جوزى

لمحة نيوز

مؤسسة كبيرة عايز يقابلك.
مؤسسة إيه؟
مؤسسة خيرية، وعايزين يتعاونوا معانا في مشروع جديد.
وافقت.
دخل ثلاثة أشخاص، وكان بينهم شاب اسمه آدم، في بداية الثلاثينات.
قال
إحنا تابعنا شغلك من فترة، وعايزين نشاركك في مشروع لتأهيل السيدات اللي اضطروا يبدأوا حياتهم من الصفر.
ابتسمت ياسمين.
الفكرة قريبة جدًا من قلبي.
بدأ الاجتماع.
وكان آدم مختلفًا عن أي شخص قابلته قبل كده.
ما حاولش يعرف تفاصيل حياتها الخاصة.
ما سألهاش عن جوازها السابق.
كان بيتكلم عن شغلها، وأفكارها، وطموحها.
وبعد الاجتماع قال
واضح إنك مش بتشتغلي علشان الفلوس بس.
ضحكت.
الفلوس مهمة.
أكيد.
بس الأهم إني ماخليش حد يضطر يستنى حد ينقذه.
ابتسم آدم.
دي فلسفة مش شركة.
ردت
عشان كده الشركة نجحت.
بدأ التعاون بين المؤسسة وشركة ياسمين.
وبمرور الشهور، بقى آدم جزء أساسي من المشروع.
كان محترم، هادي، وما بيحاولش يفرض رأيه.
وفي يوم، بعد اجتماع طويل، قال لها
ممكن أسألك سؤال شخصي؟
ترددت.
لو شخصي قوي، لأ.
ضحك.
السؤال بسيط.
اتفضل.
إنتِ ليه لحد دلوقتي عايشة لوحدك؟
ابتسمت.
لأن الوحدة أرحم من اختيار غلط.
هز رأسه.
طيب لو جه اختيار صح؟
سكتت.
ثم قالت
وقتها هشوف.
ما زادش السؤال.
وده بالذات هو اللي خلى ياسمين تحترمه أكتر.
بعد عدة شهور، حصل موقف خلّى ياسمين تعيد التفكير.
كانت في المستشفى تزور واحدة من السيدات اللي ساعدتهم المبادرة.
وهي خارجة، لقت آدم مستنيها.
قال
كنت قلقان عليكِ.
ليه؟
اتصلت بيكي وما ردتيش.
ابتسمت.
كنت في المستشفى.
قال
الحمد لله إنك بخير.
سكت قليلًا ثم قال
ياسمين، أنا مش عايز أستعجل.
بصت له.
في إيه؟
أنا ارتحت لكِ.
سكت.
ولو في يوم حسيتِ إنك مستعدة تفتحي باب جديد، أنا حابب أكون الشخص اللي تقابليه عند الباب.
ابتسمت.
لكنها لم تجب.
قال
مش لازم تردي دلوقتي.
ثم مشي.
رجعت ياسمين بيتها في الليلة دي وهي بتفكر.
لأول مرة من سنين، حد دخل حياتها من غير ما يحاول يمتلكها.
من غير ما يقلل منها.
من غير ما يطلب منها تتنازل عن نفسها.
لكنها كانت خايفة.
خافت إن التاريخ يعيد نفسه.
خافت إنها تثق وتندم.
فتحت درجًا قديمًا، وطلعت الورقة اللي كانت كاتبة عليها زمان
ما ترجعيش لنفسك القديمة علشان ترضي حد.
بصت لها طويلًا.
ثم حطتها مكانها.
وقالت
المرة دي مش هختار خوفًا من الماضي.
بعد أسبوع، قابلت آدم.
قالت
عايزة أقولك حاجة.
اتفضلي.
أنا مش مستعدة أبدأ علاقة بسرعة.
ابتسم.
وأنا مش مستعجل.
ومش هقبل أتنازل عن شغلي.
ولا طلبت منك.
ومش هقبل حد يدخل حياتي ويقرر عني.
وأنا مش عايز أقرر عنك.
سكتت.
ثم ابتسمت لأول مرة بصدق.
ممكن نبدأ نتعرف على بعض.
ابتسم آدم.
دي أحسن إجابة سمعتها.
وبعد سنة، لم تكن ياسمين مجرد سيدة ناجحة.
كانت سيدة مطمئنة.
وعندما قررت الارتباط بآدم، لم يكن القرار بسبب خوف من الوحدة.
ولا هروبًا من الماضي.
ولا بحثًا عن رجل يعوضها عن أحمد.
كان قرارًا بسيطًا
إنها لقت إنسانًا يحترمها كما هي.
وفي يوم عقد القران، كانت واقفة أمام المرآة.
تذكرت نفسها قبل سنوات.
المرأة اللي كانت واقفة في بيتها، بتسمع كلامًا جارحًا، ومش عارفة حياتها هتروح فين.
ابتسمت وقالت
كنتِ فاكرة إن نهايتك قربت
ثم نظرت إلى نفسها في المرآة
لكنها كانت بدايتك.
وفي الخارج، كان آدم مستنيها.
مش علشان ينقذها.
لأنها ما كانتش محتاجة إنقاذ.
كان مستنيها علشان يمشي جنبها.
وهكذا بدأت ياسمين فصلًا جديدًا
مش لأنها نسيت الماضي.
لكن لأنها أخيرًا بقت تعرف الفرق بين
حد عايز يمتلك حياتك
وحد عايز يشاركك فيها.
النهاية بعد كل السنين دي، وقفت ياسمين قدام المراية ليلة فرحها بآدم.
ماكانش فرحها كبير ولا مليان مظاهر.
كان بسيط، دافي، وحواليها الناس اللي بتحبها بجد.
بصت لنفسها وافتكرت اليوم اللي كانت فيه قاعدة في نفس البيت، وأحمد وأمه داخلين عليها ومعاهم الطفل، وعايزين يفرضوا عليها حياة ما اختارتهاش.
وقتها كانت فاكرة إن خسارة جوازها معناها إنها خسرت مستقبلها.
لكنها اكتشفت إن الحقيقة كانت العكس تمامًا.
جوازها انتهى
لكن حياتها بدأت.
دخل آدم عليها وقال
جاهزة؟
ابتسمت.
جاهزة.
مد إيده لها، لكنها قبل ما تمسكها قالت
آدم؟
نعم؟
أنا مش محتاجة حد ينقذني.
ابتسم وقال
وأنا مش جاي أنقذك أنا جاي أمشي جنبك.
مدت إيدها له.
يبقى يلا.
بعد سنوات، بقى عندهم بيت هادي، وشغل ناجح، وحياة مليانة احترام.
وياسمين ما نسيتش الماضي، لكنها بطلت تخاف منه.
وفي يوم، وصلتها رسالة من أحمد
سمعت إنك سعيدة. ربنا يسعدك أكتر. أنا أخيرًا فهمت إن بعض الناس لما نخسرهم مايبقاش المطلوب نرجعهم المطلوب نتعلم منهم.
قرأت الرسالة.
ابتسمت.
ثم حذفتها.
مش غضبًا.
لكن لأنها ماعادتش محتاجة تحتفظ بأي شيء يربطها بالماضي.
دخل آدم وسألها
مين كان بيبعت؟
قالت
الماضي.
ضحك.
وقلتي له إيه؟
ابتسمت وهي بتقفل الموبايل
ولا حاجة.
ليه؟
لأنه خلاص ما بقاش له مكان في حياتي.
وفي آخر يوم من كل سنة، كانت ياسمين بتقف قدام المرآة وتفتكر البنت القديمة.
البنت اللي كانت بتخاف من الطلاق.
من كلام الناس.
من البداية من الصفر.
وتقول لنفسها
لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتختاري نفس القرار؟
وكانت الإجابة دايمًا
أيوه.
لأنها ما خسرتش بيتًا.
ولا خسرت زوجًا.
ولا خسرت مالًا.
هي فقط خسرت حياة لم تكن تستحق أن تكملها
وكسبت في المقابل أغلى شيء
نفسها.
وعشان كده، كانت آخر جملة كتبتها ياسمين في دفترها
أحيانًا ربنا يقفل باب بنعيط قدامه وبعد سنين نبص وراه ونحمده إنه قفله.
وهنا انتهت حكاية ياسمين
لكن بدأت أجمل حكاية حكاية امرأة اختارت نفسها، ولم تندم.
النهاية.

تم نسخ الرابط