عندنا غادرت البلاد
إنه مات أو سافر... لكن من يوم المكان ده، بابا اتغير تمامًا.
إزاي؟
بقى شخص تاني. قليل الكلام، عصبي، ورفض يتكلم عن الفترة دي.
سألتها ليان
وإنتِ كنتِ تعرفي إن ياسر كان بيروح هناك؟
لأ.
طب إزاي عرفتي المكان؟
أخرجت نور هاتفها.
لأن بابا كان عنده مفتاح للمكان.
فتحت صورة قديمة.
ظهر فيها مبنى صغير في منطقة صناعية قديمة.
قالت
ده هو.
نظرت ليان إلى الصورة.
كان نفس المبنى الموجود في العنوان.
بعد ساعة، كانت ليان ونور وآدم وسامح يقفون أمام المبنى.
كان مهجورًا من الخارج.
بوابة حديدية صدئة.
نوافذ مكسورة.
ولا توجد أي حركة.
قال سامح
أنا هدخل الأول.
لكن آدم أوقفه.
استنى.
ثم نظر إلى ليان.
خليكي ورايا.
قالت
أنا مش طفلة.
ابتسم رغم توتره.
عارف.
فتح سامح الباب الجانبي بمفتاح قديم كانت نور قد أحضرته.
دخلوا.
كانت رائحة المكان ثقيلة.
صناديق مكدسة.
أوراق قديمة.
وأثاث مغطى بالتراب.
قالت نور
أنا أول مرة أدخل هنا من سنين.
تقدمت ليان.
شعرت بشيء غريب.
كأن المكان ينتظرهم.
ثم لاحظت بابًا صغيرًا في نهاية الممر.
هناك.
ذهب آدم إليه.
كان الباب مقفلًا.
أخرجت ليان المفتاح الذي أعطتها إياه نور.
أدخلته.
فتح الباب.
كانت الغرفة صغيرة.
وفي منتصفها مكتب خشبي.
فوق المكتب جهاز تسجيل قديم.
قال سامح
واضح إن ياسر كان هنا.
اقتربت ليان.
كان هناك ورق فوق المكتب.
قرأته
لو وصلتوا هنا، يبقى لازم تعرفوا إن اللي حصل لياسر بدأ من هنا.
توقفت نور.
هو كتب اسمه.
قال آدم
كملي.
أخذت ليان الورقة.
كانت هناك خريطة صغيرة مرسومة باليد.
وفي أسفلها ثلاثة أسماء
ياسر.
آدم.
والد نور.
قالت نور
ليه اسم آدم هنا؟
نظر الجميع إليه.
قال آدم
مش عارف.
لكن سامح لم يقتنع.
ياسر كان بيكتب أسماء الناس اللي قابلهم هنا.
قالت ليان
يعني آدم قابل والد نور هنا؟
أجاب آدم
مرة واحدة.
إمتى؟
قبل اختفاء ياسر.
وكنت بتقول إنك قابلته في مكتبك.
صمت آدم.
فهمت ليان فورًا.
إنت كنت بتقابله هنا كمان؟
قال آدم
أيوه.
ليه خبيت ده؟
لأن ياسر طلب مني.
غضبت ليان.
كل حاجة ياسر طلب منك تخبيها عني!
قال آدم
لأن الموضوع كان أكبر مني ومنه!
سكتت.
ثم قالت
طيب احكي.
تنفس آدم بعمق.
قبل اختفاء ياسر بأسبوع، قابلت والد نور هنا.
نور نظرت إليه.
بابا؟
أيوه.
ليه؟
كان عايز يقابل ياسر.
قالت ليان
وإنت كنت موجود ليه؟
ياسر طلب مني أكون موجود.
وقال إيه؟
إن في أوراق قديمة تخص مشروع والدك ووالد نور.
تدخل سامح
الأوراق اللي اتزور فيها توقيع ياسر.
أومأ آدم.
بالضبط.
سألت ليان
ووالد نور كان عايز إيه؟
كان بيقول إنه اكتشف إن شريكه القديم اتظلم.
نظرت نور إلى ليان.
يعني والدك؟
قال آدم
هو ما اتهمش والد ليان.
أمال مين؟
شخص ثالث.
ساد الصمت.
قالت ليان
مين؟
لم يجب آدم.
لأن صوتًا جاء من خلفهم
أنا.
التفت الجميع.
كان رجل يقف عند باب الغرفة.
كان في الستينيات من عمره.
وجهه مألوف.
نظرت إليه نور.
ثم شهقت
بابا؟
كان والد نور يقف أمامهم.
لكنه لم يبدُ غاضبًا.
بل بدا منهكًا.
قال
كان لازم تعرفوا الحقيقة من زمان.
اندفعت نور نحوه.
إنت عايش طول السنين دي وتستخبى مننا؟
أجاب بصوت منخفض
أنا ما كنتش مختفي.
أمال كنت فين؟
بحاول أصلح حاجة كان لازم تتصلح من عشرين سنة.
تقدمت ليان.
وإيه علاقتك بياسر؟
نظر إليها مباشرة.
أخوكي عرف الحقيقة.
حقيقة إيه؟
إن الحادث القديم ماكانش سببه أنا ولا والدك.
سأل آدم
أمال مين؟
أخرج الرجل ورقة من جيبه.
الشخص اللي كان مسؤول عن كل ده... كان أقرب لنا مما تتخيلوا.
أعطى الورقة لليان.
نظرت إليها.
ثم اتسعت عيناها.
كان عليها اسم واحد.
اسم لم يكن في الصورة.
اسم لم يكن في ملفات ياسر.
اسم لم يخطر على بالها طوال السنوات الماضية.
رفعت رأسها ببطء.
لكن قبل أن تنطق، قال والد نور
ياسر اكتشف إنه كان بيتعامل مع الشخص ده من غير ما يعرف حقيقته.
ثم أضاف
ولما عرف... كان فات الأوان.
وضعت ليان يدها على فمها.
يعني ياسر كان عارف إنه في خطر؟
أيوه.
وكان عارف مين السبب؟
كان عنده شك قوي.
ليه ما قالش؟
لأنه كان بيحاول يجمع الدليل الأخير.
سأل آدم
والدليل موجود فين؟
نظر الرجل إلى جهاز التسجيل القديم.
هنا.
ضغط على زر التشغيل.
خرج صوت ياسر من التسجيل
لو التسجيل ده اشتغل، يبقى أنا ما قدرتش أرجع. لكن أهم حاجة لازم تعرفوها... الشخص اللي بتدوروا عليه مش والد نور، ومش والد ليان، ومش آدم.
توقفت ليان عن التنفس.
ثم تابع صوت ياسر
الشخص ده كان قريب مني طول الوقت...
انقطع التسجيل.
صرخت نور
ليه التسجيل وقف؟
اقترب سامح من الجهاز.
الملف ناقص.
قال آدم
يعني باقي التسجيل موجود في مكان تاني.
هز والد نور رأسه.
أيوه.
فين؟
نظر إلى ليان.
وقال
ياسر خبّى الجزء الأخير في المكان الوحيد اللي كان متأكد إن محدش هيدور فيه.
سألته
فين؟
أجاب
بيتكم.
تجمدت ليان.
بيتنا؟
أيوه.
ثم أضاف جملة جعلت قلبها يهبط
وتحديدًا في غرفة والدك رجعت ليان إلى بيت عائلتها قبل الفجر.
كان البيت هادئًا، لكن قلبها لم يكن كذلك.
دخلت غرفة والدها، وبدأت تبحث في المكان الذي وصفه والد نور.
وبعد دقائق، لاحظت شيئًا غريبًا خلف خزانة قديمة.
كان هناك صندوق صغير مخبأ داخل تجويف في الحائط.
أخرجته.
فتحته بالمفتاح الذي تركه ياسر.
في الداخل كان هناك هاتف قديم، وذاكرة إلكترونية، ومظروف يحمل اسمها.
فتحت المظروف.
كانت آخر رسالة من ياسر
ليان، لو وصلتي هنا، يبقى الحقيقة ظهرت أخيرًا.
أنا ما متّش بسبب حد من عيلتنا، وما كانش في خيانة، ولا نور ولا آدم كانوا سبب في أي حاجة.
آدم كان بيحاول يحميكي، ونور كانت بتحاول تساعدني أوصل للحقيقة.
أنا كنت ببحث في حادث قديم حصل من سنين، واكتشفت إن الشخص المسؤول كان بيزور مستندات ويخفي أدلة.
ولما قربت أوصل له، حاول يخوفني عشان أوقف.
لكن اللي حصل لي في الوادي كان حادثًا حقيقيًا.
الأرض انهارت فجأة، وأنا ما قدرتش أهرب.
لو كنتِ بتقري الكلام ده، فمتخليش حزنك يخلّيكي تشكي في الناس اللي وقفوا جنبك.
وأهم حاجة...
ما تعيشيش حياتك وأنتِ مستنية حد يختارك.
اختاري نفسك.
انهمرت دموع ليان.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات، شعرت أن أخاها عاد إليها.
ليس بجسده...
لكن بكلماته.
بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.
تمكنت الشرطة من استخدام الملفات التي تركها ياسر لإعادة فتح التحقيق في قضية التلاعب القديمة، وثبت أن الشخص المسؤول عن تزوير المستندات وإخفاء الأدلة كان أحد الموظفين السابقين في المشروع، وليس أي فرد من عائلة ليان أو عائلة نور.
أما حادث ياسر، فثبت أنه كان انهيارًا أرضيًا حقيقيًا.
لم يكن هناك قاتل.
ولا مؤامرة.
ولا خيانة.
فقط شاب كان يحاول كشف حقيقة قديمة، وانتهى به الأمر ضحية حادث مأساوي.
أما نور، فبقيت إلى جانب ليان.
وفي يوم، قالت لها
أنا آسفة إني كنت السبب في إنك بعدتي.
ابتسمت ليان.
إنتِ ما كنتيش السبب.
أمال مين؟
نظرت ليان إلى السماء.
أنا كنت محتاجة أمشي عشان أعرف نفسي بعيد عن آدم.
احتضنتها نور.
ولسه بتحبيه؟
سكتت ليان طويلًا.
ثم قالت
يمكن.
وهتدي له فرصة؟
ابتسمت.
مش عارفة.
بعد عدة أيام، جاء آدم إلى بيت ليان.
لم يحمل وردًا.
ولم يحمل هدية.
وقف أمامها فقط.
قال
ياسر كان عنده حق.
في إيه؟
إنه كان شايف إنك لازم تختاري بنفسك.
سكت قليلًا.
ثم قال
وأنا مش جاي أطلب منك ترجعي تحبيني.
نظرت إليه.
أمال جاي ليه؟
جاي أقولك إن المرة دي القرار قرارك.
ابتسمت ليان.
لأول مرة لم تشعر بالخوف من كلامه.
آدم...
أيوه؟
أنا مش البنت اللي سافرت من تلات سنين.
ابتسم.
عارف.
ومش هقبل أكون اختيار احتياطي لأي حد.
ولا أنا عايزك تكوني كده.
ولو في يوم قررت أديك فرصة، هتبقى عشان أنا عايزة، مش عشان ياسر طلب منك تحميني.
أومأ آدم.
وأنا مستعد أستنى.
نظرت إليه للحظات.
ثم ابتسمت.
المرة دي... أنا اللي هقرر إمتى أرجع.
ابتسم آدم.
وأنا هكون هنا.
دخلت ليان إلى البيت وأغلقت الباب.
ثم رفعت عينيها إلى صورة ياسر المعلقة على الحائط.
ابتسمت وسط دموعها وقالت
خلاص يا ياسر... المرة دي هعيش لنفسي.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد ليان الفتاة التي تركت وطنها وهي تحمل قلبًا مكسورًا.
عادت امرأة تعرف قيمتها، وتعرف أن الحب الحقيقي لا يُبنى على الانتظار ولا على التضحية بالنفس.
أما آدم، فلم يعد الرجل الذي تنتظر منه كلمة.
بل أصبح رجلًا يعرف أن عليه أن يثبت حبه كل يوم.
وبينما بدأت ليان صفحة جديدة من حياتها، بقيت صورة ياسر أمامها تذكيرًا دائمًا بأن بعض الأشخاص يغادرون حياتنا...
لكنهم يتركون خلفهم ما يكفي لنجد طريقنا من جديد.