رجعت البيت

لمحة نيوز

لما قربتها من عيني، لاحظت حاجة غريبة.
في طرفها خط رفيع جدًا.
كأنها مش دبلة عادية.
جبت ملقط صغير من شنطة الإسعافات، وبدأت أفحصها.
ضغطت على جزء صغير في الداخل.
طَق.
اتفتحت.
سقط منها شيء صغير على كف إيدي.
شريحة ذاكرة صغيرة جدًا.
رفعت عيني لعم سعيد.
كان بيبصلي ودموعه نازلة.
دي فيها إيه؟
قال بصوت ضعيف
كل حاجة.
حاجة إيه؟
أسماء تحويلات عقود وتسجيلات.
أمي اندفعت ناحيتي.
سلمى، اديها لي!
لكن محمود مسكها.
استني يا ماما!
بصيت لهم.
لأول مرة
شفت الخوف الحقيقي في عيونهم.
مش خوف على عم سعيد.
خوف من اللي موجود على الشريحة.
حطيتها في اللابتوب.
ظهر قدامي ملف واحد.
اسمه
الحساب الأخير
فتحته.
وكان أول مستند عبارة عن كشف حساب بنكي.
لكن المبلغ اللي ظهر قدامي خلاني ما أقدرش أتكلم.
خمسة ملايين وستمائة ألف جنيه.
وتحت الرقم
كان فيه اسم صاحب الحساب.
مش اسم عم سعيد.
ومش اسم أمي.
ومش اسم أي حد من إخواتي.
كان
اسمي أنا.
حسيت إني فقدت القدرة على التنفس.
إيه ده؟!
عم سعيد غمض عينه.
وأمي قعدت على الكرسي فجأة.
محمود بدأ يتراجع للخلف.
أما داليا
فقالت بصوت مرتعش
مستحيل
بصيت لها.
إنتِ عارفة الحساب ده؟
ما ردتش.
فتحت المستند اللي بعده.
كان عقد قديم.
وتوقيع عم سعيد موجود في آخر الصفحة.
لكن التاريخ كان من قبل ما أتم العشرين سنة.
قرأت السطر الأول.
ثم توقفت.
لأن السطر كان بيقول إن عم سعيد وضع مبلغًا كبيرًا باسمي
بشرط واحد.
ألا يصل المال إليّ إلا إذا حاول أحد أفراد العائلة الاستيلاء عليه أو إيذائه.
رفعت عيني ناحية عم سعيد.
إنت كنت متوقع إنهم يعملوا كده؟
قال
كنت خايف.
من مين؟
فتح عينه وبص لأمي.
لكن قبل ما يتكلم
رن تلفوني مرة تانية.
نفس الرقم الغريب.
رديت.
جاء نفس الصوت
دلوقتي عرفتي ليه الرحلة كانت مهمة.
إنت مين؟
سكت ثانيتين.
ثم قال
أنا الشخص اللي عم سعيد وثق فيه من عشرين سنة.
وعايز إيه مني؟
قال
أريدك تفتحي الملف الأخير.
ليه؟
جاء الرد
لأن فيه اسم الشخص اللي حاول يقتله فعلًا.
ثم أغلق المكالمة.
فتحت الملف الأخير.
لكن قبل ما أضغط عليه
سمعت أمي تصرخ
سلمى، ما تفتحيهوش!
بصيت لها.
ليه؟
قالت وهي بتبكي
لأنك لو عرفتي الحقيقة مش هتقدري تسامحيني أبدًا الجزء الرابع
فضلت باصة للصورة كأني مش فاهمة اللي قدامي.
ده أبويا؟
المحامي هز راسه.
أيوه.
بصيت لعم سعيد.
بس أنا طول عمري فاكرة إن بابا مات وأنا صغيرة.
عم سعيد حاول يقوم من السرير، لكنه ما قدرش.
قال بصوت متقطع
هو ما ماتش يا سلمى.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
إنت كنت عارف؟
أيوه.
وماما كانت عارفة؟
سعاد نزلت عينيها.
الصمت كان إجابة كفاية.
بصيت لها وأنا مش قادرة أصدق.
ليه؟ ليه خبيتوا عني الحقيقة كل السنين دي؟
أمي انفجرت في البكاء.
كنت خايفة عليكي.
خايفة من إيه؟
ما ردتش.
المحامي حط قدامي ورقة تانية.
والدك ترك لكِ حقًا ماليًا كبيرًا قبل وفاته.
قطبت جبيني.
بس إنت لسه قايل إنه ما ماتش.
سكت المحامي.
ثم قال
بالضبط.
تجمدت.
يعني إيه؟
بص لعم سعيد.
لأن والدك ما زال حيًا.
سكت البيت كله.
حتى صوت أنفاسنا كان واضح.
قربت من عم سعيد.
إنت عارف هو فين؟
غمض عينه.
عارف.
فين؟
فتح عينه وبصلي.
بس لو عرفتي مكانه دلوقتي حياتك هتتغير للأبد.
أنا أصلًا حياتي اتغيرت!
صرخت لأول مرة.
أمي سرقت فلوس علاجه، وإخواتي سابوه يموت، وإنت مخبي عني إن أبويا عايش!
أمي قالت
إحنا ما كناش عايزين نأذيه!
بصيت لها.
مين؟
سكتت.
المحامي قال
الشخص اللي بره من شوية ما جاش عشان الفلوس.
بصيت له.
أمال جاي ليه؟
فتح الملف الأخير.
وكان فيه صورة لرجل واقف أمام مستشفى.
وتحت الصورة اسم مستشفى ومكان.
ثم قال
جاي عشان يمنعك من الوصول لوالدك.
اقتربت منه.
ليه؟
رد
لأن والدك يعرف الحقيقة عن الخمسة ملايين.
ثم وضع أمامي ورقة أخيرة.
والأهم يعرف مين اللي أمر بتزوير توقيعك.
بصيت للورقة.
ثم رفعت عيني ناحية أمي.
كانت تبكي.
لكن محمود كان واقف خلفها، ووشه شاحب.
وفجأة قال
ماما لازم نقول لها.
أمي صرخت
اسكت!
محمود رد
خلاص! الموضوع خرج عن السيطرة!
داليا بدأت تبكي هي كمان.
إحنا ما كناش نعرف إنهم هيحاولوا يقتلوه!
اتجمدت.
مين حاول يقتله؟
سكت محمود.
لكن المحامي فتح هاتفه وشغل تسجيلًا قصيرًا.
جاء صوت رجل مجهول
لو سلمى رجعت قبل ما ننهي الموضوع لازم عم سعيد يختفي.
وقفت مكاني.
ثم سمعت جملة أخرى
والفلوس كلها لازم تتحول قبل ما تعرف إنها الوريثة.
بصيت لأمي.
مين صاحب الصوت؟
أمي غطت وشها بإيديها.
ومحمود قال بصوت مكسور
الشخص اللي كنا بنشتغل لحسابه
ثم نظر لي مباشرة.
هو مش غريب يا سلمى.
سكت لحظة.
إنتِ قابلتيه قبل كده فتحت الملف.
ثواني قليلة، وظهرت قدامي مجموعة تسجيلات صوتية.
الأولى كانت بتاريخ من سبع سنين.
ضغطت عليها.
جاء صوت عم سعيد
لو حصل لي حاجة، لازم سلمى تعرف إن الفلوس دي بتاعتها ومحدش من العيلة له حق يقرب منها.
ثم صوت رجل آخر
بس لو سعاد عرفت؟
رد عم سعيد
عشان كده أنا مش هقول لها.
وقفت التسجيل.
وبصيت لأمي.
إنتِ كنتِ عارفة؟
أمي كانت بتعيط، لكن ما ردتش.
فتحت التسجيل التاني.
صوت عم سعيد كان أوضح
أنا اكتشفت إن فيه حد بيسحب من حساب سلمى من غير علمها.
قلبي اتقبض.
ثم ذكر اسمًا.
اسم جعل محمود ينزل عينيه للأرض.
اسم أخويا.
بصيت لمحمود.
إنت؟
هز راسه بسرعة.
لا اسمعي التسجيل للآخر.
كملت.
عم سعيد قال
محمود مش لوحده.
ثم سكت لحظات.
في حد أكبر منه بيحركه.
رفعت صوت السماعة.
وجاءت الجملة التي قلبت كل شيء
الشخص ده موجود في البيت.
بصيت حواليا.
أمي.
محمود.
داليا.
كل واحد فيهم كان واقف في مكانه.
وفجأة
سمعت صوت مفتاح الباب بيتحرك من جديد.
لكن المرة دي
المفتاح كان مفتاح الشقة نفسه.
محمود بص ناحية الباب وقال
محدش فينا معاه مفتاح احتياطي.
أمي بدأت ترتعش.
أما عم سعيد فصرخ من الأوضة
سلمى اقفلي الباب عليكي!
جريت وقفلته.
ثواني
والباب اتفتح.
دخل رجل في الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده ملف أسود.
بص لي مباشرة وقال
أنا محامي عم سعيد.
اتنفست براحة للحظة.
لكن الراجل رفع الملف وقال
وجيت قبل فوات الأوان.
يعني إيه؟
بص لأمي.
ثم لمحمود.
ثم قال
الوقت خلص.
فتحت الملف.
وكان فيه مستند واحد فقط.
إقرار رسمي بالتنازل عن كل ممتلكات عم سعيد.
والتوقيع الموجود في آخر الصفحة
كان توقيعي أنا.
حدقت فيه غير مصدقة.
أنا عمري ما وقعت على الورقة دي!
المحامي قال بهدوء
عارف.
ثم قلب الصفحة.
لأن التوقيع ده مزور.
بصيت لأمي.
ولأول مرة، ما حاولتش تنكر.
بس قالت جملة واحدة
أنا ما كنتش عايزة أوصل للمرحلة دي
اقتربت منها.
لأي مرحلة؟
سكتت.
المحامي رد بدلًا منها
للمرحلة اللي فيها سلمى تعرف إن مرض عم سعيد مش هو السبب الوحيد اللي خلاه يخفي فلوسه.
بصيت له.
أمال إيه السبب؟
فتح الملف الأسود.
وأخرج صورة قديمة.
صورة لي وأنا طفلة.
وبجانبي عم سعيد.
وفي الخلفية
كان فيه رجل آخر.
أول ما شفت الصورة
عرفته.
وتراجعت خطوة.
لأن الرجل ده
كان والدي الحقيقي وقفت مكاني، وعقلي بيحاول يفتكر كل شخص قابلته في الفترة الأخيرة.
مين؟
محمود بلع ريقه.
مش هتصدقي.
قربت منه.
قول.
قبل ما يرد، عم سعيد ضرب بإيده على السرير.
محمود اسكت!
لفيت ناحية عم سعيد.
لأ. المرة دي مش هسكت.
المحامي أشار لمحمود.
قول لها الحقيقة.
محمود بص لأمي، ثم قال
الشخص ده هو اللي كان بيتواصل معانا بخصوص الفلوس.
مين؟
مدير المؤسسة اللي بتشتغلي معاها.
اتصدمت.
مستحيل.
هو اللي كان عارف إنك مسافرة، وعارف مواعيد رجوعك، وعارف كل حاجة عن علاج عم سعيد.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
طب هو عايز مني إيه؟
المحامي رد
الخمسة ملايين مش هي الهدف الوحيد.
حط قدامي مستند قديم.
فيه قطعة أرض ومبنى تجاري مسجلين باسمك من سنين.
بصيت للورقة.
أنا معرفش عنهم حاجة.
لأن عم سعيد أخفاهم عنك لحمايتك.
قلبت الصفحات بسرعة.
وجدت توقيعًا آخر.
وتاريخًا قديمًا.
ثم لاحظت شيئًا جعلني أتوقف.
استنى
بصيت للمحامي.
التوقيع ده مش توقيع أمي.
عارف.
ومش توقيع عم سعيد.
عارف.
أمال توقيع مين؟
قبل ما يجاوب
رن جرس الباب.
المرة دي ماحدش اتحرك.
بعد ثوانٍ، دخل صوت من الخارج
سلمى، أنا عارف إنك جوه.
عرفت الصوت.
كان صوت مدير المؤسسة.
قلبي دق بعنف.
المحامي بسرعة جمع الأوراق.
ماتفتحيش.
أمي قربت مني وهمست
اسمعيني مهما حصل، ما تسلميش الدبلة لحد.
بصيت لها باستغراب.
إنتِ كنتِ عارفة إنها فيها شريحة؟
هزت رأسها وهي بتبكي.
أيوه.
وكنتِ عارفة إن عم سعيد مخبي كل ده؟
أيوه.
يبقى ليه عملتي فيه كده؟
انهارت على الكرسي.
لأني كنت مهددة.
سكت البيت.
مين هددك؟
رفعت عيني نحوي.
أبوك.
تجمدت.
أبويا؟
هزت رأسها.
والدك مش هو الراجل اللي إنتِ فاكره.
في اللحظة دي، سمعنا صوت المفتاح بيتحط في الباب.
المحامي همس
إحنا اتأخرنا.
الباب بدأ يفتح ببطء.
عم سعيد شد على إيدي وقال
سلمى مهما سمعتِ، ما تروحيش ورا أول شخص يقول لك إنه أبوكي.
الباب اتفتح.
دخل رجل طويل، وشه مألوف بشكل مخيف.
فضل يبص لي ثواني.
ثم قال
كبرتي يا سلمى.
أنا معرفتش أتكلم.
هو ابتسم ابتسامة هادئة.
أنا أبوكي.
وفي اللحظة نفسها، أمي صرخت
كداب!تجمد الرجل مكانه بعد صرخة أمي.
المحامي وقف بيني وبينه فورًا.
محدش يتحرك.
الرجل ابتسم بسخرية.
لسه زي ما هي سعاد بتحب تمثل دور الضحية.
أمي وقفت وهي بتترعش.
إنت السبب في كل اللي حصل!
بص لها وقال
أنا؟ ولا إنتِ اللي بعتي بنتك من وهي صغيرة عشان تحمي نفسك؟
اتسعت عيني.
بعتيّني؟
أمي انهارت.
سلمى، اسمعيني
قاطعتها
أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها.
الرجل أخرج ظرفًا من جيبه وحطه على الترابيزة.
الحقيقة موجودة هنا.
مديت إيدي، لكن عم سعيد صاح
استني!
بصيت له.
ليه؟
قال بصعوبة
لأن الظرف ده هو السبب اللي خلاني أخبي كل حاجة عنك.
فتحت الظرف.
كان بداخله شهادة ميلاد قديمة.
قرأت الاسم.
ثم تاريخ الميلاد.
ثم اسم الأب.
وتجمدت.
اسم الأب الموجود في الشهادة
لم يكن اسم الرجل الواقف أمامي.
ولم يكن اسم الرجل الذي عشت طوال طفولتي وأنا أعتقد أنه والدي.
رفعت عيني ببطء.
إنت مين؟
الرجل فقد ابتسامته.
أنا الشخص اللي كان لازم يحميكي لكني فشلت.
المحامي أخذ الشهادة ونظر إليها، ثم قال
دي أصلية.
أمي بدأت تبكي.
أنا كنت خايفة
صرخت فيها
خايفة من مين؟!
قالت وهي بتبكي
من أبوكي الحقيقي.
سكت الجميع.
الرجل الواقف أمامنا قال
دلوقتي بدأنا نقرب من الحقيقة.
عم سعيد مد إيده ناحيتي.
سلمى
قربت منه.
قول لي.
تنهد.
أبوك الحقيقي كان شريك ليا في مشروع قديم.
مشروع إيه؟
مشروع قيمته كانت أكبر من الخمسة ملايين بكتير.
فتح المحامي ملفًا جديدًا.
وكان فيه أموال اختفت قبل أكثر من عشرين سنة.
بصيت للملف.
وإيه علاقة ده بيا؟
عم سعيد قال
لأن الفلوس اتسجلت باسمك يوم ولادتك.
سكت لحظة.
ثم أضاف
والخمسة ملايين اللي عرفتي عنها النهارده كانت مجرد جزء من أموالك.
نظرت إلى أمي.
كانت تبكي بصمت.
لكن فجأة
رن هاتفها.
نظرت للشاشة.
ولما شافت الرقم، وقع الهاتف من إيدها.
سألتها
مين؟
ما ردتش.
المحامي التقط الهاتف، ونظر للشاشة.
ثم قال
الرقم ده اتصل بيّا قبل كده.
قلت
مين صاحبه؟
نظر لي بجدية.
الشخص اللي كان
تم نسخ الرابط