هى ليله واحده بس لزهرة الربيع

لمحة نيوز


الصح؟
قالت بصوت مرتجف
بئر القصر.
فجأة سمعوا صوت ارتطام قوي بالباب.
ثم ساد الصمت.
وبعد لحظات
جاء صوت مختلف تمامًا.
صوت رجل آخر.
كويس عرفتوا.
عاصف رجع للخلف.
مين إنت؟!
الصوت رد بهدوء
أنا الشخص اللي كان أبوك بيحاول يخبيه عنكم.
الشاشة انطفأت.
ثم ظهرت عليها صورة قديمة.
صورة عاصف وهو طفل واقف بجوار والده.
وبجوارهم رجل ثالث.
عاصف قرب من الشاشة، ووشه اتغير تمامًا.
أنا أعرف الراجل ده
نسيم همست
مين؟
عاصف قال
ده الشخص اللي أمي قالتلي إنه مات قبل ما أتولد.
وفجأة
ظهر على الشاشة اسم واحد
سالم.
ثم انفتح باب صغير في أرضية الغرفة.
ومن تحته جاء صوت رجل عجوز
عاصف لو عايز تعرف مين قتل أبوك، انزل لوحدك عاصف فضل ساكت، كأنه مش قادر يستوعب اللي سمعه.
شخص تاني ياخد مكاني؟ يعني إيه يا أمي؟
التسجيل كمل بصوت سلوى
الشخص ده اتربّى قدام عيني، واتعلم كل حاجة تخص العيلة وكانوا بيجهزوه من سنين عشان يبقى هو الوريث بدل منك.
نسيم قربت من الشاشة
مين الشخص ده؟
لكن التسجيل توقف فجأة.
ظهر على الشاشة رقم واحد فقط
17
عاصف بص لنسيم.
سبعتاشر ده عدد السنين اللي ياسين اختفى فيها.
الرجل العجوز المقيد رفع رأسه بسرعة.
لأ الرقم ده مش عن ياسين.
عاصف التفت له
أمال عن إيه؟
الرجل قال
عن سبعتاشر سنة قضيتها أنا بحاول أمنعهم يوصلوا لك.
عاصف قرب منه
إنت تعرفني من إمتى؟
الرجل أخذ نفسًا عميقًا.
من يوم ما كنت طفل.
ثم مد يده ناحية عاصف.
والدك سلّمني أمانة قبل ما يختفي.
عاصف تردد.
إيه الأمانة؟
الرجل أشار إلى الحائط.
كان فيه جزء صغير من الحجر بارز.
ضغط عليه
فانفتح تجويف سري.
وخرج منه صندوق خشبي قديم.
على الصندوق كان محفور
إلى عاصف عندما تعرف أنك الوريث.
عاصف فتح الصندوق بإيد مرتعشة.
جواه صورة قديمة، ومفتاح صغير، وورقة مطوية.
فتح الورقة.
وكان أول سطر فيها
يا ابني لو وصلت للرسالة دي، متصدقش إن أمك كانت بتحميك مني هي كانت بتحميك من أخطر شخص في العيلة.
عاصف رفع عينيه فجأة.
أخطر شخص في العيلة
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات فوقهم.
الرجل العجوز همس
وصلوا.
نسيم سألت
مين؟
الرجل بص لعاصف بخوف حقيقي
الشخص اللي أخد مكان ياسين والشخص اللي كان عايز ياخد مكانك.
ثم انفتح باب الغرفة ببطء
وظهر شخص واقف في الظلام.
عاصف حدق فيه.
لأن ملامحه كانت مألوفة بشكل مرعب.
كان نفس الرجل الموجود في الصورة القديمة بجوار والده.
والأخطر
إنه كان يرتدي خاتم الصقر ذو الجناحين.
وقال بهدوء
أخيرًا يا عاصف قابلت أخوك الحقيقي الرجل ابتسم ابتسامة هادئة، وتقدم خطوة من غير ما يرفع صوته.
أيوه أنا أخوك الحقيقي.
عاصف بص له بذهول.
أخويا؟! أنا معنديش أخ!
الرجل رد
ده اللي أمك وأبوك خلّوك تصدقه طول عمرك.
نسيم رجعت خطوة للخلف، بينما الرجل العجوز المقيد بدأ يهز رأسه بعنف.
ما تصدقوش! ده مش أخوك!
الرجل التفت له وقال
لسه بتكذب عليهم يا حسان؟ بعد سبعتاشر سنة؟
عاصف اتدخل بسرعة
حسان؟!
العجوز سكت.
عاصف كرر
إنت اسمك حسان؟ وإيه علاقتك بأبويا؟
حسان بص له بحزن.
أنا كنت السائق اللي كان مع والدك في الليلة اللي اختفى فيها.
عاصف قرب منه.
يعني إنت عارف إيه اللي حصل؟
قبل ما يرد، الرجل الآخر قال
أنا اللي هحكيلك.
ثم أشار إلى الصورة القديمة.
أبوك كان عنده توأم.
عاصف شهق
توأم؟
نسيم بصت للرجل
وإنت بتقول إنك هو؟
هز رأسه.
أنا مش أخوه أنا ابنه.
الصمت نزل على الغرفة.
عاصف قرب منه ببطء.
ابن مين؟
الرجل قال
ابن كمال الصقر.
عاصف تجمد.
يعني إنت ابن أبويا؟
أيوه.
ثم أخرج من جيبه صورة صغيرة ووضعها أمام عاصف.
كانت صورة قديمة لوالده وهو يحمل طفلًا صغيرًا.
وفي الخلفية كانت سلوى واقفة، وعيناها مليئتان بالدموع.
عاصف مسك الصورة بإيد مرتعشة.
ليه أمي مخبتش عليا؟
الرجل رد
لأن الحقيقة كانت أخطر من مجرد وجود أخ.
ثم اقترب منه وقال
أبوك ما ماتش بسبب حادث وما اختفاش بسبب سالم.
توقف لحظة.
ثم قال
أبوك اختفى لأنه اكتشف إن واحد من أولاده كان مستهدف من العيلة من يوم ولادته.
عاصف رفع عينيه.
مين؟
الرجل ابتسم بمرارة
إنت.
وفجأة انطلقت صفارات إنذار في كل المكان.
حسان صرخ
اهربوا! هم وصلوا!
عاصف مسك نسيم، لكن قبل ما يتحركوا، انفتح باب جانبي في الغرفة.
وظهرت سلوى بنفسها.
حافية، وملابسها متسخة، لكنها كانت واقفة على رجليها.
نظرت إلى الرجل وقالت
كان لازم أفضل مخبيك يا آدم.
عاصف التفت إليها بصدمة
آدم؟!
سلوى بكت وقالت
أيوه يا عاصف ده أخوك.
ثم نظرت إلى حسان وقالت
لكن اللي محدش يعرفه إن آدم مش هو الوحيد اللي أبوك خبّاه الباب فضل مقفول، والجملة الأخيرة لسه بتتردد في دماغ عاصف
لو فتحت الباب، هتعرف مين أمك الحقيقية.
عاصف بص لسلوى.
قوليلي إن اللي قاله كذب.
سلوى قربت منه وهي بتبكي
أنا أمك يا عاصف مهما حصل، أنا أمك.
من الخارج جاء صوت الرجل
هي قالتلك إنها أمك لكن ما قالتلكش الحقيقة كاملة.
عاصف صرخ
إنت عايز إيه مني؟!
عايزك تفتح الباب.
حسان صاح
ما تفتحش! ده اللي مستنيه!
آدم وقف أمام الباب وقال
عاصف، بصلي.
عاصف بص له.
أنا عارف إن كل حاجة اتقالت لك النهارده لخبطتك، بس لو فتحت الباب، هتديهم اللي عايزينه.
عاصف سأل
مين هم؟
آدم سكت.
رد!
قبل ما يجاوب، سلوى قالت
العيلة.
عاصف بص لها باستغراب.
العيلة؟
هزت رأسها
مش كلهم لكن فيه ناس من سنين وهم بيحاولوا يسيطروا على كل حاجة. أبوك اكتشفهم، وعشان كده اختفى.
ثم أضافت بصوت مرتجف
وأنا ساعدته.
فجأة جاء صوت ارتطام شديد بالباب.
دَوّي!
حسان صرخ
مفيش وقت! لازم نخرج من هنا!
آدم أشار إلى فتحة صغيرة خلف الحائط.
من هنا.
تحركوا بسرعة.
لكن قبل ما عاصف يدخل، لمح ورقة سقطت من جيب الرجل العجوز.
انحنى وأخذها.
كانت عليها صورة قديمة لسلوى
وبجانبها امرأة أخرى تشبهها بشكل مخيف.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
الأم الأصلية مريم الصقر.
عاصف رفع عينيه لسلوى.
مين مريم؟
سلوى شحبت.
ولأول مرة منذ بداية كل شيء
لم تجد إجابة.
وفي اللحظة نفسها، انكسر الباب.
ودخل رجلان إلى الغرفة.
أحدهما كان يحمل مصباحًا.
والثاني وقف في الظلام وقال
خدوا عاصف وسيبوا الباقي.
لكن قبل ما يلمسوه، خرج صوت من السماعة القديمة
لو قربتوا منه هفتح التسجيل الأخير.
الرجلان توقفا فورًا.
عاصف بص حوله بدهشة.
مين اللي بيتكلم؟
ثم جاء الصوت من جهاز التسجيل
أنا كمال الصقر.
عاصف اتسمر مكانه.
صوت والده كان حيًا وجاء من داخل الغرفة.
ثم قال
وعاصف لو سمعت التسجيل ده، يبقى أخيرًا عرفت إن مريم مش أمك.
سلوى أغمضت عينيها.
وعاصف قال بصوت مكسور
ماما مين مريم؟
سلوى فتحت عينيها وقالت
أختي.
ثم أضافت
وأمك الحقيقية سلوى بصّت لعاصف، ودموعها نزلت من غير ما تحاول تخبيها.
في شخص تاني أبوك خبّاه شخص لو ظهر دلوقتي، كل اللي حصل من سبعتاشر سنة هيتكشف.
عاصف قرب منها
مين؟
سلوى ما ردتش.
آدم قال بسرعة
ماما كفاية. لازم يعرف.
سلوى بصت له بحدة
لو عرف، هيبقى في خطر أكبر.
عاصف اتعصب
أنا في خطر من إمتى؟! أمي اتخطفت، أخويا ظهر فجأة، وأبويا طلع ممكن يكون عايش وكل واحد فيكم مخبي عني جزء! أنا عايز الحقيقة كاملة!
حسان رفع صوته
اسكتوا!
الكل بص له.
كان بيبص ناحية الباب.
حد جاي.
وفعلًا
خطوات بدأت تُسمع في الممر.
خطوة
ثم خطوة
ثم توقفت أمام الغرفة.
صوت رجل قال من الخارج
سلوى افتحي.
سلوى تجمدت.
عاصف لاحظ الرعب في عينيها.
إنتِ تعرفي الصوت ده؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه.
مين؟
قالت بصوت بالكاد يُسمع
أبوك.
عاصف اتجمد.
آدم اندفع ناحية الباب، لكن سلوى منعته.
محدش يفتح!
الصوت من الخارج رجع
سلوى أنا عارف إن عاصف معاكي.
عاصف قرب من الباب.
لو إنت أبويا قول حاجة محدش غيرك يعرفها.
ساد الصمت.
ثم جاء الرد
يوم ما اتولدت، أبوك الحقيقي ما كانش موجود في المستشفى.
عاصف بص لسلوى.
وشها انهار.
الصوت كمل
لأن اللي شاف ولادتك كان أخويا.
آدم همس
عمي سالم
لكن في اللحظة دي، سلوى صرخت
لأ!
ثم بصت لعاصف وقالت
عاصف افتح الباب.
آدم صرخ
ماما! إنتِ مجنونة؟!
سلوى ردت وهي بتبكي
لا أنا أخيرًا فهمت.
عاصف مد إيده ناحية القفل.
لكن قبل ما يفتحه، سمعوا من الخارج جملة واحدة
عاصف لو فتحت الباب، هتعرف مين أمك الحقيقية.
وتجمّد عاصف مكانه عاصف حس إن الدنيا كلها بتلف بيه.
مريم أختك؟ يعني إنتِ مش أمي؟
سلوى قربت منه، لكن عاصف رجع خطوة.
جاوبيني!
سلوى بصت للأرض وقالت
أنا ربيتك وحبيتك وعمري ما اعتبرتك غير ابني. لكن آه مريم هي اللي ولدتك.
آدم كان واقف ساكت، بينما حسان قال
الحقيقة دي كان لازم تتقال من زمان.
عاصف التفت له
وليه اتخبّت؟
حسان رد
لأن مريم اختفت بعد ولادتك بأيام وأبوك كان متأكد إن اختفائها مش صدفة.
عاصف سأل
اختفت فين؟
سلوى رفعت عينيها إليه.
آخر مكان شوفتها فيه كان هنا في القصر.
فجأة سمعوا صوت الجهاز القديم مرة تانية.
صوت كمال، والد عاصف، خرج من السماعة
سلوى لو اضطرينا نخبي الحقيقة، فده مش عشان عاصف ده عشان مريم.
ثم سكت التسجيل ثواني.
مريم كانت عارفة اسم الشخص اللي خان العيلة.
عاصف اتوتر
مين؟
لكن التسجيل لم يجب.
بدلًا من ذلك، اشتغلت شاشة صغيرة في الحائط وظهرت عليها خريطة للقصر.
كان فيه مكان محدد باللون الأحمر.
الجناح الغربي.
سلوى شهقت.
لا مستحيل.
عاصف بص لها
إيه اللي هناك؟
قالت
الغرفة اللي اتقفلت من سبعتاشر سنة.
آدم اقترب منها
الغرفة اللي اختفت فيها مريم؟
سلوى هزت رأسها.
أيوه.
عاصف اتجه للباب فورًا.
يبقى هنروح هناك.
لكن حسان أمسك بذراعه.
استنى الغرفة دي محدش دخلها من سبعتاشر سنة.
عاصف قال
يبقى أول مرة هنفتحها النهارده.
وفي اللحظة التي خرجوا فيها من الغرفة
جاء صوت خطوات من آخر الممر.
الكل توقف.
ظهر شخص واقف بعيد، يحمل مصباحًا صغيرًا.
لم يتحرك.
فقط قال
لو فتحتوا باب الجناح الغربي هتعرفوا ليه مريم اختفت.
عاصف صاح
إنت مين؟!
الشخص رفع المصباح ناحية وجهه.
وعاصف اتجمد.
لأن الرجل كان يحمل نفس ملامح والده تقريبًا
وقال
أنا آخر شخص شاف مريم قبل ما تختفي.
ثم أضاف
وهي لسه عايشة دخل عاصف خطوة ناحية الرجل، وصوته خرج مخنوقًا
مريم عايشة؟! فين أمي الحقيقية؟
الرجل أشار ناحية باب الجناح الغربي.
جوه.
سلوى انفجرت في البكاء.
أنا حاولت أوصلك للحقيقة يا عاصف بس كل مرة كانوا بيسبقوني.
عاصف جرى ناحية الباب، وفتح القفل القديم بالمفتاح اللي وجده في الصندوق.
الباب اتفتح بصعوبة.
الغرفة كانت مليانة تراب، لكن في آخرها كان فيه كرسي، وبجانبه جهاز تسجيل قديم.
وفوق الكرسي
كانت ست كبيرة قاعدة، وشعرها أبيض، ووشها شاحب.
أول ما شافت عاصف، رفعت عينيها وقالت
كمال؟
عاصف اقترب منها ودموعه نزلت
أنا عاصف.
المرأة حطت إيدها على فمها.
ابني
عاصف وقع على ركبته قدامها.
إنتِ مريم؟
هزت رأسها.
أيوه.
سلوى دخلت ووقفت بعيد، ومريم بصتلها.
سامحتك من زمان.
سلوى انهارت في البكاء.
مريم حكت الحقيقة كاملة لم تكن قد اختفت بإرادتها، بل تم احتجازها بعدما اكتشفت أن سالم وبعض أفراد العائلة كانوا يزوّرون أوراق الملكية ويخططون لإبعاد عاصف عن الميراث. كمال حاول حمايتها وحماية ابنه، لكنه اضطر للاختفاء بعد أن عرف أن حياته أصبحت مهددة.
أما آدم، فكان ابن كمال من زواج سابق، وقد أخفاه كمال حتى لا يستخدمه أفراد العائلة للوصول إلى عاصف.
والأهم
كان كمال حيًا فعلًا.
كان مختبئًا طوال تلك السنوات لأنه كان يجمع الأدلة ضد سالم وشركائه.
عاصف سأله
ليه ما رجعتش؟
مريم ردت بحزن
لأن رجوعه كان هيعرّضك للخطر.
وفجأة دخل الرجل الذي كان واقفًا في الممر.
كان كمال نفسه.
عاصف وقف مكانه، ثم اقترب منه ببطء.
لثوانٍ لم يتكلم أي منهما.
ثم قال كمال
سامحني يا ابني.
عاصف احتضنه، وانفجر الاثنان في البكاء.
وبعد أيام، ظهرت كل الأدلة، وتم القبض على سالم ومن شاركوه في المؤامرة، وعادت ممتلكات العائلة لأصحابها.
أما نسيم، فاكتشف عاصف أنها لم تكن مجرد فتاة دخلت حياته بسبب وصية جده؛ كانت هي الشخص الذي حافظ على المفتاح ووصل للحقيقة رغم كل
الخوف.
وفي النهاية، ألغى عاصف كل شروط الوصية التي أجبرتهما على الزواج، وقال لها
من النهارده، أي قرار بينا هيكون باختيارنا إحنا مش بورقة قديمة.
ابتسمت نسيم.
وأنا أول اختيار ليا إني أفضل جنبك.
أما سلوى ومريم، فبدأتا صفحة جديدة بعد سبعتاشر سنة من الفراق.
وعندما سأل عاصف والده عن سبب كل ما حدث، أخرج كمال آخر ورقة من الصندوق.
كانت مكتوبًا عليها
الحقيقة ممكن تتأخر لكن عمرها ما بتموت.
وهكذا انتهى سر عائلة الصقر بعد سبعة عشر عامًا من الخوف، وعادت العائلة لتجتمع من جديد، لكن هذه المرة من غير أسرار.

 

تم نسخ الرابط