رجعت البيت

لمحة نيوز

رجعت البيت لقيت جوز أمي بيرتعش من البرد، وجنبه ورقة منها مكتوب فيها
ريحته وحشة نضّفه بسرعة.
ما اتخانقتش معاها، وما اتصلتش بيها حتى.
خدت زجاجة دواه، وكلمت الدكتور.
لكن فجأة، مسك إيدي جامد، واداني دبلة قديمة، وهمس في ودني برقم خلاني أنسى آخد نفسي.
الرحلة اللي كلفتهم ثروة
الجزء الأول
إحنا أخدنا فلوس العلاج وطلعنا بيها مصيف. لما ترجعي، إنتِ بقى اتصرفي في عم سعيد إحنا خلاص مش قادرين نشيله أكتر من كده.
دي كانت الجملة المكتوبة في الورقة اللي أمي سابتها فوق ترابيزة المطبخ.
كنت لسه راجعة من القاهرة بعد غياب حوالي تسع شهور.
أنا اسمي سلمى، دكتورة جراحة، وبشتغل مع القوات البحرية، والشهور اللي فاتت عدّوا عليّا بين شيفتات طويلة، ونقلات، ومهام طبية متواصلة.
طول الفترة دي وأنا بحلم باليوم اللي أرجع فيه البيت.
كنت عايزة أشوف أمي، وأخويا، وأختي
لكن أكتر واحد كنت مستنية أشوفه كان عم سعيد، جوز أمي.
الراجل اللي رباني من وأنا صغيرة، وعمره ما حسسني في يوم إني مش بنته.
دخلت البيت وأنا متخيلة إني هلاقي دوشة البيت المعتادة.
لكن أول ما فتحت الباب
اتصدمت.
البيت كان ساقع بشكل غريب.
الأنوار مطفية، والجو خانق، ومفيش صوت خالص.
عم سعيد؟
مفيش رد.
رميت الشنطة وجريت على أوضته.
فتحت الباب
واتجمدت مكاني.
كان نايم على جنبه، متكور تحت بطانية خفيفة، وجسمه كله بيرتعش من البرد.
هدومه كانت متبهدلة، وشكله مرهق، وشفايفه ناشفة من شدة العطش.
كان مصاب بسرطان البنكرياس في مرحلة متقدمة، وبقى محتاج مساعدة حتى عشان يقوم من السرير.
أول ما شافني، فتح عينه بالعافية.
سلمى إنتِ رجعتي؟
صوته كان ضعيف لدرجة إني حسيت قلبي اتقبض.
قعدت جنبه فورًا.
أيوه يا عم سعيد أنا هنا.
من غير ما أفكر، شغلت التدفئة، وبدأت أديه مية رشفات صغيرة، ونضفته وغيّرت له هدومه والملاية.
وبعدها اتصلت بفريقه الطبي وبدأت أشرح لهم حالته وأنا بحاول أتماسك.
حطيتله شوية شوربة على النار.
وبينما أنا مستنية الدكتور يرد عليّا، سألته
ماما فين؟
عم سعيد سكت شوية، وبعدين قال
مسافرة.
بصيتله باستغراب.
مسافرة فين؟
غمض عينه.
مش عارف قالت إنها محتاجة تغيّر جو.
افتكرت الورقة اللي لقيتها في المطبخ.
إحنا أخدنا فلوس العلاج وطلعنا بيها مصيف
حسيت الدم غلي في عروقي.
أمي سعاد، وأخويا محمود، وأختي داليا كانوا خدوا الفلوس اللي في حساب الأسرة، وسافروا بيها.
المشكلة إن الحساب ده مش فلوسهم لوحدهم.
ده الحساب اللي كنت بحوش فيه كل شهر جزء من مرتبي، مخصوص عشان علاج عم سعيد، ومصاريف البيت، والأدوية.
فتحت التابلت اللي كان مرمي في الصالة.
ظهر قدامي إشعار من فيسبوك.
محمود كان منزل صورة من على سطح سفينة سياحية.
لابس نضارة شمس غالية، وحاضن خطيبته مي، ووراهم البحر.
وتحت الصورة كاتب
الحياة قصيرة عيشها زي ما تستاهل.
فضلت باصة للصورة كام ثانية وأنا مش مصدقة.
وبعدين فتحت تطبيق البنك.
الرقم اللي ظهر قدامي خلاني أفتكر إني فتحت حساب غلط.
الرصيد 241 جنيه.
راجعت تاني.
وبدأت أفتح كشف الحساب.
تذاكر سفر.
حجز فندق.
مطاعم.
مشتريات من محلات غالية.
سبا.
سحب كاش.
وحجز ألعاب ومقامرة.
خلال أيام قليلة
كانوا صرفوا حوالي 170 ألف جنيه.
170 ألف جنيه
من الفلوس اللي كنت فاكرة إنها متأمنة لعلاج عم سعيد.
قفلت الموبايل وأنا إيدي بتترعش.
ورجعت لأوضته.
لكن وأنا بدور على أدويته، لاحظت إن فيه حاجة ناقصة.
بصيت ناحية الدولاب الصغير اللي كان بيحط فيه حاجاته القديمة.
كان فاضي.
عم سعيد فين حاجتك القديمة؟
فتح عينه.
حاجة إيه؟
الحاجات اللي كنت محتفظ بيها من أيام خدمتك.
عم سعيد كان خدم سنين طويلة في القوات المسلحة، وكان محتفظ بكام ميدالية وشهادة تكريم وحاجات عزيزة عليه جدًا.
بص بعيد عني.
مش موجودين.
يعني إيه مش موجودين؟
ابتسم ابتسامة مكسورة.
أمك باعتهم.
افتكرت إني سمعت غلط.
أمي باعت إيه؟
الميداليات والحاجات القديمة.
ليه؟
ضحك ضحكة قصيرة كلها وجع.
قالت إن دي شوية حديد قديم وإننا أولى بفلوسهم.
حسيت إن نفسي اتقطع.
لكن رغم كل اللي حصل
لسه كان فيه حاجة أسوأ.
عم سعيد فجأة حط إيده على بطنه واتلوى من الألم.
جريت على شنطة الأدوية.
استنى هديك المسكن.
دورت على زجاجة المورفين السائل اللي الدكتور كان كاتبه له عشان نوبات الألم الشديدة.
لقيتها.
مسكتها ولفيت عشان أديهاله.
لكنه مسك إيدي فجأة.
مسكة قوية رغم ضعفه.
لأ.
بصيتله.
ليه؟
وشه اتغير.
ما تديهوليش.
يا عم سعيد، إنت بتتألم!
هز راسه.
ده مش دوا.
سكت.
بصيت للزجاجة اللي في إيدي.
يعني إيه مش دوا؟
بلع ريقه بالعافية.
وبص حوالين الأوضة كأنه خايف حد يسمعنا.
أمك
سكت لحظة.
أمك رمت الدوا.
حسيت إن معدتي اتقبضت.
رمت الدوا؟!
هز راسه.
وبعدين ملّت الزجاجة مية.
فضلت باصة للزجاجة وأنا مش قادرة أستوعب.
بس ليه تعمل كده؟
عم سعيد غمض عينه.
وصوته طلع مكسور
قالت إن الدوا غالي وإن أنا في كل الأحوال هموت.
للحظة، ما عرفت أقول حاجة.
بصيت للزجاجة مرة تانية.
وبصفتي دكتورة، عرفت فورًا إن الموضوع مش مجرد إهمال.
دي مش خناقة بين أم وبنت.
ومش مجرد فلوس اتسرقت.
دي جريمة.
حطيت الزجاجة في كيس، من غير ما ألمسها أكتر من اللازم.
وقررت إني ما أواجهش أمي دلوقتي.
لكن قبل ما أقوم من جنب السرير، عم سعيد مد إيده تحت المخدة.
طلع دبلة قديمة.
وحطها في إيدي.
خدي دي.
بصيت للدبلة باستغراب.
دي بتاعة مين؟
ما ردش.
فضل ماسك إيدي وبصلي في عيني.
وبعدين قرب مني وهمس
لو عايزة تعرفي أمك وإخواتك أخدوا الفلوس ليه
سكت.
ثم قال رقمًا بصوت خافت جدًا.
رقم خلاني أتجمد في مكاني.
خمسة ملايين جنيه.
رفعت عيني له بسرعة.
إيه؟
لكنه شد على إيدي أكتر وقال
دي مش أول مرة يحاولوا يخلصوا مني يا سلمى.
وقتها بس
فهمت إن الرحلة اللي أمي وإخواتي سافروا فيها بالفلوس
ما كانتش مجرد فسحة غالية.
وإن ال ألف جنيه اللي صرفوهم
ما كانوش حتى أكبر مبلغ دخل في الحكاية.
لأن عم سعيد كان مخبي سر من سنين.
سر لو خرج للنور
مش بس هيهد عيلتنا ده ممكن يغيّر حياتي أنا كمان للأبد.
وما كنتش أعرف إن الدبلة اللي حطها في إيدي
الجزء الثاني
فضلت باصة لعم سعيد وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتي.
خمسة ملايين جنيه؟!
هز راسه ببطء.
أيوه يا سلمى.
إنت كنت مخبي عني كل ده ليه؟
بص للدبلة اللي في إيدي.
لأنك لو عرفتي بدري كانوا هيأذوكي إنتِ كمان.
اتسعت عيني.
مين؟
سكت.
وبعدين قال
الناس اللي كانوا فاكرين إن الفلوس دي هتروح لهم بعد موتي.
قربت منه.
عم سعيد، أنا مش فاهمة حاجة. إنت عندك خمسة ملايين جنيه فين؟
غمض عينه وقال
مش في البنك.
أمال فين؟
قبل ما يرد
سمعنا صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
عم سعيد مسك إيدي بقوة.
ما تتكلميش.
الباب اتفتح.
وسمعت صوت أمي
سلمى؟!
قلبي دق بسرعة.
إزاي رجعت؟
من كام دقيقة كانت فين؟ وليه رجعت فجأة؟
خرجت من الأوضة وأنا بحاول أخفي ارتباكي.
لقيت أمي داخلة ومعاها أخويا محمود وأختي داليا.
وكانوا شايلين شنط سفر.
أمي أول ما شافتني ابتسمت.
يا حبيبتي! رجعتي من غير ما تقولي؟
بصيت لها في صمت.
كنت عايزة أفاجئكم.
بصت ناحية أوضة عم سعيد.
هو عامل إيه؟
رديت بهدوء
إنتِ اللي تقوليلي.
ابتسامتها اختفت للحظة.
يعني إيه؟
طلعت الورقة من جيبي وحطيتها قدامها.
إيه معنى الكلام ده؟
محمود اتدخل بسرعة
يا سلمى، الموضوع مش مستاهل كل ده.
بصيت له.
170 ألف جنيه اتصرفوا في كام يوم وإنت بتقول مش مستاهل؟
داليا قربت مني.
إحنا كنا محتاجين نرتاح شوية.
ضحكت بسخرية.
وعم سعيد؟
سكتوا.
هو كان محتاج يرتاح برضه.
أمي اتعصبت.
إنتِ بقالك تسع شهور بره البيت، ومش عارفة إحنا كنا بنعمل إيه هنا!
رديت
أنا كنت ببعت فلوس كل شهر عشان علاجه.
سكتت.
فقلت
وعشان أدوية معينة مكتوبة له بالاسم.
بصيت ناحية المطبخ.
فين الدواء؟
محمود بص لأمي.
واللحظة دي
كانت كفاية.
عرفت إنهم فهموا إني عرفت.
دخلت أوضة عم سعيد.
لقيته مغمض عينه وكأنه نايم.
لكن لما قربت منه، فتحها سنة صغيرة.
وحرك شفايفه من غير صوت.
الدبلة.
بصيت للدبلة اللي في إيدي.
ثم بصيت للباب.
وفهمت إنه خايف.
خرجت من الأوضة وقلت
أنا هبات هنا الليلة.
أمي شهقت.
هتباتي ليه؟
عشان أتابع حالته.
محمود اتدخل
إنتِ دكتورة، مش ممرضة.
بصيت له.
وأنت مالك؟
سكت.
وفي اللحظة دي، رن تلفوني.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
جالي صوت راجل كبير
إنتِ سلمى بنت سعاد؟
أيوه.
عم سعيد لسه عايش؟
اتجمدت.
مين حضرتك؟
قال بصوت منخفض
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن الخمسة ملايين ما تثقيش في أي حد موجود في البيت دلوقتي.
وقبل ما أسأله أي سؤال
قفل الخط.
رفعت عيني ببطء.
أمي كانت واقفة قدامي.
ومحمود جنبها.
وداليا وراهم.
لكن اللي خوّفني فعلًا
إن عم سعيد، اللي كان نايم في الأوضة
بدأ يخبط بإيده على السرير.
ثلاث خبطات متتالية.
كأنها إشارة اتفقنا عليها من غير ما أعرف.
رجعت له بسرعة.
ولما دخلت، لقيته بيبص ناحية الشباك.
مش ناحية الباب.
ولما قربت منه، همس
الراجل ده وصل.
مين؟
شد على إيدي.
اللي أخدته أمك منه.
وقبل ما أقدر أسأله
سمعنا صوت عربية وقفت تحت البيت.
وبعدها مباشرة
صوت خطوات طلعت على السلم.
خطوة
وخطوة
وخطوة
لحد ما وقفت قدام باب شقتنا.
ثم
خبطتين على الباب.
عم سعيد بصلي وقال
لو فتحوا الباب هتعرفي ليه أنا سايب الدبلة دي معاكي من عشرين سنة.
وفجأة
أمي صرخت من الصالة
محدش يفتح!
لكن الشخص اللي بره
قال جملة واحدة بصوت هادي
أنا جاي آخد الحاجة اللي عم سعيد خبّاها الجزء الثالث
سادت لحظة صمت ثقيلة داخل الشقة.
بصيت ناحية أمي.
وبعدين ناحية الباب.
إنتِ تعرفي مين اللي بره؟
وشها اتغير.
لأ.
لكن صوتها كان مرتعش.
محمود قرب من الباب وقال
يمكن يكون حد غلطان في العنوان.
عم سعيد صرخ من الأوضة
محدش يقرب من الباب!
الصوت اللي بره رجع يقول
أنا عارف إن سلمى رجعت وعارف إن الدبلة معاها.
اتجمدت.
بصيت للدبلة في إيدي.
إزاي عرف؟
مين كان بيراقبنا؟
أمي قربت مني بسرعة ومدت إيدها.
هاتِ الدبلة دي.
رجعت خطوة.
ليه؟
دي حاجة قديمة ومش مهمة.
عم سعيد اداهالي من شوية.
سكتت.
ثم قالت
هو مش في حالته الطبيعية.
بصيت لها بثبات.
غريبة مع إنه كان واعي كفاية يقول لي إنكم بدلتوا دواه بمية.
وشها اصفر.
محمود بص لها.
ماما هي عرفت؟
داليا شهقت
إنت قلتلها؟!
سكت الجميع.
لكن الكلمة خرجت بالفعل.
بدلتوا دواه.
ما عدتش محتاجة اعتراف.
فجأة
سمعنا صوت تكسير زجاج.
جريت ناحية الشباك.
كان فيه حجر مربوط فيه ورقة، دخل من الشباك ووقع على الأرض.
فتحتها بسرعة.
كان مكتوب
افتحي الدبلة.
بصيت للدبلة.
كانت قديمة فعلًا، لكن

تم نسخ الرابط