فرحة لم تكتمل كاملة بقلم مني السيد
دي فاكرة إني مأجل الخلفة عشان الظروف وما تعرفش إني مستني أمضيها على الشقة وأرميها بره...
عديت على مكان شغل جوزي، وفجأة اتسمرت مكاني على عتبة الباب...
كان قاعد بيأكد لصاحبه بكل ثقة إن فريدة خلاص هتتنازل له عن الشقة برضاها، وفي أقرب وقت.
بس اللي ما كانتش تعرفه فريدة وقتها... إن ورا موضوع الشقة سر أكبر بكتير من مجرد الطمع.
بدأت الحكاية لما فريدة اتعرفت على إبراهيم في معرض للفنون التشكيلية.
كان لقاء عادي جدًا.
كانت واقفة قدام لوحة كبيرة، بتحاول تفهم الرسمة اللي قدامها، لما سمعت صوت إبراهيم بيقول
أنا شايف إن الرسام كان يقصد الوحدة أكتر من الحزن.
بصت له فريدة وقالت بابتسامة
وأنا شايفة إنك بتحاول تبان فاهم.
ضحك إبراهيم، ومن هنا بدأت أول حكاية بينهم.
اكتشفوا إن بينهم اهتمامات مشتركة كتير. إبراهيم كان مثقف ولبق، كلامه هادي، وبيعرف يسمع أكتر ما بيتكلم. كان شغال مدير مبيعات في شركة تجارية، ودخله مستقر.
أما فريدة فكانت شغالة أخصائية تسويق في وكالة إعلانات، ومرتباتها كانت متوسطة، لكنها كانت مستقلة وبتعرف تعتمد على نفسها.
فضلوا يخرجوا مع بعض حوالي تمن شهور.
وفي يوم، إبراهيم وقف قدامها وقال
فريدة... أنا مش عايز أفضل أشوفك كده وخلاص. أنا عايزك تبقي مراتي.
فرحت فريدة جدًا.
كان ده جوازها الأول، وكانت مؤمنة إن إبراهيم هو الشخص اللي تقدر تبني معاه بيت هادي ومستقر.
الفرح كان بسيط.
الأهل والأصحاب القريبين، وقاعة صغيرة على النيل، من غير تكاليف مبالغ فيها ولا مظاهر زيادة.
بعد الفرح، إبراهيم نقل حاجته لشقة فريدة.
الشقة كانت تلات أوض وصالة في منطقة راقية في القاهرة، وكانت فريدة وارثاها عن جدتها قبل ما تعرف إبراهيم أصلًا.
الشقة كانت مكتوبة باسمها لوحدها.
وفي أول فترة، إبراهيم عمره ما اتكلم عن الموضوع.
لما فريدة قالت له مرة
مش مضايقك إن الشقة باسمي؟
ابتسم وقال
إحنا اتجوزنا عشان نعيش سوا، مش عشان كل واحد يحسب التاني هيملك إيه.
الكلام ده خلّى فريدة تحبه أكتر.
كانت شايفة إنه راجل مش مادي، وإن أهم حاجة عنده بيتهم وحياتهم.
السنة الأولى عدت هادية.
كانوا بيتعودوا على طباع بعض، يتكلموا عن شغلهم، يخرجوا يتمشوا، ويقضوا ليالي طويلة قدام التلفزيون.
لكن كان فيه حاجة واحدة فريدة نفسها فيها جدًا...
الخلفة.
كانت نفسها تبقى أم.
وفي كل مرة كانوا بيتعشوا فيها، كانت تفتح الموضوع.
إبراهيم... مش شايف إن الوقت جه نفكر في الأولاد؟
كان إبراهيم يسكت شوية، وبعدها يقول
لسه بدري.
بدري على إيه؟ إحنا متجوزين بقالنا سنة.
الشغل مش مستقر أوي. عايز أطمن على مستقبلنا الأول.
كانت فريدة بتسكت.
وتقول لنفسها
يمكن عنده حق.
لكن الأيام عدت، والظروف ما اتغيرتش.
كل ما تسأله، يظهر سبب جديد.
مرة يقول الشغل.
مرة يقول المصاريف.
مرة يقول إنه محتاج يغير وظيفته.
ومرة يقول
أنا مش عايز أخلف وأنا مش ضامن إن ابني يعيش مرتاح.
فريدة كانت بتحاول تفهمه.
لكن بعد فترة، بدأت تلاحظ حاجة غريبة.
كل مرة موضوع الخلفة يتفتح...
الكلام كان بينتهي عند الشقة.
في ليلة، كانت فريدة قاعدة جنبه وقالت
إبراهيم، هو إنت فعلًا مش عايز أطفال دلوقتي بسبب الفلوس؟
بص لها وسكت.
رد عليا.
تنهد وقال
أنا مش مرتاح إن أولادي يكبروا في بيت مش باسمي.
اتصدمت فريدة.
يعني إيه؟
يعني الشقة باسمك.
طب ما هي شقتنا!
دي شقتك إنتِ يا فريدة.
أنا عمري ما حسستك بكده.
عارف.
أمال إيه المشكلة؟
بص بعيد وقال
المشكلة مش فيكي.
أمال في إيه؟
سكت إبراهيم لحظات، وبعدين قال
في حاجات إنتِ لسه ما تعرفيهاش.
الجملة دي خلت قلبها يدق بسرعة.
حاجات إيه؟
لكنه قام من مكانه وقال
لما الوقت ييجي هقولك.
ومن يومها، بدأت فريدة تحس إن جوزها مخبي عنها حاجة.
مش عارفة إيه هي.
ومش عارفة ليه مرتبطة بالشقة.
لكنها كانت متأكدة من حاجة واحدة...
إبراهيم كان بيخبي سر.
مرت أسابيع، وضغطه عليها زاد.
وفي يوم قال لها
أنا مش عايز منك الشقة كلها.
أمال عايز إيه؟
نصي.
سكتت فريدة.
نص الشقة؟
آه.
وليه؟
قال بهدوء
عشان أحس إن ده بيتي أنا كمان.
فضلت فريدة طول الليل تفكر.
كانت بتحبه.
وكان نفسها يكون عندها طفل منه.
وفكرت إن التنازل عن نص الشقة ممكن ينهي المشكلة كلها.
يمكن لما يحس بالأمان، يبدأوا أخيرًا حياتهم كعيلة.
تاني يوم، أخدت إجازة من شغلها وراحت لمكتب محامية عشان تعرف الإجراءات.
شرحت لها إنها عايزة تنقل نص ملكية الشقة لزوجها.
المحامية شرحت لها الإجراءات بالتفصيل، وطلبت منها بعض الأوراق.
خرجت فريدة من المكتب وهي مبتسمة.
كانت متخيلة شكل إبراهيم لما يعرف.
كانت فاكرة إنه هيحضنها ويقول لها
إنتِ أحسن زوجة في الدنيا.
وبدل ما ترجع البيت...
قررت تروح له الشركة بنفسها.
كانت الساعة حوالي اتنين ونص الظهر.
وصلت للبرج الإداري اللي فيه شركة إبراهيم في المهندسين، وطلعت للدور التالت.
مشت في الممر لحد ما وصلت لمكتبه.
لكن قبل ما تدخل...
سمعت صوته.
كان بيتكلم مع واحد من زمايله.
وقفت عند الباب.
إبراهيم قال بصوت منخفض
هي هتوافق.
صاحبه سأله
وإنت متأكد؟
إبراهيم رد بثقة
فريدة بنفسها هتجيب الورق.
اتجمدت مكانها.
إيدها كانت لسه على مقبض الباب.
لكنها ما دخلتش.
صاحبه سأله
وبعد ما تمضي؟
سكت إبراهيم ثواني.
ثم قال
ساعتها هنقدر نبدأ المرحلة التانية.
قلب فريدة وقع من مكانه.
المرحلة التانية؟
إيه اللي كان إبراهيم مخطط له؟
وليه كان متأكد إنها هتتنازل؟
وقبل ما تسمع باقي الكلام...
سمعت صوت خطوات جاية ناحية الباب.
فريدة اتوترت، وبعدت بسرعة عن المكتب، ودخلت أقرب غرفة جانبية قبل ما حد يشوفها.
وقفت جوه الغرفة وهي حابسة نفسها.
وبعد ثواني، سمعت إبراهيم بيقول
المهم... محدش يعرف فريدة الحقيقة دلوقتي.
الحقيقة؟
أي حقيقة؟
وليه كل ده متعلق بالشقة؟
فريدة حطت إيدها على قلبها، ولأول مرة من يوم جوازها...
بدأت تشك إن الراجل اللي عاشت معاه سنة ونص...
مش الشخص اللي كانت فاكرة إنها تعرفه.
لكنها ما كانتش تعرف إن السر اللي إبراهيم مخبيه...
أكبر بكتير من موضوع الشقة فضلت فريدة واقفة جوه الغرفة الصغيرة، ضامة إيدها على بُقها عشان حتى نفسها ما يطلعش بصوت.
كانت سامعة خطوات إبراهيم وصاحبه في الممر.
صاحبه قال
بس إنت متأكد إنها مش هتشك؟
إبراهيم رد بسرعة
فريدة آخر واحدة ممكن تشك فيا.
الجملة دي وجعتها أكتر من أي حاجة.
إزاي ممكن يقول كده؟
هي اللي كانت واثقة فيه لدرجة إنها كانت مستعدة تتنازل عن نص ميراث جدتها عشان تطمنه!
بعد لحظات، سمعت باب المكتب بيتقفل.
فضلت مكانها كام دقيقة، وبعدين خرجت بهدوء.
بصت ناحية مكتب إبراهيم.
الباب كان مقفول.
رجعت خطوة لورا، وبعدها مشت في الممر وكأنها ما سمعتش حاجة.
ما كانتش عايزة تواجهه دلوقتي.
كانت محتاجة تفهم.
رجعت البيت قبل إبراهيم بساعتين.
دخلت أوضتها، وطلعت الأوراق اللي كانت جايباها من المحامية.
فضلت تبص عليها فترة طويلة.
من كام ساعة كانت شايفة الورق ده هدية لزوجها.
دلوقتي بقت شايفاه مفتاح لسر كبير.
مسكت تليفونها واتصلت بالمحامية.
ممكن أسألك سؤال؟
طبعًا يا فريدة.
لو أنا نقلت نص الشقة لحد... وبعد كده اكتشفت إن فيه حاجة غلط، أقدر أرجع في الموضوع؟
المحامية سكتت لحظة وقالت
لازم تاخدي بالك جدًا قبل أي توقيع. نقل الملكية مش خطوة بسيطة.
فريدة بلعت ريقها.
يعني لو لسه ما مضيتش، مفيش أي مشكلة؟
طبعًا. إنتِ لسه صاحبة القرار.
قفلت فريدة المكالمة، وحطت الأوراق في درج مكتبها وقفلت عليه بالمفتاح.
لأول مرة، قررت إنها مش هتقول لإبراهيم إنها راحت للمحامية.
ولا هتقول له إنها سمعت كلامه.
وفي الساعة السابعة مساءً، رجع إبراهيم البيت.
دخل وهو بيبتسم كعادته.
إزيك يا حبيبتي؟
بصت له فريدة وقالت
كويسة.
قرب منها وقبل رأسها.
تعرفي إني كنت بفكر فيكي طول اليوم؟
قلبها وجعها.
لأنها افتكرت الجملة اللي سمعته بيقولها في المكتب.
حاولت تتصرف طبيعي.
ليه؟
عشان موضوع الشقة.
سكتت.
ابتسم وقال
وصلتي لحاجة؟
فريدة بصت له بهدوء.
لسه.
وشه اتغير للحظة، لكنه رجع يبتسم.
خدي وقتك.
فريدة لأول مرة لاحظت إن إبراهيم كان مستعجل أكتر مما بيظهر.
سألته
إنت مستعجل أوي ليه؟
مش مستعجل.
بس كل شوية بتفتح الموضوع.
عشان مستقبلنا.
ومستقبلنا لازم يبدأ بملكية الشقة؟
سكت.
وبعد لحظة قال
أيوه.
فريدة ما ردتش.
في اليوم التالي، حصل شيء غريب.
كانت بتدور على عقد ملكية الشقة في دولاب قديم عند والدتها، لأنها احتاجت نسخة منه عشان المحامية.
وأثناء بحثها، لقت ظرف بني قديم مكتوب عليه بخط جدتها
لفريدة... بعد ما تكبر وتكون محتاجة تعرف.
إيدها اترعشت.
قعدت على الأرض وفتحت الظرف.
جواه كان فيه ورقة واحدة.
قرأت أول سطر...
واتسمرت.
الورقة كانت بتاريخ قبل وفاة جدتها بشهور.
وكان مكتوب فيها
يا فريدة، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة. وأنا عارفة إنك ممكن تستغربي ليه كتبت الكلام ده بدل ما أقولهولك وأنا عايشة...
فريدة كملت القراءة بسرعة.
لكن قبل ما توصل لنهاية الورقة، سمعت صوت المفتاح بيدور في باب الشقة.
إبراهيم رجع بدري!
خبّت الورقة بسرعة جوه الظرف، وحطته مكانه.
دخل إبراهيم الصالة، وناداها
فريدة؟
أيوه!
إنتِ فين؟
في الأوضة.
دخل عليها.
بص لها شوية، وبعدين قال
كنتِ بتدوري على حاجة؟
قلبها دق.
آه... على