دى فاكره
المحتويات
مجهزها، يفتكر وش فريدة وهي بتمزق الأوراق قدامه.
وفي اليوم السابع، رجع للشقة.
لكن بدل ما يدخل بمفرده، وقف قدام الباب مستني.
لما فتحت فريدة، مد لها مفتاح الشقة.
قال
ده مفتاحي.
استغربت.
وبعدين؟
أنا هخرج من الشقة.
إبراهيم
مش عشان أضغط عليكي، بالعكس. أنا عايزك تعرفي إن الشقة بتاعتك، وإن وجودي فيها مش حق مكتسب.
ثم أضاف
ولو قررتي تنهي الجواز، مش هطالبك بحاجة.
فريدة بصت له طويلاً.
لأول مرة شافته من غير حجج ولا أعذار.
قالت
ولو سامحتك؟
رفع عينه.
هبدأ معاكي من الصفر.
ومن غير خلفة دلوقتي.
من غير خلفة.
ومن غير ما تتكلم عن الشقة.
ولا كلمة.
ومن غير ما تعتبرني ضمان لمستقبلك.
قال إبراهيم
إنتِ مش ضمان مستقبلي إنتِ المفروض تكوني شريكتي.
سكتت فريدة.
وبعد لحظات قالت
ادخل.
دخل إبراهيم، لكنه لم يحاول الاقتراب منها.
مرت الشهور التالية بشكل مختلف.
بدأوا يتكلموا بصراحة عن الفلوس، وعن الخوف، وعن المستقبل.
إبراهيم اعتذر أكثر من مرة، لكن الأهم إنه بدأ يثبت اعتذاره بأفعاله.
وبعد سنة تقريبًا، في ليلة هادئة، كانت فريدة قاعدة على السفرة.
حطت قدام إبراهيم ظرف صغير.
فتح الظرف، فلقى صورة تحليل حمل.
رفع عينيه إليها والدموع في عينيه.
فريدة؟
ابتسمت وقالت
المرة دي القرار كان بينا إحنا الاتنين.
إبراهيم ماصدقش نفسه.
لكن فريدة رفعت إيدها وقالت
استنى قبل ما تفرح.
ضحك وسط دموعه
في إيه؟
عايزة منك وعد.
أي وعد.
إن ابننا أو بنتنا لما يكبر، عمره ما يسمع منك إن البيت أهم من أهله.
ضم إبراهيم يدها وقال
وعد.
وبعد شهور، اتولد طفلهم.
وفي اليوم اللي رجعوا فيه البيت، وقفت فريدة عند باب الشقة، وبصت لإبراهيم والطفل بين إيديه.
قالت
فاكر اليوم اللي كنت عايز نص الشقة؟
ابتسم بحرج
فاكره.
دلوقتي عرفت إن البيت مش نصين.
بص لإبنه وقال
أيوه البيت بيتقسم بين أهله بالحب، مش بالملكية.
ومن يومها، بقت الشقة اللي كانت سبب أكبر خلاف بينهم، هي نفسها المكان اللي اتعلموا فيه أهم درس
الزواج مش إنك تضمن حقك من شريكك الزواج إنك تكون مطمّن إن شريكك عمره ما هيحاول ياخد منك حقك.
وانتهت حكاية فريدة وإبراهيم، مش لأنهم ما غلطوش
لكن لأنهم عرفوا يصلحوا الغلط قبل ما يتحول لندم عمر كامل مرت تلات سنين على اليوم اللي اتولد فيه ابنهم آدم.
الشقة اللي كانت زمان سبب أكبر خلاف بينهم، بقت مليانة ألعاب وضحك وصوت خطوات طفل صغير بيجري من أوضة لأوضة.
فريدة كانت واقفة في المطبخ بتحضر الغدا، وفجأة سمعت صوت إبراهيم بيناديها
فريدة! تعالي بسرعة!
خرجت وهي قلقة
في إيه؟
إبراهيم كان واقف جنب آدم، وفي إيده ورقة.
قال
آدم جابها من درج المكتب.
فريدة قربت، ولما شافت الورقة اتجمدت.
كانت نسخة من عقد ملكية الشقة.
بصت لإبراهيم باستغراب
إنت محتفظ بالعقد ده ليه؟
ابتسم وقال
عشان أفتكر أسوأ غلطة عملتها في حياتي.
فريدة سكتت.
إبراهيم فتح درج تاني وطلع ظرف قديم.
بس في حاجة تانية لازم تعرفيها.
فتحت الظرف.
كان فيه إيصال تحويل بنكي.
فريدة قرأت المبلغ، وبعدين رفعت عينيها
إيه ده؟
من تلات سنين، لما خرجت من البيت، كنت حاسس إني ظلمتك. بدأت أحوش جزء من مرتبي كل شهر.
ليه؟
عشان لو في يوم حصل لي حاجة، يكون عندك ولآدم مبلغ يكفيكم. مش مقابل الشقة ولا مقابل أي حاجة.
فريدة بصت له والدموع لمعت في عينيها.
إنت عملت كل ده من غير ما تقولي؟
كنت عايز المرة دي أعمل حاجة صح من غير ما أطلب منك أي مقابل.
آدم جري عليهم وقال
ماما! بابا! أنا عايز ألعب!
ضحكوا الاتنين.
لكن في نفس اللحظة، رن جرس الباب.
إبراهيم فتح.
كان المحامي القديم واقف ومعاه رجل في الخمسينات.
قال المحامي
آسف إني جيت من غير موعد، لكن لازم فريدة تعرف حاجة مهمة.
فريدة قربت.
حاجة إيه؟
المحامي أشار للرجل.
ده الأستاذ سامح وهو الشخص اللي كان اسمه موجود في النزاع القديم على الشقة.
فريدة اتفاجئت.
بس حضرتك قلت إن الموضوع انتهى!
الرجل ابتسم وقال
انتهى فعلًا لكن في سبب إني جيت النهارده.
طلع من جيبه ظرف قديم وسلمه لفريدة.
الظرف ده كان عند والدتك من سنين، واتسلّم لي بالغلط. وأنا فضلت محتفظ بيه لحد ما قدرت أوصلك.
فتحت فريدة الظرف.
جواها رسالة بخط جدتها.
بدأت تقرأ
يا فريدة لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى إنتِ كبرتي وبقيتي قادرة تختاري طريقك بنفسك. أهم حاجة أوصيكي بيها إنك ما تسمحيش لأي حد يخليكي تحسي إن اللي ورثتيه هو قيمتك. البيت مجرد حيطان لكن قيمتك في قلبك وعقلك واختياراتك.
فريدة دموعها نزلت.
وبصت لإبراهيم.
ابتسم وقال
جدتك كانت عارفة اللي إحنا احتجنا سنين عشان نفهمه.
ضمّت فريدة الرسالة لصدرها.
لكن وهي بتقرا آخر سطر، اتغيرت ملامحها فجأة.
كان مكتوب
وفي حاجة تانية لازم تعرفيها عن والدك
رفعت فريدة عينيها بصدمة.
بابا؟
وساد الصمت في البيت.
لأن الرسالة اللي بدأت بكلام عن الشقة
كانت على وشك تكشف سر قديم عن عيلة فريدة كلها فريدة فضلت باصة للسطر الأخير، وإيدها بدأت ترتعش.
عن بابا؟!
إبراهيم قرب منها
اقري الباقي.
فريدة أخدت نفس عميق، وكملت الرسالة.
يا فريدة، أبوكي ماكانش سبب في ضياع حقك، بالعكس. قبل ما يتوفى، كان حريص إن الشقة تفضل باسمك، ورفض يبيعها رغم الضغوط اللي اتعرض لها.
فريدة رفعت عينيها بدهشة.
كانت طول عمرها فاكرة إن والدها كان مجرد رجل بسيط مات بدري، وإن جدتها هي اللي اهتمت بالشقة وسجلتها باسمها.
لكن الرسالة كانت بتكشف إن الموضوع أعمق.
كملت القراءة
كان أبوكي عارف إن في ناس من العيلة طمعانين في الشقة، وعشان كده كتب وصية واضحة إن ملكيتها تفضل ليكي وحدك لما تكبري.
فريدة حطت الرسالة على الترابيزة.
يعني بابا هو اللي حماني؟
المحامي هز رأسه
أيوه. وده السبب اللي خلّى النزاع القديم ينتهي. والدك كان موثق كل حاجة قانونيًا.
فريدة دموعها نزلت.
أنا طول عمري فاكرة إنه سابني ومشي
إبراهيم مسك إيدها
يمكن هو ماكانش موجود بجسمه، بس واضح إنه فضل حاميكي حتى بعد موته.
فريدة ابتسمت وسط دموعها.
لكن الرجل اللي جاء مع المحامي قال
في حاجة أخيرة.
الكل بص له.
طلع ورقة تانية.
دي كانت آخر ورقة كتبها والدك بخط إيده.
فتحتها فريدة.
وكان مكتوب
لو بنتي فريدة قرأت الورقة دي، أتمنى تكون اختارت الشخص اللي يحبها هي، مش اللي يحب البيت اللي معاها.
فريدة شهقت.
بصت لإبراهيم.
ولأول مرة ماحستش بالخوف من فقدان الشقة.
حست إنها فهمت الرسالة الحقيقية اللي والدها كان عايز يوصلها.
قال إبراهيم بهدوء
أبوك كان عنده حق.
فريدة ابتسمت
وأنا كمان أخيرًا فهمت.
في اللحظة دي، آدم جري عليهم وهو ماسك لعبة صغيرة
ماما، بابا تيجوا نلعب؟
ضحكوا.
فريدة قامت ومسحت دموعها.
يلا يا حبيبي.
وقبل ما تخرج من الصالة، وقفت لحظة وبصت للشقة.
المكان اللي كان زمان سبب خوف وخلاف وشك
بقى دلوقتي بيت حقيقي.
مش عشان الحيطان.
ولا عشان الملكية.
لكن عشان الناس اللي جواه.
وبعد ما خرجوا يلعبوا مع آدم، إبراهيم وقف للحظة قدام صورة قديمة لجدتها ووالدها.
وقال بصوت منخفض
اطمنوا عليها أنا فهمت الدرس.
ومن يومها، ماحدش في البيت جاب سيرة الشقة كأنها ملك أو نصيب.
بقت مجرد مكان جمع عيلة اتعلمت إن أغلى حاجة ممكن يملكها الإنسان مش العقار لكن الثقة اللي لو ضاعت، أصعب من أي خسارة إنها ترجع.
النهاية بعد مرور خمس سنين، كان آدم بقى عنده سبع سنين، وفريدة وإبراهيم
متابعة القراءة