جوزى

لمحة نيوز

طويتها وحطيتها في درج بعيد.
مش كذكرى حب.
ولا كندم.
لكن كدليل على مرحلة انتهت.
رفعت رأسي وبصيت للمكتب اللي أنا بنيته بنفسي.
وابتسمت.
لأول مرة فهمت إن أحيانًا نهاية العلاقة مش نهاية الحياة
دي بتكون بداية الحياة الحقيقية مرت سنتين على طلاقي من أحمد.
مشروعي كبر، وبقيت عندي شركة صغيرة فيها أكتر من موظف، وبقيت أعيش حياتي بهدوء بعيد عن المشاكل.
لكن في صباح يوم، وأنا في المكتب، السكرتيرة دخلت وقالت
أستاذة ياسمين، فيه ست كبيرة بره عايزة تقابلك.
اسمها إيه؟
صفاء.
اتجمدت مكاني.
حماتي السابقة.
قلت
دخليها.
دخلت صفاء ببطء.
كانت مختلفة تمامًا عن الست اللي كانت واقفة في بيتي يومها.
هدومها بسيطة، وملامحها مرهقة.
قعدت قدامي وقالت
عارفة إنك مش عايزة تشوفيني.
مش صحيح.
بصتلي باستغراب.
أنا مش بحمل لك كراهية، يا طنط صفاء.
دمعت عينيها.
أنا ظلمتك.
سكتُّ.
قالت
كنت فاكرة إنك قوية علشان الفلوس اللي معاكي، وكنت دايمًا شايفة إن أحمد هو اللي بيصرف عليكِ.
ابتسمت بحزن.
هو نفسه كان فاكر كده.
هزت رأسها.
عرفت الحقيقة متأخر.
ثم أخرجت من شنطتها ملفًا.
جبت لك حاجة.
فتحت الملف.
لقيت صور مستندات قديمة.
قلت
دي إيه؟
قالت
أوراق تخص أحمد.
رفعت عيني لها.
ليه بتديهالي؟
لأن فيه حاجة حصلت بعد طلاقكم وأنا ماقدرتش أقولك عليها وقتها.
قلبي اتقبض.
إيه اللي حصل؟
تنهدت.
أحمد كان مخبي عنك موضوع مهم جدًا.
سألتها
موضوع إيه؟
قالت
قبل جوازكم، كان عليه دين كبير بسبب مشروع فاشل. ولما اتجوزك، كان بيحاول يسدد الدين من غير ما تعرفي.
سكتُّ.
طب إيه الجديد؟
قالت
الجديد إن جزء من الفلوس اللي كنتِ بتدفعيها لأهله كان أحمد بياخده منهم علشان يسدد الدين.
اتسمرت مكاني.
يعني فلوسي كانت بتروح لسداد ديونه؟
أيوه.
ثم أضافت
لكن فيه حاجة أهم.
فتحت ورقة.
كان عليها توقيع أحمد.
الورقة دي تثبت إنه كتب إقرار بكل المبالغ اللي أخدها منك، مش بس فلوس البيت.
قرأت الورقة أكثر من مرة.
قلت
ليه ما استخدمناهاش وقت الطلاق؟
قالت
لأنه وقتها كان خايف إن الموضوع يكبر، وأنا كنت غلطة عمري إني ساعدته يخبي الحقيقة.
سكتُّ طويلًا.
ثم قلت
وإنتِ عايزة مني إيه؟
قالت وهي بتبكي
ولا حاجة.
أمال ليه جيتي؟
علشان أقولك إني آسفة.
نظرت لها.
الاعتذار متأخر.
هزت رأسها.
عارفة.
ثم قامت.
وقبل ما تخرج، قالت
أحمد مش زي زمان.
وقفت.
يعني إيه؟
من بعد ما خسر كل حاجة، بدأ يتغير.
خرجت وسابتني.
في نفس اليوم، اتصلت بالمحامي.
قلت له
وائل، محتاجة أعرف قيمة المبالغ الموجودة في الإقرار ده.
رد
ابعتيهولي.
بعد نص ساعة اتصل بي.
ياسمين، الورقة دي مهمة جدًا.
قد إيه؟
المبلغ المكتوب فيها أكبر مما كنتِ متوقعة.
سكتُّ.
قال
لكن قبل أي إجراء، لازم نعرف هل أحمد فعلاً سدّد جزء منه أو لا.
قلت
اعمل كل الإجراءات القانونية.
بعد أيام، اتضح إن أحمد فعلًا كان عليه التزامات قديمة، لكنه سدد جزءًا كبيرًا منها.
والأغرب
إنه لم يستخدم كل الأموال التي أخذها مني لنفسه.
جزء منها فعلًا راح في ديونه.
وده ماكانش يبرر إنه أخفى الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت أعقد من الصورة اللي كنت شايفاها.
اتصلت به.
أول ما سمع صوتي، سكت.
قلت
أحمد، محتاجة أسألك سؤال.
اسألي.
ليه خبيت عليا كل ده؟
سكت طويلًا.
ثم قال
كنت خايف.
من إيه؟
أخسرك.
ضحكت بحزن.
وعملت كل حاجة تخليني أخسرك.
قال
عارف.
كان ممكن تحكي.
كنت فاكر إن الاعتراف هيخليني صغير في عينك.
قلت
الكذب هو اللي صغرك في عيني.
سكت.
ثم قال
أنا مش بطلب منك ترجعي.
كويس.
بس عايزك تعرفي إني ندمت.
قلت
الندم الحقيقي مش كلام.
عارف.
الندم إنك تصلح اللي تقدر عليه.
قال
وأنا بدأت.
قفلت المكالمة.
بعد ست شهور، وصلني خطاب.
كان من أحمد.
فتحته.
كتب فيه
أنا سددت كل المبالغ اللي قدرت عليها، وبدأت شغل جديد من الصفر. مش علشان أرجعك، لكن علشان أبقى إنسان أقدر أبص لنفسي في المراية من غير خجل.
ابتسمت.
وطويت الخطاب.
لكن المرة دي ما حطتهوش في درج بعيد.
حطيته في ملف صغير.
ملف اسمه
الحاجات اللي اتعلمتها.
لأن أهم درس اتعلمته من أحمد ماكانش عن الفلوس
كان عن نفسي.
اتعلمت إن الطيبة لازم يكون معاها وعي.
وإن الثقة مش معناها إنك تلغي عقلك.
وإن الإنسان ممكن يخسر علاقة
لكن ما ينفعش يخسر نفسه علشان يحافظ عليها.
وبعد سنتين من الطلاق، كنت واقفة في مكتبي قدام الشباك، وببص على الشارع.
رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت
ألو؟
جالي صوت شاب
أستاذة ياسمين؟
أيوه.
أنا كريم، ابن أحمد.
سكتُّ للحظة.
قال
بابا تعبان شوية، ومش عارف يقولك بنفسه.
قلبي اتقبض.
ماله؟
مش مرض خطير بس هو محتاج يتكلم معاكي.
سألته
ليه؟
قال
لأنه بيقول إن فيه حاجة واحدة لسه ما قالهالكش.
سكتُّ.
إيه هي؟
رد
قال إن يوم طلاقكم كان فيه سر تاني متعلق بالبيت.
وقتها حسيت إن كل حاجة بدأت من جديد.
لأنني كنت فاكرة إنني عرفت الحقيقة كلها
لكن واضح إن آخر ورقة في حكاية أحمد لسه ما اتفتحتش رجعت البيت وأنا طول الطريق بفكر في كلام كريم.
فيه سر تاني متعلق بالبيت.
إيه السر اللي ممكن يكون مستخبي لحد دلوقتي؟
تاني يوم الصبح، اتصلت بكريم.
والدك عامل إيه؟
أحسن.
طيب هو عايز يقابلني؟
أيوه.
اتفقنا نتقابل في مكان عام.
لما وصلت، لقيت أحمد قاعد لوحده.
كان شكله أكبر من سنه بكتير.
أول ما شافني، وقف.
شكرًا إنك جيتي.
قعدت قدامه.
قول اللي عندك.
طلع من شنطته ملف قديم.
حطه على الترابيزة.
فاكرة الشقة؟
طبعًا.
فيه حاجة ما كنتش عارف أقولها لك وقتها.
فتحت الملف.
لقيت عقد قديم، وإيصالات، وورقة مكتوبة بخط اليد.
رفعت عيني له.
إيه ده؟
قال
قبل جوازنا، أبويا كان داخل شراكة مع صاحب العقار.
وبعدين؟
حصلت مشكلة، والشراكة انتهت، لكن جزء من الملكية فضل مسجل بطريقة معقدة.
قلبت الورق.
يعني؟
يعني إن المبلغ اللي دفعتيه في الشقة ماكانش مجرد مساهمة.
سكتُّ.
إنتِ كنتِ شريكة في الملكية بنسبة أكبر مما كنتِ فاكرة.
بصيت له بدهشة.
إزاي؟
قال
أنا كنت عارف إن فيه ورق ناقص، لكن ما كنتش فاهم أهميته وقتها.
وإمتى فهمته؟
بعد الطلاق.
سكتُّ.
ثم قال
ولما فهمت، كان ممكن أقول إن الورق ضاع لكني ما عملتش كده.
بصيت له.
ليه؟
قال
لأن دي أول مرة في حياتي أعمل الصح حتى لو ضدي.
سكتنا شوية.
ثم قلت
والورق ده معناه إيه دلوقتي؟
معناه إن ليكي حق قانوني في جزء من قيمة العقار، مش بس المبالغ اللي دفعتيها.
اتصلت بالمحامي فورًا.
بعد ما شاف الأوراق، قال
لازم نراجع السجل الرسمي، لكن المستندات دي ممكن تغيّر الحسابات كلها.
بعد أسابيع من المراجعات، ظهرت الحقيقة.
الملكية كانت فعلًا مختلفة عن اللي كنت أعرفه.
والجزء الأكبر من المبلغ اللي دفعته كان مثبتًا.
وبدل ما أطالب أحمد بأي شيء شخصي، قررت أعمل اتفاق قانوني نهائي.
أخذت حقي.
وأنهيت كل الحسابات بيننا.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن أحمد رفض ياخد أي مبلغ إضافي كان من حقه في التسوية.
قال
خدي حقك كامل.
قلت
إنت محتاج الفلوس.
رد
زمان كنت محتاج الفلوس أكتر من كرامتي.
سكت.
دلوقتي عرفت إن الواحد ممكن يبدأ من الصفر، لكن ماينفعش يكمل وهو شايل ظلم في رقبته.
كانت أول مرة أسمع منه كلامًا بدون تبرير.
قلت
أتمنى تكون اتعلمت فعلًا.
ابتسم.
اتعلمت.
مرت شهور.
مشروعي كبر أكتر.
وبقيت أشارك في مبادرات لمساعدة الستات اللي بيتعرضوا لضغوط مالية أو أسرية، وأقول لهم دائمًا
احتفظوا بحقوقكم، واعرفوا قيمة نفسكم، ومتخلوش حد يقنعكم إنكم ضعفاء.
وفي يوم، كنت في المكتب، ودخل كريم.
كان ماسك شهادة نجاح.
قال
جبتها لك.
ضحكت.
دي إيه؟
نتيجة امتحاني.
بصيت للشهادة.
كان ناجح بتفوق.
فرحت له جدًا.
قلت
مبروك يا كريم.
قال
بابا قال إنك أكتر واحدة كان نفسه يشوفني ناجح.
سكتُّ.
ثم قلت
والدك لازم يفتخر بيك.
ابتسم.
هو بيفتخر.
وقبل ما يمشي، وقف وقال
بابا بيقولك شكرًا.
ابتسمت.
بلغه إني أتمنى له الخير.
بعدها بأيام، وصلني آخر خطاب من أحمد.
كان قصيرًا جدًا
ياسمين، زمان كنت فاكر إن البيت هو المكان اللي بنملكه. دلوقتي فهمت إن البيت الحقيقي هو المكان اللي الإنسان يحس فيه بالأمان. أنا خسرت بيت، لكن الأهم إني فهمت إزاي أبني نفسي من جديد. ربنا يوفقك.
قرأته مرة واحدة.
ثم وضعته في الملف.
وأغلقت الملف.
لكن المرة دي ماكانش فيه وجع.
كان فيه سلام.
وقفت قدام المراية.
وشفت نفس الست اللي دخلت الجواز وهي فاكرة إن التضحية معناها إنها تتحمل كل حاجة.
لكن الست اللي قدامي دلوقتي كانت مختلفة.
أقوى.
أهدى.
وأعرف بقيمتها.
وقلت لنفسي
الحمد لله إن الباب اتقفل علشان أعرف أفتح باب جديد.
ومن يومها، ما رجعتش أبص ورايا.
لأن أحيانًا
أكبر انتصار مش إنك تخلي اللي ظلمك يندم
أكبر انتصار إنك تعيش حياتك من غير ما تحتاج ندمه أصلًا.
النهاية مرت شهور بعد آخر لقاء بيني وبين أحمد، وكنت فاكرة إن حياتي أخيرًا دخلت مرحلة هدوء.
مشروعي كبر، وبقيت كل يوم أكتشف إن القرار اللي أخدته بالطلاق كان بداية حقيقية لحياة مختلفة.
وفي صباح يوم، وأنا في المكتب، دخلت السكرتيرة وقالت
أستاذة ياسمين، فيه راجل كبير بره بيسأل عنك.
اسمه إيه؟
قال اسمه حمدي.
الاسم كان غريب عليا.
قلت
دخليه.
دخل
تم نسخ الرابط