عندنا غادرت البلاد
عندما اكتشفت ليان أن آدم سيتزوج نور، صديقتها المقربة، لم تبكِ أمام أحد.
ولم تذهب إليه لتطالبه بتفسير.
مزقت طلب متابعة دراستها العليا، واشترت تذكرة ذهاب فقط إلى سياتل، وقررت أن تأخذ معها السنوات السبع التي قضتها وهي تحاول إقناع قلبها بأن انتظار آدم كان يستحق.
وقبل أن تقلع الطائرة، لم يتوقف هاتفها عن الاهتزاز.
آدم
ليان، لا تتصرفي باندفاع. عودي.
أنا محتاج أشرح لكِ موضوع الخطوبة.
أجيبي على الهاتف، أرجوكِ.
ظلت تحدق في الشاشة طويلًا.
ثم أغلقت الهاتف.
يا لها من مفارقة!
طوال سبع سنوات، كانت هي التي تخفي مشاعرها وتنتظر منه كلمة واحدة تجعلها تشعر بأنها أهم من مجرد أخت صغيرة يعرفها منذ طفولتها.
وطوال سبع سنوات، كان آدم يقول لها الجملة نفسها
بالنسبة لي، أنتِ مثل أختي.
لكن الآن سيتزوج نور.
نور نفسها، صديقتها المقربة.
والأسوأ أن ليان لم تكن تستطيع حتى أن تغضب منها.
فنور لم تخدعها.
هي فقط وقعت في حب رجل اختاره قلبها.
أما آدم، فكان قد اتخذ قراره بنفسه.
قبل رحيل ليان بأشهر قليلة، كانت عائلتها تعيش واحدة من أصعب فترات حياتها.
ياسر، شقيق ليان الأكبر، اختفى بعد انهيار أرضي ضخم أثناء مهمة إنقاذ في منطقة جبلية.
لم يتمكن رجال الإنقاذ من الوصول إليه.
بحثوا عنه أيامًا طويلة.
ثم أسابيع.
ثم أشهر.
لكن لم يجدوا شيئًا.
وبينما كانت العائلة تعيش على أمل أن يكون ياسر قد نجا بطريقة ما، أصبحت نور أكثر شخص ينهار أمام ليان.
كانت تحبه.
وكان الجميع يعرف ذلك.
لكن آدم، الذي كان صديقًا مقربًا لياسر منذ سنوات، ظل يقف بجانب العائلة في كل خطوة.
كان يذهب مع والد ليان إلى مركز الشرطة.
يتابع أخبار فرق البحث.
يساعد والدتها في إنهاء الأوراق.
ويطمئن نور عندما كانت تنهار.
وفي إحدى الليالي، جلست ليان معه أمام منزلها.
قالت بصوت متعب
آدم، أنت الوحيد اللي لسه بتحاول.
ابتسم بحزن.
ياسر صاحبي. ومش هسيبه.
نظرت إليه طويلًا.
ثم سألت السؤال الذي كانت تخشاه
ولو مارجعش؟
صمت آدم.
ولم يعرف ماذا يقول.
وبعد أيام، حدث شيء لم تتوقعه ليان.
قال لها آدم
أنا هتجوز نور.
شعرت ليان وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.
نور؟
أيوه.
ليه؟
تنفس ببطء.
لأنها محتاجة حد يقف جنبها. وأنا وعدت ياسر قبل ما يختفي إني مش هسيب عيلته.
خفضت ليان عينيها.
كانت تعرف أن آدم لم يقل ذلك ليؤذيها.
لكن الكلمات آلمتها أكثر من أي إهانة.
وأنت بتحبها؟
سكت آدم للحظات.
ثم قال
نور إنسانة كويسة. وأنا شايف إننا نقدر نبني حياة محترمة ومستقرة.
لم تسأله ليان أكثر.
فهي فهمت.
لم يكن يحبها.
ولم يكن هناك ما يمكنها فعله لتغيير ذلك.
في صباح اليوم التالي، ألغت طلب الدراسات العليا الذي كانت قد تقدمت به في بلدها، وحجزت رحلة إلى سياتل.
لم تخبر آدم بموعد الرحلة.
ولم تخبر نور إلا قبل مغادرتها بساعات.
احتضنتها نور وهي تبكي.
ليان، متسيبينيش.
ردت ليان بابتسامة باهتة
أنا مش بهرب منكِ.
أمال بتهربي من إيه؟
نظرت ليان إلى عينيها.
من نفسي.
ثم رحلت.
مرت ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات لم تعرف فيها عائلتها عنها سوى رسائل قصيرة بين الحين والآخر.
لم تعد تتحدث مع آدم.
ولم تسأل عن زواجه.
ولم تعرف إن كان تم أم لا.
كانت تحاول أن تبني حياة جديدة.
عملت، درست، تعرفت على أشخاص جدد، وتعلمت أن تستيقظ صباحًا دون أن يكون أول شيء تفكر فيه هو آدم.
ثم في أحد أيام الشتاء، وصلها اتصال قلب حياتها مرة أخرى.
كان والدها.
صوته كان مختلفًا.
ليان...
توقفت عن الحركة.
بابا؟
لقينا ياسر.
لم تستوعب الجملة.
إيه؟
لقينا رفاته.
أغلقت عينيها.
وبدأت دموعها تنزل دون أن تشعر.
بعد ثلاث سنوات من الانتظار، عاد اسم شقيقها إلى بيتهم.
لكن ليس كما تمنوا.
حجزت أول رحلة متاحة إلى بلدها.
هذه المرة لم تكن تهرب.
كانت عائدة لتودع أخاها.
عندما خرجت من المطار، كان أول شخص رأته هو آدم.
كان واقفًا بجوار سيارة سوداء.
بدلة داكنة.
معطف ثقيل.
والوجه نفسه الذي طارد أحلامها لسنوات.
لكنه بدا أكثر إرهاقًا.
عندما رآها، ثبت مكانه للحظات.
ثم تقدم نحوها.
ليان.
واصلت السير.
مد يده نحو حقيبتها.
سيبيها، أنا هشيلها.
سحبت الحقيبة منه بهدوء.
شكرًا.
تأمل وجهها.
والدتك مستنياكي في دار الجنازة.
عارفة.
العربية بره.
هاخد تاكسي.
ليان...
توقفت.
نظر إليها آدم وكأنه يبحث عن الفتاة القديمة في عينيها.
أنا عارف إنك مش عايزة تشوفيني، بس أنا وعدت والدك إني أوصلك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أنا مش زعلانة منك يا آدم.
ارتاح وجهه قليلًا.
ثم أكملت
بس إحنا مش زي زمان.
ساد الصمت.
قال بصوت منخفض
عارف.
ثم نظر إلى حقيبتها.
على الأقل خليني أوصلك.
هذه المرة لم ترفض.
وصلوا إلى دار الجنازة.
كانت والدتها جالسة في الداخل، وحين رأت ليان، نهضت بصعوبة واحتضنتها.
انهارت ليان بين ذراعيها.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات، سمحت لنفسها أن تبكي.
وحشتيني يا ماما.
وإنتِ وحشتيني يا بنتي.
جلس والدها بجوارهما.
كان يبدو أكبر من عمره بكثير.
قال
ياسر رجع لنا أخيرًا.
لم تجبه ليان.
كانت تنظر إلى صورة أخيها الموضوعة أمامها.
ابتسمت وسط دموعها.
كنت عارف إنك هترجع.
بعد انتهاء مراسم الدفن، طلب منهم أحد المحققين الحضور إلى غرفة جانبية.
قال
في متعلقات شخصية تم العثور عليها مع الرفات.
وضع أمامهم عدة أكياس شفافة.
ساعة قديمة.
مفاتيح.
محفظة.
سلسلة صغيرة.
وهاتف محطم.
اقتربت ليان من الهاتف.
ده بتاع ياسر؟
أومأ المحقق.
أيوه.
ثم أضاف
الهاتف تعرض لتلف شديد، لكن المختبر قدر يستخرج جزء من البيانات.
تغير وجه والدها.
بيانات إيه؟
صور وبعض الملفات الصوتية.
نظرت ليان إلى آدم.
كان واقفًا في الخلف، صامتًا.
ضغط المحقق على الكمبيوتر.
ظهرت عدة ملفات.
ثم قال
فيه تسجيل صوتي اتسجل قبل الحادث بحوالي عشرين دقيقة.
تجمدت ليان.
تسجيل؟
أيوه.
شغل المحقق الملف.
في البداية لم يُسمع سوى صوت المطر وضوضاء الطريق.
ثم جاء صوت ياسر.
كان متوترًا، لكنه لم يكن غاضبًا.
آدم، اسمعني كويس... لو حصل لي أي حاجة، متخليش أمي تعرف الحقيقة بالطريقة الصعبة.
تجمد آدم في مكانه.
رفعت ليان رأسها.
ثم جاء صوت ياسر مرة أخرى
والحاجة اللي طلبتها منك... أوعدني إنك هتعملها.
انقطع التسجيل فجأة.
نظر الجميع إلى آدم.
أما هو فظل صامتًا.
سألته ليان
إيه الحاجة اللي كان بيكلمك عنها؟
رفع آدم عينيه إليها.
ولأول مرة منذ عودتها، رأت في وجهه شيئًا لم تره من قبل.
خوفًا.
لكن ليس خوف شخص انكشف سره.
بل خوف شخص يحمل وعدًا ثقيلًا ظل يخفيه عن الجميع ثلاث سنوات.
قال آدم بهدوء
كان لازم أقولك من زمان.
اقتربت ليان خطوة.
تقول لي إيه؟
تنفس آدم بعمق.
ياسر قبل ما يختفي... سلّمني حاجة.
صمت للحظات.
ثم قال
وطلب مني ما أديهاش لحد غيرك.
نظرت ليان إليه بدهشة.
ليه أنا؟
لم يجب آدم.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
ووضعه أمامها.
لأن المفتاح ده... أخوك كان سايبه ليكي.
نظرت ليان إلى المفتاح.
وعلى الفور، شعرت بأن عودتها لم تكن مجرد عودة لدفن شقيقها.
كان هناك شيء آخر تركه ياسر خلفه.
شيء ظل آدم يحمله طوال ثلاث سنوات.
وشيء لم تكن ليان تعرف أنه سيغيّر كل ما ظنته عن السنوات الماضية ظلت ليان تحدق في المفتاح الصغير وكأنها تخشى أن تلمسه.
إيه ده؟
قال آدم
مش عارف بالضبط.
رفعت عينيها إليه باستغراب.
إنت بتقول إن ياسر سلّمهولك من تلات سنين، ومش عارف بيفتح إيه؟
هو قالي ما أفتحهش.
وما سألتوش ليه؟
سألته.
سكت آدم لحظة، ثم أضاف
لكنه قالي لو أنا رجعت، هقولهالك بنفسي. ولو ما رجعتش... هتدي المفتاح لليان.
قبضت ليان على المفتاح.
وكان عايزني أعمل إيه بيه؟
قال إنك هتعرفي لما تشوفي المكان.
رفعت حاجبها.
أي مكان؟
أخرج آدم ورقة مطوية من جيبه.
فتحها ووضعها أمامها.
كانت صورة قديمة لمبنى صغير في طرف المدينة.
ليان حدقت فيها لثوانٍ.
ثم اتسعت عيناها.
ده بيت جدي!
أومأ آدم.
بالضبط.
بس البيت ده اتباع من زمان.
لا.
نظرت إليه.
إزاي لا؟
البيت ما اتباعش.
ساد الصمت.
تدخل والدها
آدم... إنت بتقول إيه؟
نظر آدم إليه.
ياسر اشترى البيت قبل اختفائه بشهور.
شهقت ليان.
ياسر؟
أيوه.
ليه؟
ما أعرفش.
ثم أضاف
لكنه كان بيروح هناك لوحده كتير.
شعرت ليان بقشعريرة.
طوال حياتها، كان بيت جدها القديم مجرد مكان مهجور في ذاكرة العائلة.
بعد وفاة الجد، ظن الجميع أنه بيع، ولم يسأل أحد عنه مجددًا.
لكن ياسر كان يخفي شيئًا هناك.
شيئًا ترك مفتاحه لأخته.
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل الجميع.
لم تستطع النوم.
وضعت المفتاح فوق الطاولة وظلت تنظر إليه.
كانت هناك أسئلة كثيرة تدور في رأسها.
لماذا اشترى ياسر البيت؟
لماذا أخفى الأمر عن العائلة؟
ولماذا اختار آدم ليحتفظ بالمفتاح؟
وقبل كل شيء...
ما الذي كان ياسر يريد أن تعرفه؟
سمعت طرقًا على الباب.
كان آدم.
جاهزة؟
نظرت إليه.
إنت هتيجي معايا؟
أيوه.
ليه؟
لأن ده وعد قطعته لياسر.
لم تجبه.
أخذت معطفها وخرجت.
كان الطريق إلى البيت القديم هادئًا.
لم يتحدث أي منهما في البداية.
حتى قالت ليان
اتجوزت نور؟
تغيرت ملامح آدم.
لا.
نظرت إليه بسرعة.
ليه؟
لأن الخطوبة ما كملتش.
سكتت.
ثم قالت
أنا كنت فاكرة إنكم اتجوزتم.
عارف.
ليه ما حدش قالي؟
ابتسم آدم بحزن.
لأنك ما كنتيش بتردي.
خفضت ليان عينيها.
كنت محتاجة أبعد.
عارف.
ما كنتش عايزة أعرف حاجة.
وعشان كده ما حاولتش أضغط عليكِ.
نظرت إليه.
ونور؟
نور عرفت إن قرار الجواز كان غلط.
يعني فسختوا الخطوبة؟
أيوه.
بسبب ياسر؟
هز آدم رأسه.
لأ.
ثم سكت قليلًا.
بسبب إننا فهمنا إن الحزن مش سبب كفاية إن اتنين يتجوزوا.
كانت تلك أول مرة تشعر فيها ليان أن آدم لم يتخذ قراره تجاه نور بسبب حب أو خيانة أو أي شيء مما كانت تتخيله.
لقد كان يحاول فقط الوفاء بوعد قطعه لصديقه.
وصلوا إلى البيت.
كان الباب مغطى بطبقة سميكة من الغبار.
أخرجت ليان المفتاح.
أدخلته في القفل.
دار بسهولة.
انفتح الباب.
تبادلا النظرات.
دخل آدم أولًا.
ثم تبعته ليان.
كان المكان مظلمًا، ورائحته تحمل خليطًا من الخشب القديم والغبار.
شغّل آدم المصباح.
تجولت ليان بعينيها في الغرفة.
كل شيء كان قديمًا.
لكن هناك شيء لفت انتباهها.
صورة معلقة على الحائط.
صورة لها ولياسر عندما كانا طفلين.
اقتربت منها.
وجدت خلفها ورقة صغيرة.
نزعتها.
وكان مكتوبًا عليها بخط ياسر
ليان، لو وصلتي هنا، يبقى أنا ما قدرتش أرجع.
ارتجفت يدها.
فتح آدم فمه ليتحدث.
لكنها رفعت يدها.
سيبني أقرأ.
تابعت
عارف إنك هتسألي ليه خبيت البيت عنكم.
وعارف إنك هتزعلي مني.
لكن كان لازم أتأكد إن الحاجة دي تفضل في مكان محدش يعرف عنه.
قلبت ليان الورقة.
كانت هناك جملة أخيرة
دوري على الغرفة اللي كنا بنستخبى فيها وإحنا صغيرين.
رفعت ليان رأسها.
الغرفة السرية.
ابتسم آدم لأول مرة.
فاكرها.
نظرت إليه.
أنا كمان.
كان هناك جزء من البيت كان الأطفال يختبئون فيه قديمًا، خلف مكتبة كبيرة.
اتجها إليه.
أبعد آدم بعض الصناديق.
ثم