جوزى
جوزي وأمه دخلوا عليا الشقة بالليل، ومعاهم طفل صغير وطلبوا مني أخدمه! لكنهم ماكانوش يعرفوا إن يوم الطلاق هيكشف لهم الحقيقة كلها
أنا ياسمين، عندي ٣١ سنة، ومتجوزة أحمد بقالنا تلات سنين.
أحمد كان دايمًا بيقول إنه بيحبني، لكن مشكلته الحقيقية كانت إنه بيحط أهله قبل أي حاجة.
وأنا طول السنين دي كنت شايلة البيت معاه.
أنا اللي دفعت جزء كبير من تمن الشقة، وأنا اللي ساعدت في شراء العربية، وكنت كل ما يحصل لأهله ظرف أساعد من غير ما أتكلم.
لكن من فترة، بدأت أحس إن أحمد بيتغير.
بقى عصبي، ساكت، ودايمًا بيخبي موبايله.
وفي ليلة، رجع البيت ومعاه أمه صفاء، وفي إيده طفل صغير عمره حوالي تلات شهور.
وقفت قدامهم مصدومة.
الطفل ده مين؟
حماتي قالت بمنتهى الهدوء
ابن أحمد.
بصيت لأحمد.
ابنك منين؟
أحمد تنهد وقال
من واحدة كنت متجوزها بعقد رسمي قبل ما أعرفك.
حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
يعني إيه؟
اتجوزتها قبل جوازنا، والجواز انتهى من فترة والولد لسه محتاج رعاية.
سكتُّ لحظات.
الموضوع كان صدمة، لكن أحمد كمل
أمه مسافرة مع أهلها كام يوم، ومحتاجين حد يهتم بيه.
حماتي ابتسمت
وإنتِ أحن واحدة عليه. خديه عندك اليومين دول.
بصيت للطفل.
كان صغير جدًا، بريء، وبيعيط من غير ما يفهم أي حاجة.
قلت بهدوء
الطفل ملوش ذنب في أي حاجة حصلت بين الكبار.
حماتي ارتاحت.
لكنني كملت
بس ده مش معناه إني ملزمة أربيه.
أحمد اتعصب
ده ابني!
وأنا مش أمه.
سكت.
ثم قال
إنتِ لسه مراتي، والبيت ده بيتي.
ابتسمت بهدوء.
ولسه بعد يومين هنكون مطلقين.
اتوتر.
لأن الطلاق كان بالفعل متفق عليه.
أنا كنت عرفت الحقيقة، وقررت أنهي الجواز من غير مشاكل.
لكن أحمد كان فاكر إن الطلاق معناه إني هخرج من البيت بإيدي فاضية.
وده كان أول غلط ارتكبه.
لأنه ماكانش يعرف إني من أول أسبوع في الخلاف بدأت أجمع كل المستندات.
إيصالات شراء الشقة.
إيصالات العربية.
التحويلات البنكية.
وكل المبالغ اللي دفعتها لأسرته.
وكمان عقد الاتفاق اللي كان بيني وبينه بخصوص ملكية البيت.
دخلت أوضتي، وأقفلت الباب.
فتحت اللابتوب.
وكان قدامي ملف كامل اسمه
مستندات ياسمين.
اتصلت بالمحامي وائل.
كل حاجة جاهزة؟
رد
جاهزة، وبكرة نراجع آخر ورقتين.
قلت
تمام. عايزة الموضوع يتم بهدوء.
قال
أهم حاجة ما تمضيش على أي ورقة قبل ما تشوفيها.
قفلت المكالمة.
وفي اللحظة دي سمعت خبط على الباب.
فتحت.
لقيت أحمد.
قال
بكرة هنحتاج منك توقعي على شوية أوراق.
أوراق إيه؟
إجراءات الطلاق وتقسيم الحاجات.
ابتسمت.
ابعتها للمحامي بتاعي.
وشه اتغير.
ليه؟
علشان أنا مش هوقع على أي حاجة من غير ما تتراجع قانونيًا.
قال بعصبية
إنتِ معقدة الموضوع ليه؟
أنا؟ ولا إنت اللي مستعجل؟
سكت.
وبعدين قال
على فكرة، البيت مش من حقك كله.
عارفة.
والعربية كمان.
عارفة.
ومش هتاخدي المبالغ اللي صرفتيها.
ابتسمت.
دي كمان عارفاها.
بصلي باستغراب.
إنتِ واثقة كده ليه؟
قربت منه وقلت
لأن اللي بيثق في كلامه ما بيخافش من الورق.
وسبت الباب في وشه.
تاني يوم الصبح، خرج أحمد بدري.
وبعد ساعتين، اتصل بيا المحامي.
ياسمين، فيه حاجة لازم تعرفيها.
إيه؟
راجعنا أوراق الشقة، وطلع إن فيه مستند مهم جدًا.
مستند إيه؟
أحمد كان عامل إقرار مكتوب باستلامه منك مبلغ كبير كمساهمة في شراء الشقة.
سكتُّ.
يعني إيه؟
يعني المبلغ ده مثبت رسميًا، ومش هيقدر ينكره بسهولة.
قفلت المكالمة وأنا ببتسم.
كنت فاكرة إن الموضوع كله هيخلص بالطلاق.
لكن واضح إن الحقيقة لسه هتظهر.
في يوم الطلاق، دخلت المحكمة ومعايا المحامي.
أحمد كان واقف مع والدته.
أول ما شافني قال
خلينا نخلص بسرعة.
قلت
وأنا موافقة.
دخلنا.
بدأت الإجراءات.
وبعدها أحمد قال
هي هتاخد حاجتها الشخصية وتمشي.
المحامي بتاعي رفع ملفه.
لحظة واحدة.
أحمد بصله.
في إيه؟
المحامي أخرج مجموعة أوراق.
فيه مبالغ موثقة دفعتها السيدة ياسمين في الشقة والعربية، بالإضافة إلى إقرار موقع من السيد أحمد باستلام هذه المبالغ.
وش أحمد اتغير.
حماتي قالت
مستحيل!
المحامي رد بهدوء
الأوراق موجودة، وكل تحويل له إثبات.
أحمد بصلي.
إنتِ كنتِ بتجهزي لكل ده؟
قلت
لأ. أنا كنت بحمي حقي.
ثم أخرج المحامي ورقة أخرى.
وفيه كمان اتفاق مكتوب بخصوص ملكية الشقة.
أحمد سكت تمامًا.
بعد دقائق، انتهت إجراءات الطلاق.
خرجت من المكان وأنا لأول مرة حاسة إني بتنفس من غير حمل على صدري.
أحمد لحقني.
ياسمين.
وقفت.
قال بصوت منخفض
أنا ظلمتك.
بصيت له.
عارف.
ومكنتش متخيل إنك هتوصلي لكل ده.
لأنك كنت شايفني ضعيفة.
سكت.
قلت
أنا مش زعلانة إن الجواز انتهى. أنا زعلانة إنك استهنت بيا طول الوقت.
ثم مشيت.
بعد كام شهر، نقلت حياتي لمكان جديد.
بدأت مشروع صغير كنت بحلم بيه من زمان.
وكل يوم كان بيعدي كنت بحس إني برجع لنفسي من جديد.
أما أحمد، فاضطر يعيد حساباته كلها.
مش لأنه خسر زوجته فقط
لكن لأنه اكتشف إن الإنسان اللي كان بيعتبره ضعيف ومش فاهم حاجة كان أكثر شخص حافظ على حقه وكرامته.
أما الطفل الصغير، فكان بريئًا من كل اللي حصل.
وأنا طلبت من أحمد وقتها حاجة واحدة
اهتم بابنك بنفسك، وخليه يكبر من غير ما يتحمل أخطاء الكبار.
ومن يومها، انتهت حكايتي مع أحمد.
لكن بدأت حكايتي أنا.
حكاية واحدة فهمت أخيرًا إن الطيبة مش ضعف، وإن السكوت مش معناه إن الإنسان مش فاهم وإن كرامة الإنسان أهم من أي بيت أو عربية أو فلوس.
وفي آخر يوم وأنا بقفل باب شقتي القديمة، بصيت ورايا وقلت
الحمد لله الصفحة دي اتقفلت.
ومشيت.
من غير ندم.
ومن غير ما أبص ورايا تاني لكن الحكاية ما خلصتش يوم الطلاق
بعد حوالي شهر من انتهاء الجواز، كنت بدأت أرتب حياتي من جديد.
استأجرت مكتب صغير، وبدأت أشتغل في المشروع اللي كنت مأجلاه طول فترة جوازي.
كنت كل يوم بصحى بدري، أروح شغلي، وأرجع وأنا حاسة إن حياتي أخيرًا بقت ملكي.
لحد ما في يوم، وأنا قاعدة في المكتب، السكرتيرة دخلت وقالت
أستاذة ياسمين، فيه راجل بره اسمه أحمد وبيقول لازم يقابلك.
قلبي اتقبض.
قوليله إني مشغولة.
خرجت السكرتيرة، وبعد دقايق رجعت.
بيقول الموضوع مهم جدًا.
سكت شوية، وبعدين قلت
خليه يدخل.
دخل أحمد.
لكن المرة دي كان شكله مختلف.
لا غرور، ولا صوت عالي، ولا ثقة زيادة.
كان مرهق جدًا.
قعد قدامي وقال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.
رفعت عيني له.
كويس.
ابتلع ريقه وقال
أنا جاي أطلب منك مساعدة.
ضحكت بسخرية.
مساعدة إيه؟
حصلت مشكلة في الشغل، وأنا محتاج مبلغ مؤقت.
بصيت له بهدوء.
أحمد، أنا مش بنك.
عارف.
وأنا مش مسؤولة عن حياتك بعد الطلاق.
عارف.
سكت لحظة، ثم قال
بس فيه حاجة أهم.
فتحت درج المكتب.
قول.
طلع ورقة وحطها قدامي.
دي ورقة من البنك.
قرأت الورقة.
وبعدين بصيت له.
إيه ده؟
قال
البيت عليه التزام مالي كبير.
اتجمدت مكاني.
إزاي؟
فاكرة إن البيت خلصناه كله؟
هززت رأسي.
قال
كان فيه مبلغ متبقي، وأنا كنت بسدده على أقساط.
قلبي دق بسرعة.
وإيه علاقتي أنا؟
مفيش علاقة إلا إن البنك بعتلي إن فيه إجراءات هتبدأ لو المبلغ ما اتسددش.
سكتُّ.
ثم قلت
وإنت جاي تقولي ليه؟
خفض عينيه.
لأن جزء من الفلوس اللي دفعتها إنتِ في البيت كان داخل في المبلغ ده.
وقفت من مكاني.
يعني إيه؟
يعني أنا غلطت لما قلت لك إنك مش ليكي حق.
بصيت له باستغراب.
إنت كنت عارف؟
عرفت بعد الطلاق.
ضحكت بمرارة.
وبعد الطلاق افتكرت؟
قال بصوت مكسور
لأ بعد الطلاق فهمت.
في نفس اليوم اتصلت بالمحامي وائل.
حكيت له كل حاجة.
قال
ما تعمليش أي خطوة قبل ما نشوف أصل المستندات.
حاضر.
وبعد ساعتين، كان أحمد قاعد قدامه.
المحامي قلب في الأوراق واحدة واحدة.
ثم رفع عينه لأحمد وقال
أنت عايز إيه بالضبط؟
أحمد رد
عايز أسدد اللي عليا وأحافظ على البيت.
المحامي قال
البيت له مالكين بحسب المستندات اللي عندنا.
أحمد بصلي.
أنا عارف.
قلت
وأنا مش عايزة البيت.
اتصدم.
مش عايزاه؟
لأ.
ليه؟
قلت
لأن البيت بقى مرتبط عندي بأيام مش عايزة أفتكرها.
سكت.
ثم أضفت
لكن حقي في الفلوس لازم يرجع لي.
المحامي ابتسم.
وده اللي هنشتغل عليه.
بعد أسبوعين، اتباعت الشقة.
وبعد تسوية كل الالتزامات، استلمت حقي كامل.
وأحمد احتفظ بالجزء اللي يخصه.
كنت فاكرة إن دي آخر مرة هشوفه فيها.
لكن وأنا خارجة من مكتب المحامي، لقيته واقف مستنيني.
قال
ياسمين.
وقفت.
نعم؟
قال
عندي سؤال واحد.
اسأل.
ليه ما حاولتيش تنتقمي مني؟
بصيت له شوية.
لأن الانتقام كان هيخليني أفضل مرتبطة بيك.
سكت.
وأنا كنت عايزة أتحرر منك، مش أعيش طول عمري بفكر فيك.
نزل عينه للأرض.
أنا خسرت إنسانة كويسة.
قلت بهدوء
إنت خسرت زوجة كانت بتتمنى لك الخير.
ثم مشيت.
بعد سنة كاملة، كان مشروعي كبر بشكل كبير.
وفي يوم، وأنا داخلة مكتبي، لقيت ظرف على المكتب.
فتحته.
كان فيه جواب قصير من أحمد.
قرأته
ياسمين، مش هطلب منك تسامحيني، ولا هرجع أطلب منك أي حاجة. بس حبيت أقولك إنك كنتِ أصدق شخص وقف جنبي، وأنا ماعرفتش قيمة ده غير لما خسرتك. أتمنى تكوني سعيدة.
قعدت شوية وأنا ماسكة الورقة.
وبعدين