هى ليله واحده بس لزهرة الربيع
هي تسع شهور بس يا ماما... وبعدها كل واحد في طريقه. مش عايز أشوفها ولا أشوف وشها تاني!
قالها عاصف الصقر بغضب، وهو واقف في منتصف الصالة الفخمة، بينما كانت والدته سلوى تحاول تهدئته.
اقتربت منه وقالت
يا ابني، دي الوحيدة اللي وافقت. إنت عايز إيه تاني؟ الموضوع كله له علاقة بوصية جدك، ولو ما اتنفذتش خلال المدة المحددة، كل أملاك العيلة هتضيع.
عاصف ضرب كفًا بكف وقال
يعني علشان ورقة كتبها جدي قبل ما يموت، أتجوز واحدة معرفهاش؟
مش أي واحدة يا عاصف.
أمال مين؟
سلوى سكتت لحظة، ثم قالت
نسيم.
عاصف ضحك بسخرية
نسيم؟ بنت الخدامة؟
سلوى ردت بحزم
متقولش عليها كده. نسيم بنت محترمة، وأبوها كان شغال مع جدك سنين طويلة.
ومين قال إنها مناسبة ليا؟
محدش قال إنها مناسبة ليك. أنا بقول إن الظروف حطتنا كلنا في الموقف ده.
عاصف مشى بعصبية ناحية النافذة، ثم قال
وإيه اللي يخليها توافق أصلًا؟
سلوى تنهدت
لأنها محتاجة الفلوس علشان تعالج والدها وتسدد الديون اللي سابها لها.
عاصف التفت إليها
يعني بتبيع موافقتها؟
لأ. هي اشترطت حاجة واحدة.
إيه؟
إن الجواز يكون رسمي ومحترم، وإنك تضمن حقها كامل.
عاصف سكت.
ثم قال ببرود
تمام... موافق.
ابتسمت سلوى براحة، لكنها قالت
بس حاول تتعامل معاها كويس.
عاصف ضحك
متقلقيش. تسع شهور وهيخلصوا.
في اللحظة دي، ظهرت نسيم عند باب الصالة.
كانت ترتدي ملابس بسيطة جدًا، وتمسك صينية القهوة بكلتا يديها. كان واضحًا عليها التوتر والخوف.
سلوى ابتسمت لها
تعالي يا نسيم، متخافيش.
نسيم اقتربت بهدوء.
لكن عاصف بمجرد ما شافها، قال ببرود
دي هي؟
نسيم خفضت عينيها ولم تجب.
سلوى قالت
أيوه.
عاصف نظر إليها للحظات، ثم قال
وإنتِ موافقة على الجواز ده؟
نسيم رفعت عينيها وقالت بصوت هادئ
أيوه.
عارفة إن الموضوع مؤقت؟
عارفة.
وعارفة إن حياتك بعد التسع شهور هتتغير؟
عارفة.
عاصف ابتسم ابتسامة باردة
كويس. يبقى مفيش مشكلة.
نسيم قالت
عندي شرط.
رفع عاصف حاجبه
شرط؟
أيوه.
قولي.
مهما حصل بينا، محدش يهينني قدام الناس. أنا وافقت على الجواز علشان ظروفي، لكن ده مش معناه إني فقدت كرامتي.
سكتت الصالة كلها.
عاصف اقترب منها وقال
واضح إنك ناسية إنتِ واقفة قدام مين.
نسيم ردت بهدوء
مش ناسية. بس أنت كمان متنساش إني إنسانة.
سلوى ابتسمت رغم توترها.
أما عاصف فظل ينظر إليها باستغراب.
كانت أول مرة حد يكلمه بالطريقة دي من غير ما يخاف منه.
بعد ساعتين، وصل المأذون.
اجتمعت العائلة في الصالة، وتم عقد القران رسميًا.
نسيم كانت شاردة، وعاصف كان صامتًا.
وبمجرد انتهاء المأذون من قراءة العقد، حدث شيء غريب.
دخل أحد رجال الحراسة مسرعًا.
قال
يا عاصف بيه... في ظرف اتساب قدام باب القصر.
عاصف أخذه منه.
كان الظرف قديمًا، وعليه اسم عاصف بخط واضح.
فتح الظرف، وأخرج ورقة واحدة.
قرأ أول سطر...
فتغير وجهه تمامًا.
سلوى لاحظت ذلك وسألته
في إيه؟
عاصف لم يجب.
كانت عيناه مثبتتين على الورقة.
ثم رفع رأسه ونظر إلى نسيم.
قال بصوت منخفض
إنتِ كنتِ تعرفي إن جدي كتب اسمي واسمك في الوصية من قبل ما نتقابل؟
نسيم اتصدمت.
لأ... والله ما كنت أعرف.
عاصف قلب الورقة، فوجد جملة مكتوبة في أسفلها
يا عاصف... لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة. نسيم مش مجرد بنت اختارتها الظروف علشان تتجوزها... هي الوحيدة اللي تقدر تحميك من الشخص اللي خان ثقتي.
ساد الصمت.
سلوى شهقت
مستحيل...
عاصف قبض على الورقة بقوة.
جدي كان عارف إن في حد من العيلة بيحاول يضرني؟
نسيم بدأت ترتجف.
ثم قالت
أنا لازم أقولك حاجة...
عاصف نظر إليها
حاجة إيه؟
نسيم ابتلعت ريقها وقالت
قبل ما جدك يموت بيوم واحد... سلّمني مفتاح وقال لي لو عاصف اتجوزك، سلمي له المفتاح.
عاصف اتجمد مكانه.
ومفتاح إيه؟
نسيم مدت يدها داخل حقيبتها وأخرجت مفتاحًا صغيرًا قديمًا.
وفي نفس اللحظة...
انطلقت صرخة من الطابق العلوي.
ثم سُمع صوت ارتطام قوي.
الجميع اندفع ناحية السلم.
أما عاصف فظل للحظة ينظر إلى المفتاح في يد نسيم...
لأنه عرف شكله جيدًا.
كان مفتاح الخزنة السرية التي اختفت من مكتب جده بعد وفاته مرت ثواني قليلة، لكن عاصف كان يشعر أن الوقت توقف.
المفتاح الصغير ما زال في يد نسيم.
صرخ أحد الحراس من أعلى السلم
عاصف بيه! الحق بسرعة!
صعد عاصف الدرج بخطوات سريعة، وسلوى خلفه، بينما ظلت نسيم للحظة في مكانها، ثم لحقت بهم.
وصلوا إلى مكتب الجد.
كان الباب مفتوحًا، والنافذة مكسورة، والأوراق مبعثرة في كل مكان.
لكن المفاجأة كانت أن الخزنة القديمة الموجودة خلف اللوحة اختفت منها لوحة صغيرة كانت تخفي مكان القفل.
عاصف اقترب منها بذهول.
حد كان هنا...
سلوى قالت بخوف
مين؟
قبل أن يجيب، لمح عاصف شيئًا على الأرض.
قطعة قماش سوداء صغيرة.
انحنى والتقطها.
نسيم بمجرد ما شافتها، تغير وجهها.
عاصف لاحظ.
إنتِ تعرفي القماش ده؟
نسيم سكتت.
اقترب منها وقال
سألتك سؤال.
قالت بصوت مرتجف
أيوه... أعرفه.
لمين؟
نسيم رفعت عينيها إليه وقالت
للشخص اللي سلّمني المفتاح.
سلوى شهقت
يعني الشخص ده كان هنا؟
نسيم هزت رأسها
مش بس هنا...
ثم سكتت.
عاصف شد على المفتاح وقال
كملي.
قالت
هو كان موجود في القصر ليلة وفاة جدك.
ساد الصمت.
عاصف شعر بقشعريرة تسري في جسده.
وإنتِ شفتيه؟
نسيم أومأت.
أيوه.
وعرفتيه؟
نسيم نظرت إلى الأرض.
للأسف...
اقترب عاصف منها أكثر
مين هو؟
قبل أن تجيب، سمعوا صوت خطوات قادمة من الممر.
الجميع التفت.
ظهر رجل من أفراد العائلة عند باب المكتب.
كان وجهه هادئًا بشكل غريب.
قال
إيه اللي حصل هنا؟
عاصف لم يرد.
ظل ينظر إليه.
أما نسيم، فما إن رأته حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، وبدأت يداها ترتجفان.
لاحظ عاصف ذلك فورًا.
اقترب منها وهمس
هو؟
نسيم لم تستطع الكلام.
لكن دموعها نزلت.
وكان ذلك كافيًا لعاصف ليفهم أن الشخص الواقف أمامهم...
لم يكن غريبًا عن القصر أبدًا دخل عاصف إلى المكتب وأغلق الباب خلفه، ثم وقف أمام الرجل مباشرة.
سألتك... إيه اللي حصل هنا؟
الرجل حاول يحافظ على هدوئه وقال
معرفش. أنا سمعت صوت خبط وجيت أشوف.
لكن عاصف لم يقتنع.
كانت عيناه تنتقلان بينه وبين نسيم.
سلوى قالت بتوتر
عاصف، استنى. متستعجلش في الحكم.
عاصف رد من غير ما يبص لها
أنا مش بحكم على حد... أنا بس بسأل.
ثم التفت إلى نسيم
إنتِ قولتي إنك شفتي الشخص اللي سلّمك المفتاح. هو ده؟
نسيم ظلت صامتة.
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
واضح إن البنت خايفة منك يا عاصف، وبتحاول توقع بينك وبين أهلك.
نسيم رفعت رأسها بسرعة
لأ!
كانت أول مرة تتكلم بهذه القوة.
عاصف اقترب خطوة
يبقى اتكلمي.
نسيم أخذت نفسًا عميقًا وقالت
أنا مش عايزة أتهم حد ظلم... لكني شفت الشخص ده ليلة وفاة جدك.
الرجل تغيرت ملامحه للحظة، لكنها كانت لحظة قصيرة جدًا.
عاصف لاحظها.
كملي.
نسيم قالت
كنت خارجة من المطبخ وقتها، وسمعت صوت جدك بينادي على حد. لما قربت من المكتب، شفت شخص واقف عند الباب.
وشفتي وشه؟
لأ... كان ضهره ليا.
طب عرفتي إنه هو إزاي؟
نسيم نظرت إلى قطعة القماش في يد عاصف.
من العلامة الموجودة عليها.
عاصف قلب قطعة القماش، فوجد تطريزًا صغيرًا على شكل صقر.
نظر إلى الرجل.
الرجل قال بسرعة
دي ممكن تكون بتاعة أي حد.
لكن سلوى قالت فجأة
لأ... العلامة دي مش بتاعت أي حد.
الجميع التفت إليها.
قالت سلوى
التطريز ده بيتعمل لرجال العيلة المقربين من جد عاصف فقط.
عاصف اتسعت عيناه.
ثم وضع قطعة القماش فوق المكتب.
يبقى عندنا مشكلة.
الرجل ضحك
مشكلة إيه؟
عاصف قال
لأن القطعة دي كانت في مكتب جدي الليلة دي... والخزنة اتفتحت النهارده.
الرجل صمت.
وفي نفس اللحظة، دوّى صوت إنذار القصر.
أحد الحراس صرخ من أسفل
عاصف بيه! حد حاول يهرب من الباب الخلفي!
عاصف اندفع خارج المكتب.
لكن قبل أن ينزل السلم، سمع صوت نسيم خلفه
عاصف!
التفت.
كانت تمسك بالمفتاح بقوة، ووجهها شاحب.
المفتاح اختفى!
عاصف عاد إليها بسرعة.
كان فين؟
كان في إيدي.
نظر إلى يدها.
المفتاح لم يكن موجودًا.
وفي تلك اللحظة، فهم عاصف أن شخصًا ما كان قريبًا منهما طوال الوقت...
وأن الهدف الحقيقي لم يكن الوصية فقط.
الهدف كان نسيم نفسها في اللحظة دي، عاصف حس إن الدم اتجمد في عروقه.
بص لنسيم وقال بحدة
إنتِ متأكدة إن المفتاح كان في إيدك؟
نسيم هزت رأسها بسرعة
أيوه... والله كان في إيدي من ثواني.
عاصف بدأ يبص حوالين المكتب، ثم قال للحراس
محدش يخرج من القصر. اقفلوا كل الأبواب، وفتشوا المكان كله.
أحد الحراس اندفع لتنفيذ الأمر.
سلوى اقتربت من نسيم وقالت
إنتِ شوفتي حد قريب منك؟
نسيم بدأت تحاول تفتكر.
وأنا واقفة هنا... كان في حد عدى من جنبي.
عاصف التفت فورًا
مين؟
معرفش... كان لابس جلابية طويلة ووشه متغطي.
عاصف ضرب قبضته في المكتب
يعني دخل القصر، وصل للمكتب، سرق المفتاح، وخرج من غير ما حد يشوفه؟
سلوى قالت
إلا لو...
سكتت.
عاصف نظر إليها
إلا لو إيه؟
قالت بصوت منخفض
الشخص ده من أهل القصر.
ساد الصمت.
وفي اللحظة نفسها، جاء أحد الحراس مسرعًا.
عاصف بيه... لقينا حاجة في الممر.
مد يده إليه بقطعة صغيرة من الورق.
عاصف فتحها.
كان مكتوبًا عليها بخط قديم
الخزنة مش هي السر... السر تحت القصر.
عاصف قرأ الجملة أكثر من مرة.
ثم رفع عينيه نحو نسيم.
إنتِ تعرفي حاجة عن المكان اللي تحت القصر؟
نسيم شحب وجهها.
أيوه.
وإيه اللي موجود هناك؟
نسيم ترددت طويلًا، ثم قالت
جدي كان بيمنع أي حد يقرب منه.
ليه؟
لأنه قال لي قبل وفاته إن اللي هيفتح الباب ده... هيعرف مين السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
عاصف اقترب منها
كل اللي حصل إيه؟
نسيم نظرت إلى سلوى، ثم إلى عاصف.
وفاة جدك... واختفاء أخويا.
تجمد عاصف مكانه.
أخوكي اختفى إمتى؟
نسيم قالت
من نفس الليلة اللي مات فيها جدك.
وقبل ما يكمل عاصف سؤاله، سمعوا صوتًا قادمًا من أسفل القصر...
صوت معدني يشبه فتح باب حديدي قديم.
ثم انطفأت أنوار الممر مرة أخرى.
وفي الظلام، جاء صوت رجل مجهول من بعيد
لو عايزين تعرفوا الحقيقة... انزلوا لوحدكم.
عاصف أمسك يد سلوى وأشار للحراس بالبقاء مكانهم.
ثم نظر إلى نسيم.
إنتِ هتنزلي معايا.
نسيم ابتلعت خوفها وقالت
لو نزلنا... ممكن منرجعش زي الأول.
عاصف رد بثبات
بعد اللي حصل النهارده، أنا متأكد إن حياتنا عمرها ما هترجع زي الأول نسيم فضلت واقفة مكانها، عينيها متعلقة بوش الرجل اللي قدامها، وكأن عقلها رافض يصدق اللي شايفه.
ياسين؟!
الرجل ما ردش.
فضل واقف في مكانه، ملامحه هادية بشكل غريب، لكن عينيه كانت مليانة خوف.
عاصف اتحرك خطوة لقدام، ووقف بين نسيم وبين الباب.
إنت مين؟
الرجل بص له وقال
أنا الشخص اللي كان المفروض يموت من سبعتاشر سنة.
نسيم شهقت
سبعتاشر سنة؟! إنت اختفيت من سبعتاشر سنة يا ياسين!
ياسين بص لها بحزن.
وأنا كنت فاكر إنكم كلكم صدقتوا إني مت.
طب ليه؟! ليه عملت فينا كده؟ أمي ماتت وهي فاكرة إنك ضيعتنا! وأنا فضلت أدور عليك!
ياسين نزل عينيه.
أنا ما اختفيتش بإرادتي.
عاصف سأله بحدة
مين حبسك هنا؟
ياسين رفع عينيه له.
وسكت.
الصمت ده كان أخطر من أي إجابة.
عاصف كرر
مين؟
ياسين قال أخيرًا
لو قلت لك اسمه أنت بنفسك مش هتصدق.
نسيم قربت منه
قولي.
ياسين بص لها مباشرة.
جد عاصف.
عاصف اتراجع خطوة.
جدي؟
أيوه.
نسيم بصت لعاصف، ثم رجعت تبص لياسين.
بس الورقة قالت إن جد عاصف كان بيحمي أبويا!
ياسين ابتسم ابتسامة حزينة.
وده صحيح.
عاصف اتلخبط
إزاي كان بيحمي أبوها وفي نفس الوقت حبسك هنا؟
ياسين اتجه ناحية المكتب الخشبي وفتح درج سري.
طلع منه ملف قديم، وحطه قدام عاصف.
لأن اللي كان بيحصل أكبر من عيلتك وعيلتي.
فتح عاصف الملف.
جواه صور قديمة، أوراق، تحويلات مالية، وأسماء أشخاص.
لكن في أول صفحة كان فيه اسم واحد متكرر.
سالم الصقر.
عاصف اتجمد.
سالم؟ عمي؟
ياسين قال