته وباعته وقبضت تمنه فلوس وراحت اتجوزت وعاشت حياتها! الجدة كانت تخاف من ابنها وما تقدرش تقول الحقيقة، وقالتلي إن من كام سنة، عم علي ده جاتله شغلانة برة البلد وأخد علي معاه يخدمهم ويساعده هناك.
من اليوم ده، وأنا شايلة جبل على كتافي. مقهورة على أمي اللي اتظلمت من كل الناس، وعلى أخويا اللي كارهها وفاكرها رمته وميعرفش إنها اتجننت بسببه. كنت بروح لأمي المستشفى كل يوم، أقعد تحت رجليها، أكلها بيدي، وأهمس في ودنها كل مرة أنا هرجعهولك يا أمي... والله هجيبلك علي لحد عندك عشان يعرف الحقيقة.
ودلوقت بعد 10 سنين امي لسه في المستشفى وعلي معرفتش عنه حاجه ، أخدت العلبة اللي فيها الأكل الدافئ زي كل يوم، ومشيت في الطرقات اللي ريحتها مطهرات وأدوية، حافظة كل شبر في المكان. وصلت لغاية باب اوضتها، بس أخصائي التمريض وقفني ....استني يا آنسة، ممنوع الدخول النهاردة.
اتخضيت وقولتله
ممنوع ليه؟ أنا بدخلها كل يوم في نفس المعاد!
رد وهو بيبص في الورق اللي في إيده
الدكتور الجديد شاف ملفها وجددلها جلسات علاجية، وهي دلوقتي جوة بتاخد الجلسة.
قلبي انقبض،جلسات إيه؟! دكتور محمد اللي بيعالجها بقاله سنين قال إن حالتها نفسية ومش محتاجة أي جلسات !
قال ببرود
بس الدكتور الجديد شاف غير كده وأمر بتطبيق البرنامج فوراً.
صرخت فيه
مين الدكتور ده اصلاً؟! ومين أداله الحق يغير علاجها من غير ما يرجعلي؟!
بصلي وقال ونبرة صوت هادية كأنها سكين
الدكتور علي محمد خيري... خبير طب نفسي وعصبي لسه راجع من برة البلد، ولما قرا اسم والدتك في السجلات بالصدفة، أصر إنه يستلم حالتها بنفسه ويبدأ معاها علاج خاص.
في اللحظة دي، الدنيا لفّت بيّا. الاسم رن في ودني زي صدمة كهربائية... علي محمد خيري!
ده الاسم اللي بقى لي 10 سنين بحفر في الأرض عشان ألاقيه! ده الولد اللي أمه اتجننت عشان مشيت صورته من بالها... هو رجع؟ رجع بعد 30 سنة؟ رجع وهو خبير دكتور، بس محشي كره وغضب من حكايات عمة المسمومة؟!
وقبل ما أستوعب أو أرد، شق الهدوء اللي في الطابق كله صوت صرخة... صرخة مرعبة، ، صوت أمي! صرخة وجع وخوف عمري ما سمعتها منها طول ال سنين اللي فاتت، زقيت الدكتور بقوتي كلها بعيد عن الباب، وفتحت ودخلت أجرى...
بس اللي شفته جوة الاوضه ما كانش جلسة علاج خالص...
اللي شفته منظر خلاني أقف مكاني، أيدي سابت والاكل وقع مني ووقعت على الأرض فاقدة الوعي من الصدمة...
زهرة_الربيع
صلي على رسول اللهفتحت عيني بالعافية، وأول حاجة سمعتها كانت صوت أمي وهي بتصرخ
علي... ابني! ابني سيبني!
جسمي كله اتجمد.
رفعت عيني ناحية السرير، لقيت أمي قاعدة في ركن الأوضة، ضامة نفسها وبتترعش، وشعرها مبعثر، وفي إيديها ورقة متقطعة.
وقدامها كان واقف الدكتور الجديد.
علي.
أخويا.
ابن أمي اللي قضيت عمري بدور عليه.
كان واقف من غير ما يتحرك، ماسك ملفها بإيد، وبالإيد التانية صورة قديمة.
صورة لأمي وهي صغيرة.
بصلي وقال بصوت هادي بشكل يخوف
إنتِ بنتها؟
ماقدرتش أرد.
قرب خطوة، وقال
يبقى إنتِ اللي كانت بتزورني من عشر سنين؟
اتصدمت.
إنت... كنت عارفني؟
ابتسم ابتسامة مفيهاش فرحة.
كنت عارف إن في واحدة بتيجي كل يوم تقريبًا وتسأل عن الست دي.
بص لأمي، وبعدين رجع بصلي.
بس عمري ما توقعت إن البنت اللي بتجيب لها الأكل وتفضل قاعدة جنبها بالساعات... تكون أختي.
الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.
أختي.
هو قالها بسهولة، لكن أنا حسيت إن الكلمة شالت عمر كامل من صدري.
قربت منه وأنا بعيط
إنت علي؟
سكت.
قلت
علي ابن أمي؟
وشه اتغير.
ولأول مرة شفت في عينيه حاجة غير الغضب.
شفت ارتباك.
لكنه خباه بسرعة.
وقال
متقوليش أمي.
أمي سمعت الكلمة، وفجأة رفعت راسها.
بصت له.
فضلت تحدق فيه ثواني طويلة.
وبعدين همست
علي؟
الدكتور اتجمد مكانه.
أمي قامت من على السرير، وبدأت تمشي ناحيته بخطوات بطيئة.
علي... أنت كبرت؟
هو رجع خطوة لورا.
اقعدي.
لكن أمي قربت أكتر.
مدت إيدها ناحية وشه، ولمست خده بأطراف صوابعها.
وفجأة قالت
العلامة دي... كانت عندك هنا.
وأشارِت على كتفه.
كنت لما تزعل تخبي
علي شال إيدها بسرعة.
وقال بانفعال
كفاية!
أمي وقعت على الكرسي وهي بتضحك وتبكي في نفس الوقت.
كنت عارفة إنك هترجع.
علي بص لها بنظرة قاسية.
إنتِ اللي سبتي.
أنا صرخت
لأ!
لف ناحيتي.
قلت وأنا بعيط
هي ما سابتكش!
فتح الملف بعصبية، ورمى قدامي ورقة.
دي شهادة الميلاد؟ ولا دي كمان كدبة؟
بصيت للورقة.
كان مكتوب فيها اسم أمي.
وتحت اسم الأب اسم جوزها الأول.
وتاريخ الميلاد.
سنة ولادته.
قلت
دي الحقيقة.
ضحك بسخرية.
الحقيقة؟
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا.
حطه على الترابيزة.
دي الحاجة الوحيدة اللي فضلت عندي من طفولتي.
فتحت الظرف.
لقيت صورة قديمة جدًا لأمي وهي شايلة طفل صغير.
لكن اللي صدمني مش الصورة.
كان وراها مكتوب بخط اليد
ابني علي... سامحني.
رفعت عيني له.
مين كتب الكلام ده؟
قال
عمتي.
سكت لحظة، وبعدين أضاف
قالتلي إن أمك هي اللي كتبتها قبل ما ترميني.
أمي كانت بتسمعنا.
وفجأة بدأت تهز راسها بعنف.
لا... لا...
قربت منها.
ماما؟
مسكت إيدي بقوة وقالت
الورقة... مش دي.
بصيت لها.
إيه؟
أشارت ناحية الظرف.
هو خبّى الورقة.
علي اتغير وشه.
إيه الورقة؟
أمي بصت له مباشرة لأول مرة، وقالت
الورقة اللي أبوك كتبها.
سكت المكان كله.
علي قرب منها.
أبويا مات قبل ما أعرفك.
أمي هزت راسها.
أبوك ما كتبش حاجة.
ثم بدأت تبكي
أبوك... سلّمك لهم.
علي وقف كأنه فقد القدرة على التنفس.
مين قالك الكلام ده؟
أمي بصت للسقف.
أبوك.
وبصوت أضعف همست
قبل ما يموت بيوم.
أنا بصيت لعلي.
وهو لأول مرة ما كانش غاضب.
كان مرعوب.
مد إيده ناحية الملف، وبدأ يقلب الأوراق بسرعة.
وبعدين وقف فجأة.
فين الملف القديم؟
دخل الممرض بسرعة.
أي ملف يا دكتور؟
صرخ
ملفها من أول يوم دخلت المستشفى!
الممرض اتردد.
الملف القديم موجود في الأرشيف، بس...
طلّعه حالًا.
خرج الممرض.
أنا بصيت لعلي
إنت ليه مهتم بالملف فجأة؟
ما ردش.
بعد دقائق رجع الممرض ومعاه ملف قديم مترب.
علي فتحه.
صفحة...
صفحة...
وفجأة وشه شحب.
حط إيده على ورقة في نص الملف.
قرأها مرة.
وبعدين مرة تانية.
رفع عيني لأمي.
وقال بصوت مكسور
إنتِ كنتِ بتطلبي منهم يدوروا عليا؟
أمي بدأت تبكي.
كل يوم.
وكنتِ بتقولي إنهم أخدوه منك؟
كل يوم.
قلب صفحة تانية.
وهنا ظهر شيء أخطر...
توقيع الطبيب القديم.
وتحته ملاحظة مكتوبة بخط واضح
المريضة تكرر ادعاء أن طفلها تم اختطافه من أهلها، وتصر على أنها كانت تحاول استعادته.
علي ظل يحدق في السطر.
ثم قال
يعني... كانت بتقول الحقيقة؟
سكت.
ثم رفع الملف بعصبية وقال
إزاي محدش سأل؟
قبل ما أجاوبه، سمعنا صوت الممرضة الكبيرة من عند الباب
عشان حد كان بيدفع لهم علشان ما يسألوش.
لفينا كلنا ناحيتها.
كانت واقفة وشكلها متوتر.
علي قرب منها
مين؟
الممرضة بلعت ريقها.
أنا ما ينفعش أقول.
قال
لا، ينفع.
هزت راسها.
لو قلت... ناس كتير هتتأذى.
علي قرب خطوة.
أنا اتأذيت 30 سنة.
سكتت.
وبعدين قالت جملة واحدة قلبت القصة كلها
الراجل اللي كان بييجي هنا ويدفع تمن علاج أمك... مش أبوك.
أنا بصيت لأمي.
وعلي بص للممرضة.
قال
مين إذن؟
الممرضة فتحت بوقها عشان تتكلم...
لكن قبل ما تنطق، وقع الملف من إيد علي.
لأن الباب اتفتح فجأة.
ودخل رجل عجوز...
وأول ما شافته أمي، صرخت
أنت!كان الرجل العجوز واقف عند الباب، ماسك عصايته بإيد، وبيبص لأمي بنظرة غريبة.
أمي كانت بتترعش، وبتكرر
إنت... إنت اللي خدت ابني مني!
علي لف ناحيته بسرعة.
حضرتك مين؟
الرجل ما ردش.
بص لأمي وقال
لسه فاكراني؟
أمي حطت إيديها على ودانها وصرخت
اطلع بره! خدوه مني! خدوه مني وهو صغير!
علي قرب من الرجل.
أنا سألتك سؤال.
الرجل رفع عينه عليه وقال
أنا عمك.
علي اتجمد.
أنا حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
عم علي؟
نفس الرجل اللي الجدة كانت بتحكيلي عنه؟
اللي أخد علي وسافر بيه؟
اللي ربّاه على إن أمه باعتته؟
علي قال بصوت بارد
إنت عمّي اللي كان بيقول لي إن أمي رمتني؟
الرجل سكت.
رد!
رفع الرجل عينه وقال
أنا قلتلك اللي كنت عارفه.
علي ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع.
كنت عارفه؟
ورفع الملف في إيده.
طب ليه المستشفى عندها إثبات إن أمي كانت بتدور عليا؟
الراجل بص للملف، ووشه اتغير.
وهنا فهمت إن فيه حاجة هو خايف منها.
قلت
إنت كنت بتيجي هنا؟
ما ردش.
قلت تاني
إنت اللي كنت بتدفع فلوس علاج أمي؟
فضل ساكت.
علي بص له وقال
جاوبها.
الرجل أخيرًا قال
أيوه.
شهقت.
ليه؟
بص لأمي وقال
علشان كنت عارف إن اللي حصل زمان غلط.
علي انفجر
غلط؟!
ضرب الملف على الترابيزة.
إنت حرمتني من أمي ثلاثين سنة