امي كانت متجوزة حكايات زهرة
المحتويات
تعرفي سالم؟
أمي بدأت تهز راسها.
سالم هو اللي قال لي إن علي مات.
علي اتراجع خطوة.
مات؟
أيوه...
وبدأت تبكي.
قالوا لي إن علي مات بعد ما أخدوه.
علي مسك طرف السرير.
مين قالك؟
أمي رفعت عينيها عليه.
أبوك.
ثم أشارت إلى الظرف.
والرسالة دي... مش من أبوك.
علي بص للظرف.
أمال من مين؟
أمي همست
من علي.
علي اتجمد.
أنا؟
إنت كنت طفل... لكن حد كتبها بإسمك.
مازن قال
وده بالضبط سبب رجوعي.
علي سأله
رجوعك ليه؟
مازن بص له وقال
علشان أقولك إن الشخص اللي كتب الرسالة... هو اللي ربّاك طول السنين دي.
علي وشه شحب.
يعني إيه؟
مازن قال
عمك ما كانش الشخص الوحيد اللي كان بيحكي لك عن أمك.
ثم أشار للظرف.
في حد تاني كان بيكتب لك كل الحكايات اللي صدقتها.
وقبل ما علي يفتح الظرف مرة تانية...
جاء صوت من آخر الممر
علي!
كلنا لفينا.
كان مدير المستشفى واقف.
لكن المرة دي ما كانش لوحده.
كان جنبه رجل مسن.
أول ما أمي شافته...
صرخت بكل قوتها
أبويا!
علي بص للرجل.
ثم بص لأمي.
وقال
جدي... لسه عايش؟الرجل العجوز وقف قدامنا، ووشه جامد بشكل يخوف، كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
أمي أول ما شافته، جسمها كله بدأ يرتعش.
أبويا...
الرجل ما ردش.
علي بص له من فوق لتحت، وبعدين قال بصوت هادي بشكل مرعب
إنت اللي أخدتني من أمي؟
الرجل بص لعلي طويلًا.
أنا عملت اللي كان لازم يتعمل وقتها.
علي ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة.
يعني آه.
أنا قربت من أمي وحاوطتها بإيدي.
إنت كنت عارف إنها كانت بتدور عليه كل السنين دي؟
الرجل بصلي وقال
كانت فاكرة نفسها بتدور على ابنها... لكن هي ما كانتش تعرف الحقيقة كلها.
علي رفع صوته
كفاية ألغاز! أنا عايز أعرف مين كذب عليّ!
الرجل سكت.
مازن تدخل
قول له يا جدي.
علي لف ناحيته.
إنت بتقول له جدي؟
مازن هز راسه.
أيوه.
علي اتصدم.
يعني إنت...
مازن قاطعه
أنا حفيد الشخص اللي وقف ورا كل اللي حصل.
علي رجع يبص للرجل العجوز.
إنت مش جدي بس...
سكت لحظة.
إنت عارف كل حاجة.
الرجل قال
أكتر مما تتخيل.
علي فتح الظرف بسرعة، وطلع الورقة اللي جواه.
كان فيها سطر واحد بس
علي لم يُؤخذ من أمه بسبب المال.
علي قرأها بصوت مسموع.
أنا بصيت لمازن.
أمال ليه؟
الرجل العجوز قال
لأن وجود علي كان خطرًا على مستقبل العيلة.
علي قرب منه.
خطر على مين؟
الرجل ما ردش.
أمي فجأة صرخت
عشان الأرض!
كلنا بصينا لها.
كانت عينيها واسعة، ووشها مليان خوف.
أبويا كان عايز الأرض... بس خيري رفض.
الرجل العجوز تغيرت ملامحه.
علي قال
خيري؟
أمي حطت إيدها على صدرها.
أبوك.
ثم سكتت لحظات، وكأن ذكرى قديمة كانت بتطلع بالعافية.
أبوك كان عايز ياخدك مني... عشان لما تموت، يبقى كل شيء باسمه.
علي اتراجع.
بس أنا كنت طفل!
أمي بكت.
عشان كده كانوا فاكرين إنك مش هتفتكر.
فجأة مدير المستشفى قال
لازم ننهي الكلام ده هنا.
علي لف له.
إنت ليه مستعجل؟
المدير سكت.
علي قرب منه.
مين طلب منك تمنع أختي من الدخول النهارده؟
المدير قال
الدكتور علي.
علي ضحك بسخرية.
أنا ما طلبتش.
المدير اتوتر.
كان فيه أمر مكتوب باسمك.
علي مد إيده.
وريني الأمر.
المدير تردد.
علي قال
دلوقتي.
طلع المدير الورقة من الملف.
علي أخدها، وبص فيها.
ثم تجمد.
التوقيع كان توقيعه فعلًا.
لكن تحته كان مكتوب تاريخ...
قبل وصوله للمستشفى بأسبوع.
علي رفع عينه ببطء.
مين كان عارف إني هاجي هنا قبل ما أنا نفسي أعرف؟
ولا حد رد.
وفي اللحظة دي، تليفون مازن رن.
بص للشاشة، ووشه اتغير.
قال
لا...
علي سأله
مين؟
مازن ما ردش.
أنا قربت منه.
مين بيتصل؟
مازن فتح المكالمة على السماعة.
جاء صوت رجل كبير في السن
إياكم تفتحوا الغرفة القديمة.
علي قال
مين حضرتك؟
الصوت رد
لو فتحتوها... هتعرفوا مين قتل الحقيقة من تلاتين سنة.
ثم قفل.
أمي كانت بتبص للباب.
وفجأة همست
الغرفة...
علي قال
غرفة إيه؟
أمي بصت له.
الغرفة اللي كنت بحط فيها حاجاتك لما كنت صغير.
علي قرب منها.
وإيه اللي فيها؟
أمي مسكت إيده بقوة.
الصندوق.
صندوق إيه؟
قالت وهي بتبكي
الصندوق اللي أبوك أخده مني يوم أخدوك.
علي سألها
وإنتِ فاكرة الصندوق فيه إيه؟
أمي بصت للرجل العجوز.
هو عارف.
الرجل العجوز لأول مرة ظهر عليه الخوف.
وفي نفس اللحظة...
اتسمع صوت خبط شديد من آخر الممر.
ثلاث خبطات.
وبعدها خبطتين.
مازن وشه اصفر.
علي سأله
إيه الصوت ده؟
مازن همس
دي نفس الخبطات اللي كانت بتوصلني كل مرة حد يحاول يفتح ملف القضية.
علي قال
يعني إيه؟
مازن بص للباب الحديدي في آخر الممر.
يعني حد عرف إننا لقينا الصندوق.
وفجأة النور كله انطفى.
وفي الظلام، سمعنا صوت أمي وهي بتصرخ
علي! متتحركش!
لكن لما النور رجع بعد ثواني...
الرجل العجوز كان اختفى.
والظرف اللي كان في إيد علي...
اختفى هو كمان ثواني قليلة عدّت علينا كأنها ساعات.
علي كان واقف في نص الممر، عينيه بتدور في كل اتجاه.
الظرف اختفى إزاي؟
مازن قال بسرعة
حد دخل في الضلمة.
علي رد بعصبية
مين؟
مش عارف.
أنا بصيت ناحية الباب اللي كان جدي واقف عنده.
بس جدك اختفى في نفس اللحظة.
مازن سكت.
علي فهم قصدي.
يعني إنت شايف إن جدي هو اللي أخد الظرف؟
مازن قال
أنا شايف إن جدي عمره ما كان بيظهر في مكان من غير سبب.
وفجأة أمي مسكت إيدي بقوة.
امشوا.
بصيت لها.
نروح فين؟
قالت وهي بتبص وراها
الغرفة القديمة.
علي قرب منها.
إنتِ متأكدة؟
أمي هزت راسها.
الصندوق لسه هناك.
مدير المستشفى حاول يمنعنا.
محدش يخرج من هنا قبل ما نتأكد من اللي حصل.
علي بص له بحدة.
إنت من شوية كنت عايز تنهي الكلام، ودلوقتي عايز تمنعنا نتحرك؟
المدير اتوتر.
أنا بحمي المريضة.
علي رد
لو كنت بتحميها بجد، كنت سألت مين غيّر علاجها من غير إذن.
المدير سكت.
أنا لاحظت حاجة على الأرض.
ورقة صغيرة كانت واقعة تحت الترابيزة.
انحنيت وأخدتها.
كانت قصاصة من الظرف.
علي خطفها من إيدي.
قرأها.
وبعدين قال
دي مش رسالة.
قلت
أمال إيه؟
قال
دي خريطة.
فتح القصاصة على الترابيزة.
كان عليها رسم بسيط للبيت القديم، وعلامة حمراء تحت غرفة صغيرة في آخر الممر.
وتحتها جملة
لو رجعت يومًا... دور تحت ثالث بلاطة ناحية الشباك.
أمي أول ما شافت الجملة، بدأت تبكي.
أنا فاكرة.
علي قرب منها.
فاكرة إيه؟
يوم ما أخدوك... أبويا دخل الغرفة دي وقفل الباب.
وبعدين؟
سمعت صوت خبط.
خبط إيه؟
أمي حطت إيديها على ودانها.
كان حد بيخبط من جوة.
سكتنا كلنا.
علي قال
حد؟
أمي بصت له.
أبوك.
الصدمة ظهرت على وش علي.
أبويا كان محبوس؟
أمي هزت راسها.
مش عارفة.
إنتِ ما شفتيهوش؟
سمعت صوته بس.
مازن قال
يبقى اللي حصل يومها مختلف تمامًا عن اللي اتقال لنا.
علي سأله
إيه اللي اتقال لك؟
مازن بص له.
قالوا إن أبوك مات في الحادثة.
أمي رفعت رأسها بسرعة.
هو مات في الحادثة؟
مازن قال
أيوه.
أمي بدأت تهز راسها.
لا...
علي سأل
ليه بتقولي لا؟
أمي بصت له، والدموع نزلت من عينيها.
لأني شفته بعدها.
ساد الصمت.
علي قرب منها.
شفتي أبويا بعد الحادثة؟
أيوه.
فين؟
أمي ضغطت على إيد علي.
في نفس البيت.
علي اتراجع خطوة.
إنتِ متأكدة؟
كان واقف قدامي... وقال لي لو عايزة ابنك يعيش، ما تسأليش.
جسمي كله اقشعر.
علي قال
مين قالك الجملة دي؟
أمي بصت ناحية الباب.
أبوك.
مازن فجأة قال
يبقى لازم نروح البيت قبل ما حد يوصل للصندوق.
خرجنا من المستشفى، لكن قبل ما نركب، علي وقف.
كان بيبص على عربيته.
فيه ورقة محطوطة تحت المسّاحة.
فتحها.
وكان مكتوب عليها
إنت بتدور على أمك... لكن اللي لازم تدور عليه الأول هو أبوك.
علي قلب الورقة.
في ظهرها كان فيه عنوان.
عنوان بيت قديم.
نفس البيت اللي كانت أمي عايشة فيه قبل ما تتجوز.
علي رفع عينه وقال
حد عايزنا نروح هناك.
أنا قلت
يمكن فخ.
رد
يمكن.
ثم بص لأمه.
بس أمي أخيرًا افتكرت حاجة... وأنا مش هسيبها تضيع تاني.
ركبنا العربية.
لكن قبل ما نتحرك، تليفون مازن رن.
رد.
ما قالش غير
إيه؟
ثواني وسكت.
وبعدين قال
إنت متأكد؟
وشه اتغير تمامًا.
علي سأله
مين؟
مازن قفل المكالمة.
وقال
البيت القديم اتفتح من ساعة.
علي سأله
مين فتحه؟
مازن بص لنا.
حد كان مستنينا هناك.
أمي سمعت الجملة، وفجأة قالت بصوت ضعيف
مش حد...
علي بص لها.
أمال مين؟
أمي غمضت عينيها.
أنا عارفة هو مين.
ثم فتحت عينيها وقالت كلمة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي
أبوك علي فضل ماسك الورقة، وعينيه بتتحرك بين السطور بسرعة.
يعني إيه أمي مش ضحية الحكاية كلها؟
خيري بص لأمي.
لأن في حاجة أمك نفسها ما تعرفهاش.
أمي شهقت
إنت وعدتني إنك مش هتقول!
علي اتجمد.
وعدتها بإيه؟
خيري قال
وعدتها إني مش هخلي الحقيقة توصل لك.
علي قرب منه.
وليه؟
خيري سكت.
قول!
خيري أخد نفس طويل.
لأنك لو عرفت الحقيقة وقتها... كانوا هيقتلوك.
أنا بصيت له بعدم تصديق.
مين كانوا هيقتلوه؟
خيري ما ردش.
علي قال
إنت بتتكلم عن مين؟
خيري أشار للورقة.
اقرأ آخر سطر.
علي نزل بعينه.
السطر كان مكتوب بخط مختلف
الشخص اللي أخذ ابني مش كان بيكرهه... كان بيحاول يحميه من شخص أقرب مما تتخيل.
علي رفع عينه.
أقرب مني؟
خيري قال
أيوه.
مين؟
خيري بص لأمي.
أمي بدأت تبكي.
ما تبصليش كده...
علي قال
ماما، إنتِ تعرفي؟
هزت راسها بسرعة.
لا.
لكن صوتها ما كانش مقنع.
علي رجع لخيري.
إنت قلت إنك كنت بتحاول تحميني. طب ليه سبتني تلاتين سنة أكره أمي؟
خيري نزل عينه.
لأني كنت فاكر إن الكره هيخليك بعيد عنهم.
مين هم؟
خيري سكت.
وفجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
مازن قرب من الشباك وبص بره.
وشه اتغير.
إحنا مش لوحدنا.
علي قال
مين؟
عمي.
خيري اتوتر لأول مرة.
مستحيل يكون عرف إننا هنا.
مازن رد
عرف.
وفجأة خبطات قوية على الباب.
خيري بص لأمي.
خبي الورقة.
علي رفض.
مش هخبي حاجة تاني.
الخبط زاد.
ثم جاء صوت من الخارج
خيري! افتح الباب!
علي قرب من الباب.
إنت تعرفه؟
خيري قال
ده أخويا.
علي اتجمد.
عمّي؟
خيري هز راسه.
أيوه.
علي بص لأمه.
هو نفس الشخص اللي خدني؟
أمي بدأت تبكي.
خيري قال
أيوه.
علي فتح الباب.
لكن قبل ما يفتح بالكامل، خيري مسكه من كتفه.
اسمعني... مهما قال لك، ما تصدقوش.
علي رد
أنا تعبت من كل الناس اللي بتقولي ما أصدقش.
وفتح الباب.
عمه كان واقف بره.
لكن المرة دي ما كانش لوحده.
كان ماسك ملف قديم.
وبص لعلي وقال
أخيرًا رجعت يا ابن أخويا.
علي قال
جيت عشان أعرف الحقيقة.
عمه ابتسم ابتسامة غريبة.
الحقيقة؟
ثم رفع الملف.
أنا الوحيد اللي عنده الدليل إن أمك ما كانتش بريئة بالكامل.
أمي صرخت
كذاب!
عمه رد
يبقى خلي ابنك يقرأ الملف بنفسه.
ومدّه لعلي.
علي أخده.
فتح أول صفحة...
وكان فيها تقرير طبي قديم باسم أمي.
لكن التاريخ كان قبل ولادة علي بأشهر.
علي قرأ السطر الأول، وبعدها رفع عينه لأمه بصدمة.
ماما...
صوته اتكسر.
إنتِ كنتِ عارفة إن في حد كان بيراقب أبويا قبل الحادثة؟
أمي ما ردتش.
علي قلب الصفحة.
وفي آخر التقرير كان فيه اسم الطبيب اللي كتبه.
الدكتور محمد خيري.
علي بص لأبوه.
إنت كنت عارف؟
خيري ما قدرش يجاوب.
وفي اللحظة دي، عمه قال بهدوء
دلوقتي بقى السؤال الحقيقي...
وسكت لحظة.
مين كان عايز أبوك يموت أصلًا؟كلمة أمي وقعت علينا زي الصاعقة.
أبوك.
علي فضل واقف مكانه، مش قادر ينطق.
قلت لها
بس إنتِ قولتي إنه مات!
ردت وهي بتحاول تجمع أنفاسها
قالوا لي إنه مات... بس أنا شوفته بعيني بعد الحادثة.
علي قرب منها بسرعة.
فين شوفتيه؟
أمي بصت في عينه.
في البيت القديم.
مازن قال
إمتى؟
أمي حطت إيدها على جبينها.
بعد الحادثة بتلات أيام.
علي سأل
وكان شكله عامل إزاي؟
سكتت.
ثم قالت
كان عنده جرح في جبينه... وكان بيعرج.
مازن شهق.
مستحيل.
علي لف له.
إنت تعرف حاجة؟
مازن قال
أبو علي مات في الحادثة... أو ده اللي اتقال رسميًا.
يعني ممكن يكون عايش؟
مازن هز راسه.
لو اللي بتقوله والدتك صحيح، يبقى فيه حاجة اتدفنت معاه في نفس يوم الحادثة.
ركبنا العربية واتجهنا للبيت القديم.
طول الطريق، أمي كانت ساكتة، وعينيها مثبتة على الشباك.
لكن قبل ما نوصل، قالت فجأة
علي... لما تدخل البيت، ما تصدقش أول حاجة تشوفها.
علي بص لها من المراية.
ليه؟
لأن أبوك كان بيخبي الحقيقة جوه الحقيقة.
وصلنا.
الباب كان مفتوح.
محدش دخل.
علي وقف قدام البيت لحظات، وبعدين دفع الباب.
الغبار كان مالي المكان.
كل حاجة قديمة، لكن الغريب إن فيه آثار أقدام جديدة على الأرض.
مازن انحنى وبص لها.
حد كان هنا قريب.
دخلنا.
أمي أشارت ناحية آخر الممر.
الغرفة هناك.
علي فتح الباب.
الغرفة كانت شبه ما الزمن سابها.
سرير صغير.
دولاب خشب.
وشباك مكسور.
وعلى الحيطة، علامات طول قديمة لأيام كان علي طفل.
علي لمس واحدة منها.
وفجأة لقى حاجة محفورة تحتها.
حرفين
ع. م.
قال
أنا اللي كتبتهم؟
أمي ابتسمت
متابعة القراءة