عندنا غادرت البلاد

لمحة نيوز

دفع المكتبة قليلًا.
صدر صوت احتكاك.
ظهرت خلفها فتحة صغيرة في الحائط.
حدقت ليان فيها.
عمرها ما كانت بتبان.
قال آدم
ياسر كان شاطر في الحاجات دي.
مدت يدها داخل الفتحة.
تحسست صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
سحبته.
وضعته على الأرض.
كان مغلقًا بقفل صغير.
نظرت إلى المفتاح في يدها.
ثم أدخلته.
صدر صوت نقرة.
وانفتح الصندوق.
في الداخل...
لم يكن هناك مال.
ولا مجوهرات.
ولا أوراق ملكية.
كان هناك ظرف أبيض.
وفوقه اسم واحد
ليان.
مدت يدها ببطء.
لكن قبل أن تفتح الظرف، لاحظت شيئًا آخر داخل الصندوق.
صورة قديمة جدًا.
كانت ليان وياسر وآدم يقفون أمام البيت.
لكن خلف الصورة كان مكتوبًا بخط ياسر
الحقيقة بدأت قبل ما تتخيلي...
توقفت أنفاس ليان.
ونظرت إلى آدم.
حقيقة إيه؟
هذه المرة لم يجبها.
لأنه لم يكن يعرف.
فتحت ليان الظرف بيد مرتجفة.
وكانت أول جملة قرأتها
أختي ليان... لو بتقري الرسالة دي، يبقى لازم تعرفي إن اختفائي ماكانش مجرد حادث.
توقفت.
وسقطت الورقة من يدها.
رفع آدم رأسه بسرعة.
وفي اللحظة نفسها، سمعا صوت سيارة تتوقف أمام البيت.
ثم صوت باب سيارة يُغلق بقوة.
نظر آدم إلى ليان.
إحنا مش لوحدنا تجمدت ليان في مكانها.
كان صوت خطوات يقترب من الباب الخارجي.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم توقف كل شيء.
همس آدم
اقفلي الصندوق.
ليه؟
مش عارف مين بره.
أغلقت ليان الصندوق بسرعة، وأمسكت بالظرف.
وضع آدم إصبعه أمام فمه.
ثم أطفأ المصباح.
وقفت ليان بجواره في الظلام، وقلبها يخبط بعنف.
مرّت ثوانٍ طويلة.
ثم سمعا صوت مقبض الباب يتحرك.
مرة.
مرتين.
لكن الباب لم يُفتح.
قال صوت رجل من الخارج
أنا عارف إن حد جوه.
نظرت ليان إلى آدم.
همس
ما تتكلميش.
جاء الصوت مرة أخرى
ليان... أنا مش جاي أأذيكي.
اتسعت عيناها.
هو عارف اسمي.
أشار آدم لها أن تظل صامتة.
لكن الرجل تابع
وأنا عارف إن ياسر ساب لكِ رسالة.
تقدمت ليان خطوة.
أمسك آدم بذراعها.
استني.
قال الرجل
لو قريتي الرسالة قبل ما تعرفي باقي الحقيقة، ممكن تفهمي كل حاجة غلط.
صرخت ليان من خلف الباب
إنت مين؟
ساد الصمت.
ثم جاء الرد
واحد كان آخر شخص شاف ياسر قبل الحادث.
تجمدت ليان.
أما آدم، فتغير وجهه تمامًا.
اقترب من الباب.
اسمك إيه؟
رد الرجل
سامح.
نظر آدم إلى ليان.
سامح مين؟
جاء الرد
سامح اللي كان بيشتغل مع ياسر في مشروع الإنقاذ.
فتحت ليان الباب ببطء.
كان رجل في منتصف الأربعينيات يقف أمامهما، يرتدي معطفًا قديمًا ويحمل حقيبة جلدية.
لم يدخل.
اكتفى بالنظر إلى ليان.
إنتِ أخته؟
أومأت.
أيوه.
نظر إلى آدم.
وإنت آدم؟
أيوه.
تنفس سامح بعمق.
كويس إنكوا مع بعض.
قالت ليان
ليه؟
لأن اللي هقوله مش سهل.
ثم أخرج من حقيبته ملفًا سميكًا.
ياسر ماكانش لوحده يوم الحادث.
اقتربت ليان.
كان معاه مين؟
كان معاه شخص تاني.
سأله آدم
مين؟
هز سامح رأسه.
مش هقدر أقول اسمه هنا.
ليه؟
لأن الشخص ده لسه موجود.
سكت الجميع.
شعرت ليان بقشعريرة.
موجود فين؟
نظر سامح إليها مباشرة.
قريب منك أكتر مما تتخيلي.
ابتلعت ريقها.
إنت بتخوفني ليه؟
أنا مش بحاول أخوفك.
فتح الملف وأخرج صورة.
مدها إليها.
كانت الصورة مظلمة، ويظهر فيها ياسر واقفًا بجوار سيارة.
وبجانبه شخص آخر، لكن وجهه لم يكن واضحًا.
قال سامح
الصورة دي اتصورت قبل الحادث بساعات.
أمسكت ليان الصورة.
قلبتها.
وكان خلفها تاريخ ووقت.
نظرت إلى آدم.
ده نفس اليوم.
أومأ.
ثم قال سامح
وفي حاجة أهم.
أخرج ورقة أخرى.
دي آخر مكالمة خرجت من هاتف ياسر.
نظرت ليان إلى الرقم.
لم يكن رقم آدم.
ولم يكن رقم نور.
ولم يكن رقم أي شخص تعرفه.
لكنها عندما قرأت الاسم المكتوب بجانب الرقم، شعرت بأن الدم انسحب من وجهها.
كان الاسم
والدها.
رفعت رأسها ببطء.
بابا؟
قال سامح
المكالمة دي حصلت قبل الحادث بحوالي عشر دقايق.
قال آدم
مستحيل.
ليه؟
لأن والد ليان كان في المستشفى وقتها.
نظر سامح إليه.
أنا عارف.
ساد الصمت.
قالت ليان
يعني إيه؟
أجاب سامح
يعني إن الرقم اللي ظهر على هاتف ياسر باسم والدك... ماكانش رقم والدك.
ارتاحت قليلًا.
لكن سامح أكمل
حد كان بيستخدم رقم تاني، وحاطط اسم والدك عليه.
شعرت ليان أن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا.
طب ليه ياسر كلمه؟
هو ماكلمش الشخص ده.
أمال؟
الشخص ده هو اللي اتصل بياسر.
تدخل آدم
وقال له إيه؟
خفض سامح عينيه.
ما أعرفش.
إزاي؟
لأن ياسر خرج من السيارة بعد المكالمة مباشرة.
وبعدها؟
بعدها حصل الانهيار.
صمتت ليان.
ثم تذكرت الرسالة.
أخرجت الورقة من جيبها.
ياسر كتب إن اختفاؤه ماكانش مجرد حادث.
نظر سامح إلى الورقة.
وتغير وجهه.
إنتِ فتحتي الصندوق؟
أومأت.
أيوه.
كان لازم تستني.
ليه؟
لأن الرسالة دي مش أول رسالة كتبها ياسر.
حدقت فيه.
يعني إيه؟
أخرج سامح ظرفًا آخر من حقيبته.
دي الرسالة الأصلية.
توقفت ليان.
الأصلية؟
أيوه.
مد الظرف إليها.
كان اسمها مكتوبًا عليه بخط ياسر.
لكن أسفل الاسم كانت هناك جملة قصيرة
ما تثقيش في أي حد هيحاول يقولك إن ياسر مات بسبب حادث.
رفعت ليان عينيها.
وقبل أن تتمكن من فتح الظرف، دوى صوت ارتطام قوي من خارج المنزل.
انتفض الجميع.
نظر آدم نحو النافذة.
ثم قال
حد دخل من الباب الخلفي.
أمسك سامح حقيبته.
لازم نمشي.
قالت ليان
لأ.
نظر إليها.
إيه؟
رفعت الرسالة.
أنا مش ههرب تاني.
ثم فتحت الظرف.
وقرأت أول سطر.
فتغير وجهها تمامًا.
كان ياسر قد كتب
ليان... الشخص اللي لازم تخافي منه مش غريب عن عيلتنا ظلت ليان تحدق في السطر الأخير.
الشخص اللي لازم تخافي منه مش غريب عن عيلتنا.
أعادت قراءة الجملة مرة ثانية.
ثم ثالثة.
يعني إيه مش غريب عن عيلتنا؟
لم يجبها أحد.
كان آدم ينظر إلى سامح.
أما سامح فكان شاردًا وكأنه يحاول اتخاذ قرار صعب.
قالت ليان
إنت عارف مين؟
رفع سامح عينيه إليها.
عندي شك.
مين؟
مش هقول قبل ما أتأكد.
انفعلت
أخويا مات! وإنت بتقول عندك شك وعايز تستنى؟
قال آدم بهدوء
ليان، اسمعيه.
التفتت إليه.
إنت كمان عارف حاجة؟
سكت.
اقتربت منه.
آدم، بص في عيني وقولي إنك ما تعرفش.
رفع عينيه إليها.
أنا عارف إن ياسر كان قلقان من حاجة قبل الحادث.
إيه؟
كان بيقول إن في حد بيحاول يضغط عليه عشان يسلّم مستندات تخص شغله.
مستندات إيه؟
ماعرفش.
قال سامح
لأ، إنت عارف أكتر من كده.
نظر إليه آدم بغضب.
إنت مالك؟
لأن ياسر اتصل بيك قبل الحادث بيوم.
سألت ليان بسرعة
اتصل بيك؟
أومأ آدم.
أيوه.
وقال لك إيه؟
قال إنه اكتشف إن في خطأ في بعض ملفات مشروع الإنقاذ.
خطأ؟
أيوه.
سأل سامح
وإنت ما قلتش ليها؟
رد آدم
ياسر طلب مني ما أقولش لحد.
حتى أخته؟
خصوصًا أخته.
نظرت ليان إليه بحزن.
ليه؟
قال آدم
لأنه كان خايف عليكِ.
صمتت.
ثم قالت
وإنت وافقت تخبي عني؟
أيوه.
حتى بعد ما اختفى؟
خفض آدم عينيه.
كنت فاكر إن الموضوع مجرد مشكلة شغل وهتتحل.
تدخل سامح
لكنها ما اتحلتش.
فتح حقيبته وأخرج ملفًا.
بالعكس، كل ما دورت أكتر، اكتشفت إن ياسر كان قريب جدًا من الحقيقة.
وضعت ليان الرسالة على الطاولة.
طب ليه كتب إن الشخص ده من العيلة؟
قال سامح
لأن ياسر كان بيشك في شخص معين.
مين؟
تردد.
ثم أخرج صورة صغيرة.
وضعها أمام ليان.
كانت صورة لعائلتها منذ سنوات.
والدها.
والدتها.
ياسر.
ليان.
وشخص آخر.
شهقت ليان.
عمي؟
أومأ سامح.
ياسر كان بيعتقد إن عمك عنده علاقة بالموضوع.
هزت ليان رأسها بسرعة.
مستحيل.
قال آدم
ياسر نفسه ماكانش متأكد.
يبقى ليه كتب الكلام ده؟
لأنه كان عايزك تعرفي إن الخطر ممكن يكون من شخص قريب.
جلست ليان.
كان عقلها يرفض تصديق أي شيء.
عمها كان أكثر شخص وقف بجوار الأسرة بعد اختفاء ياسر.
كان يزور والدتها.
يساعد والدها.
حتى أنه دفع جزءًا من تكاليف البحث.
كيف يمكن أن يكون هو؟
قالت ليان
لازم نعرف الحقيقة.
أومأ سامح.
عشان كده جبت الملف.
فتح الملف.
كانت بداخله صور ومستندات وتقارير.
وبين الأوراق، وجدت ليان صورة لوثيقة تحمل توقيع ياسر.
تأملتها.
ثم قالت
التوقيع ده مش توقيعه.
رفع آدم رأسه.
متأكدة؟
أيوه.
إزاي؟
لأن ياسر كان بيكتب حرف الياء في اسمه بطريقة معينة.
أشارت إلى الورقة.
هنا مختلف.
نظر سامح إليها بإعجاب.
كنت مستني حد من العيلة يلاحظ.
قالت ليان
يعني حد زوّر توقيعه؟
غالبًا.
سألت
وليه؟
قبل أن يجيب، جاء صوت من الخارج.
هذه المرة كان واضحًا.
صوت سيارة تبتعد بسرعة.
اندفع آدم نحو النافذة.
لكنه لم يرَ سوى أضواء السيارة وهي تختفي في آخر الشارع.
قال سامح
لازم نتحرك.
دلوقتي؟
أيوه.
رايحين فين؟
أغلق الملف.
مكان ياسر كان بيستخدمه قبل اختفائه.
قالت ليان
فين؟
نظر إليها.
مخزن قديم تابع لمشروع الإنقاذ.
سأل آدم
وإيه اللي فيه؟
مش عارف.
ثم أضاف
لكن ياسر ترك لي رسالة قبل الحادث وقال إن لو حصل له شيء، لازم أرجع للمخزن وأدور على صندوق معدني.
أخذت ليان معطفها.
وأنا جاية معاكم.
حاول آدم الاعتراض.
ليان، المكان ممكن يكون خطر.
نظرت إليه بثبات.
أخويا ترك لي رسالة ليا.
ثم أمسكت بالصندوق.
المرة دي مش هسيب حد يقرر بدالي.
بعد حوالي نصف ساعة، وصل الثلاثة إلى المخزن.
كان مهجورًا تقريبًا.
دخلوا بحذر.
كانت هناك صناديق قديمة وأدوات إنقاذ مغطاة بالغبار.
أضاء سامح مصباح هاتفه.
ياسر كان بيقول إن الصندوق موجود تحت الأرض.
بحثوا عدة دقائق.
ثم صرخ آدم
هنا!
كان هناك لوح خشبي يبدو مختلفًا عن باقي الأرضية.
رفعوه.
ظهرت حفرة صغيرة.
وفي داخلها صندوق معدني.
أخرجته ليان.
كان مغلقًا.
هذه المرة لم يكن معه مفتاح.
قال سامح
ياسر قال لي إن الصندوق هيفتح بكلمة.
كلمة إيه؟
ما قالش.
جلست ليان أمام الصندوق.
فكرت.
ثم تذكرت شيئًا.
كانت هناك جملة ياسر يكررها دائمًا عندما كانا صغيرين.
لو الدنيا كلها وقفت ضدك، افتكري إن أخوكي واقف وراكي.
قالت ليان الكلمة بصوت منخفض.
وراكي.
صدر صوت طقة.
وانفتح الصندوق.
نظر الثلاثة إلى الداخل.
كانت هناك مجموعة ملفات، وقرص تخزين صغير، وصورة حديثة.
التقطت ليان الصورة.
كان ياسر واقفًا أمام مبنى لم تره من قبل.
لكن الشيء الذي جعل يدها ترتجف لم يكن المبنى.
بل الشخص الواقف بجواره.
حدقت في الصورة طويلًا.
ثم قالت
أنا أعرف الشخص ده.
اقترب آدم.
نظر إلى الصورة.
وتغير وجهه.
مستحيل.
سأله سامح
مين؟
لم يرد آدم.
كانت عيناه مثبتتين على الصورة.
قالت ليان بصوت مرتجف
ده الشخص اللي كان موجود مع ياسر قبل الحادث.
ثم قلبت الصورة.
كان مكتوبًا خلفها تاريخ قبل اختفاء ياسر بأسبوع.
وتحت التاريخ جملة واحدة
آدم يعرفه... لكنه لا يعرف لماذا.
ساد الصمت.
رفعت ليان عينيها إلى آدم.
مين الراجل ده؟
ظل آدم صامتًا.
ثم قال أخيرًا
أعتقد إني لازم أحكيلك حاجة حصلت قبل اختفاء ياسر بثلاثة أيام.
وقبل أن يكمل، سمعوا صوت خطوات تقترب من باب المخزن.
مرة أخرى...
لم يكونوا وحدهم حدقت ليان في الصورة وكأنها تحاول إجبار ذاكرتها على تذكّر شيء نسيته منذ سنوات.
والد نور.
الرجل الذي كانت تعرفه منذ طفولتها.
الرجل الذي كان يحضر مناسبات عائلتها.
والد صديقتها المقربة.
قالت
تم نسخ الرابط