جوزى

لمحة نيوز

رجل في أواخر الستينات، ماسك شنطة جلد قديمة.
بصلي شوية وقال
إنتِ ياسمين بنت الأستاذ محمود؟
اتجمدت مكاني.
أبويا كان متوفي من سنين.
قلت
أيوه حضرتك تعرف أبويا؟
ابتسم بحزن.
أبوكي كان صاحبي وشريكه في أول مشروع اشتغلنا فيه.
قعد قدامي وفتح الشنطة.
طلع مجموعة أوراق قديمة.
أبوكي سايب لك حاجة.
بصيت له بدهشة.
سايب لي إيه؟
جزء من مشروع قديم كان بينه وبين والدتي واتكتب باسمك من أكتر من عشرين سنة.
فتحت الورق بإيد بتترعش.
كان فيه عقد قديم، وتوقيع والدي.
قلت
ليه محدش قال لي الكلام ده قبل كده؟
رد
لأن والدك طلب مني ما أتكلمش إلا لما تبقي قادرة تديري الحاجة دي بنفسك.
سألته
وإيه قيمتها؟
ابتسم.
دلوقتي؟ قيمتها كبيرة جدًا.
سكتُّ.
ثم قال
أبوكي كان شايف إنك هتبقي أقوى مما الناس تتوقع.
نزلت دمعة من عيني.
طول عمري كنت فاكرة إن أبويا ما سابليش غير ذكرياته.
لكن طلع سايب لي ثقة في نفسي قبل أي حاجة.
في اليوم التالي، أخذت الأوراق للمحامي.
بعد مراجعتها قال
المستندات سليمة مبدئيًا، لكن محتاجين نعمل إجراءات نقل الملكية وتقييم المشروع.
قلت
اعمل اللي لازم.
بعد شهر، اكتشفت إن المشروع عبارة عن قطعة أرض ومخزن قديم في منطقة صناعية.
والأغرب إن المكان كان قريب جدًا من مقر شركتي الحالي.
قلت لنفسي
واضح إن أبويا كان مخطط لمستقبلي من زمان.
قررت ما أبيعش المكان.
بدل كده، حولته إلى مركز صغير لتدريب الشباب على الحرف والمشروعات الصغيرة.
وأول شخص ساعدني في المشروع كان كريم.
ابن أحمد.
كان شاب مجتهد، وكنت شايفة فيه حاجة مختلفة تمامًا.
قلت له
كريم، إنت عندك فرصة تعمل حاجة لنفسك.
قال
أنا عايز أتعلم.
يبقى ابدأ من تحت.
وبدأ فعلًا.
بعد سنة، المشروع بقى ناجح.
وفي يوم الافتتاح، كان أحمد واقف بعيد.
لما شافني، ابتسم.
قرب وقال
أبوكي كان محظوظ إنه خلفك.
ضحكت.
وإنت؟
أنا كنت محظوظ إني عرفتك حتى لو ماعرفتش أحافظ عليكِ.
سكتُّ.
ثم قلت
المهم إن كل واحد اتعلم.
هز رأسه.
صح.
كان اللقاء بسيطًا جدًا.
من غير عتاب.
من غير رجوع للماضي.
ومن غير أي وعود.
مجرد شخصين انتهت بينهم مرحلة، وكل واحد فيهم كمل حياته.
وفي آخر اليوم، وأنا واقفة وسط المكان الجديد، بصيت للشباب اللي شغالين، ولقيت كريم بيشرح لواحد منهم طريقة استخدام ماكينة.
ابتسمت.
افتكرت اللي حصل من سنين.
يوم كنت واقفة في شقتي، وأحمد وأمه شايلين طفل صغير وعايزين يفرضوا عليا حياة ما اخترتهاش.
وقتها كنت فاكرة إنهم بياخدوا مني كل حاجة.
لكن الحقيقة كانت العكس.
أنا كنت بخسر حياة ما كانتش شبهي علشان أكسب حياة أنا اللي أختارها.
رن موبايلي.
رسالة من أحمد
كريم نجح في أول مشروع ليه، وبيقول إن الفضل يرجع لك بعد ربنا.
رديت
هو اللي تعب ونجح. أنا بس فتحت له الباب.
قفلت الموبايل.
وبصيت للسماء.
وقلت
الحمد لله.
لأنني أخيرًا فهمت إن بعض الأبواب لما بتتقفل في وشنا
مش بتكون نهاية الطريق.
بتكون إشارة إن فيه طريق أحسن مستنينا نفتحه.
النهاية مرت ثلاث سنين تانية، وياسمين بقت صاحبة شركة ناجحة ومركز تدريب معروف.
وفي يوم، وهي بتراجع حسابات الشركة، السكرتيرة دخلت وقالت
أستاذة ياسمين، فيه جواب وصل لحضرتك من البريد.
أخدت الظرف.
كان عليه اسمها بخط يد مألوف.
أحمد.
فتحت الرسالة.
ياسمين، مش عارف إذا كان من حقي أطلب منك تقري الرسالة دي، لكن عندي حاجة واحدة لازم أقولها.
أنا طول عمري كنت فاكر إن النجاح معناه فلوس وبيت وعربية، وإن الراجل لازم يكون هو صاحب القرار.
بعد اللي حصل بينا، فهمت إن الإنسان ممكن يمتلك كل حاجة ويخسر نفسه.
أنا بدأت من جديد، واشتغلت على نفسي وعلى علاقتي بابني، وحاولت أصلح أخطاء كتير كنت بعتبرها عادية.
مش بطلب منك ترجعي، ولا حتى تسامحيني.
بس عايزك تعرفي إنك كنتِ السبب إني أشوف عيوبي بوضوح.
ربنا يوفقك.
طويت الرسالة بهدوء.
الفرق المرة دي إني ما حسيتش بأي وجع.
بالعكس، ابتسمت.
لأنني عرفت إن الماضي أخيرًا بقى مجرد درس.
بعد أسبوع، حصل شيء ماكنتش متوقعاه.
كنت في مركز التدريب، ولقيت رجل كبير داخل يسأل عني.
قال
أنا والد شاب اسمه سامح.
أهلاً بحضرتك.
ابني كان فاقد الأمل، والمركز بتاعك غير حياته.
ابتسمت.
الحمد لله.
أخرج ظرفًا.
دي مساهمة من مجموعة رجال أعمال علشان توسعي المركز.
فتحت الظرف.
المبلغ كان كبيرًا جدًا.
قلت
بس أنا مش عايزة المشروع يتحول لحاجة تجارية بس.
قال
بالعكس، هما عايزينه يفضل بنفس فكرته.
في اللحظة دي فهمت إن الخير اللي عملته بدأ يرجع لي من مكان ما توقعتوش.
وبعد شهور، افتتحنا فرعًا جديدًا.
وفي حفل الافتتاح، وقف كريم على المسرح.
كان بقى شاب ناجح، وبدأ مشروعه الخاص.
قال قدام الناس
أستاذة ياسمين ما ادتنيش فلوس، ولا عملت لي واسطة.
هي بس صدقت إني أقدر.
الجملة أثرت فيا جدًا.
وقلت له بعد ما نزل من المسرح
أنا فخورة بيك.
ضحك وقال
وأنا فخور إنك بقيتي جزء من حياتي.
وفي آخر الحفل، وأنا خارجة، لقيت أحمد واقف بعيد.
ما قربش.
بس ابتسم من بعيد.
أنا كمان ابتسمت.
وبعدين كل واحد مشي في طريقه.
من غير حزن.
من غير ندم.
لأننا أخيرًا فهمنا إن مش كل نهاية لازم تتحول لبداية جديدة بين نفس الشخصين.
أحيانًا النهاية الصحية هي إن كل واحد يكمل حياته وهو شايل الدرس، مش الشخص.
ركبت عربيتي، وبصيت في المراية.
افتكرت ياسمين القديمة
الست اللي كانت بتدفع من فلوسها، وتسكت، وتتنازل، وتخاف من فكرة البداية من الصفر.
وبعدين بصيت لياسمين دلوقتي.
ست واقفة على رجليها.
بتشتغل.
بتساعد غيرها.
وعارفة قيمتها.
وقلت لنفسي
أنا ما خسرتش أحمد
أنا كسبت نفسي.
ومن يومها، بقى عندي مبدأ واحد
اللي يختارك بصدق، حافظ عليه.
واللي يستهين بيك، سيبه يمشي.
واللي يقف جنبك وقت ضعفك، خليه يشوف قوتك لما تقوم.
وهكذا انتهت حكاية ياسمين
لكن حياتها الحقيقية كانت لسه بتبدأ.
النهاية مرت أربع سنين، وياسمين بقت معروفة في مجالها، ومركز التدريب بقى له فروع في أكتر من محافظة.
وفي يوم، وهي بتراجع ملفات المتقدمين لمنحة جديدة، لفت نظرها اسم شاب
عمر محمود.
استغربت الاسم، لكن ما اهتمتش.
وفي اليوم التالي، دخل الشاب مكتبها.
كان في أوائل العشرينات، هادي ومحترم.
قال
أستاذة ياسمين، أنا جاي أشكرك.
على إيه؟
المنحة.
ابتسمت.
لسه ما بدأناش.
قال
بس حضرتك اخترتيني رغم إن إمكانياتي بسيطة.
إحنا بنختار الاجتهاد، مش الفلوس.
ابتسم.
وقبل ما يخرج، قال
ماما قالت لي إنك شبهها.
ضحكت.
شبه مين؟
قال
قالت إنك ست قوية ومش بتستسلم.
سكتُّ للحظة.
الجملة لمستني.
بعد أسبوع، حصل موقف غريب.
كنت خارجة من المركز، لقيت عربية واقفة قدام الباب.
نزل منها كريم.
ياسمين!
ابتسمت.
إيه المفاجأة دي؟
قال
جبت لك خبر.
خير؟
بابا قرر يبيع نص نصيبه في مشروعه ويحط الفلوس في صندوق لدعم الشباب.
ابتسمت.
خطوة كويسة.
وقال لي إنك أول واحدة اقترح اسمها لإدارة الصندوق.
اتوترت.
أنا؟
أيوه.
قلت
بس ليه؟
رد
لأنه شايف إنك أكتر حد يقدر يحافظ على الفكرة من غير ما يحولها لتجارة.
سكتُّ.
كان أحمد لأول مرة في حياتي بيثق في قراري من غير ما يحاول يتحكم فيه.
في المساء، اتصلت به.
كريم قالي على الصندوق.
قال
عرفتِ؟
أيوه.
أنا مش محتاج منك موافقة.
عارفة.
بس كنت عايز أعمل حاجة صح.
قلت
دي خطوة كويسة.
سكت.
ثم قال
ياسمين
نعم؟
أنا أخيرًا فهمت حاجة.
إيه؟
إن الاعتذار مش كلمة.
انتظرت.
الاعتذار إنك تفضل تصلح نفسك حتى لو الشخص اللي ظلمته مش هيرجع لك.
ابتسمت.
دلوقتي فهمت.
قال
متأخر.
ضحكت.
بس فهمت.
مرت سنة.
وأصبح الصندوق من أكبر المبادرات اللي بتساعد الشباب يبدأوا مشاريعهم.
وفي حفل التكريم السنوي، وقفت على المسرح.
قدامي مئات الشباب.
قلت
أنا زمان كنت فاكرة إن خسارة البيت معناها خسارة الأمان.
وسكتُّ لحظة.
لكن اكتشفت إن الأمان الحقيقي مش في جدران.
الأمان إنك تعرف إنك تقدر تبدأ من جديد.
الجمهور صفق.
وفي آخر الصف، شفت أحمد واقف.
ما كانش جاي لوحده.
كان معاه ابنه كريم.
والاتنين كانوا بيصفقوا.
ابتسمت لهم.
وبعدين كملت
وأهم حاجة ما تسمحوش لحد يقنعكم إن قيمتكم مرتبطة بفلوسكم، أو بمكانكم، أو برأي الناس فيكم.
قيمتكم في اللي بتعملوه لما الحياة تختبركم.
نزلت من على المسرح.
كريم قرب مني.
بابا بيقولك إن كلامك صح.
ضحكت.
قول له المرة دي سبقته.
ضحك.
ومشيت.
وفي آخر الليل، وأنا راجعة البيت، وصلتني رسالة قصيرة من أحمد
فخور بيك.
بصيت للرسالة.
وبعدين قفلت الموبايل.
مش لأن الكلام ما لمسنيش.
لكن لأنني أخيرًا وصلت لمرحلة ما بقيتش محتاجة إثبات من أي حد.
فتحت باب بيتي.
دخلت.
وقفت قدام المراية.
وابتسمت.
وقلت
يا ياسمين فاكرة اليوم اللي كنتِ خايفة تخرجي من بيتك؟
ضحكت.
لو كنتِ تعرفي وقتها الحياة اللي مستنياكي، كنتِ خرجتي وإنتِ بتضحكي.
قفلت النور.
ومن خلف الشباك كانت أنوار المدينة لسه شغالة.
وأنا لأول مرة
ما كنتش مستنية أي حد يفتح لي باب.
لأني كنت أنا اللي بقيت بفتح الأبواب لنفسي ولغيري.
النهاية بعد خمس سنين، كانت حياة ياسمين اتغيرت تمامًا.
الشركة بقت أكبر، ومركز التدريب بقى له فروع في محافظات مختلفة، ومبادرة دعم الشباب بقت بتساعد عشرات الأسر كل سنة.
لكن رغم النجاح، ياسمين كانت حاطة لنفسها قاعدة
ماضيها يفضل ماضيها.
وفي صباح يوم، دخلت عليها السكرتيرة وقالت
أستاذة ياسمين، فيه وفد من
تم نسخ الرابط