فندق طليقى
فندق طليقي والفاتورة التي قلبت الموازين
قرر زوجي السابق طارق أن يقيم حفل زفافه في الفندق الذي أملكه.
ولم تكن مصادفة.
كان يريد أن يستعرض أمام الجميع، ويثبت لي ولعائلته أنه ما زال صاحب نفوذ، وأن الطلاق لم يغيّر شيئًا من مكانته.
كان زواجه هذه المرة من فتاة اسمها سارة، اختارت أن يكون الحفل في أفخم قاعة بالفندق.
أما أنا، نورة، فكنت أراقب كل شيء من مكتبي بهدوء.
قبل سنوات، كان طارق يظن أن نجاحي مرتبط به، وأنني لن أستطيع الوقوف على قدمي بعد انفصالنا.
قال لي يوم الطلاق بثقة
نورة، أنتِ مش هتقدري تكملي من غيري.
لم أجادله.
فقط ابتسمت وقلت
الأيام هي اللي هتثبت.
ومرت الأيام.
بدأت من جديد، وأسست شركتي، ثم توسعت أعمالي حتى تمكنت من شراء الفندق وإعادة افتتاحه باسم جديد.
وفي يوم زفاف طارق، قرر أن يطلب أغلى قائمة طعام لدينا.
كانت تسمى
وليمة الكرم العالي.
وكان سعرها خمسمائة ألف ريال.
لم أتدخل.
قلت لمديري دانيال
جهزوا له كل شيء كما طلب.
سألني
والفاتورة؟
أجبته بهدوء
بعد انتهاء الحفل، قدمها له كاملة.
نظر إليّ مترددًا.
فقلت
ولو حاول يطلب تسجيلها على حسابه، ضع جهاز الدفع أمامه.
ابتسم دانيال.
وصلت الرسالة.
طوال الحفل، كان طارق يتصرف وكأن الفندق ملكه.
كان يخبر المدعوين
أنا أعرف إدارة الفندق من زمان، والأمور هنا سهلة.
وكان يضحك بثقة، بينما سارة بجواره سعيدة بالحفل.
لم أشعر بالغيرة ولا الغضب.
كنت فقط أريد أن أعرف شيئًا واحدًا
هل تغيّر طارق فعلًا؟
بعد انتهاء الحفل، جاء دانيال ومعه الفاتورة.
وضعها أمام طارق وقال
مبروك يا أستاذ طارق، وهذه فاتورة الحفل.
نظر طارق إلى الورقة دون اهتمام.
ثم أخرج قلمه الفاخر وقال
سجلها على حسابي كالمعتاد.
لكن دانيال وضع جهاز الدفع أمامه.
آسف يا أستاذ طارق، لكن الدفع لازم يتم
تغير وجه طارق.
يعني إيه؟
دي تعليمات إدارة الفندق.
ضحك طارق بسخرية.
أنت عارف بتكلم مين؟
أجابه دانيال بهدوء
طبعًا.
إذن اتصل بالمالكة.
قال دانيال
المالكة موجودة بالفعل.
رفع طارق رأسه بسرعة.
فين؟
نظر دانيال إلى أعلى القاعة وقال
في مكتبها.
التفت طارق نحو الشرفة.
كنت واقفة هناك.
لثوانٍ، لم يتحرك أحد.
نظر إليّ طارق بدهشة.
ثم قال
نورة؟!
ابتسمت بهدوء.
مساء الخير يا طارق.
تجمد مكانه.
إنتِ مالكة الفندق؟
أيوه.
نظر حوله وكأنه يحاول استيعاب الأمر.
ثم قال بغضب
إنتِ عملتي كل ده علشاني؟
نزلت الدرج ببطء حتى وقفت أمامه.
وقلت
لا يا طارق.
ثم نظرت إلى الفاتورة.
أنا عملت الفندق علشاني.
ساد الصمت.
تابعت
أما موضوع الفاتورة، فدي ببساطة قيمة الخدمة اللي حضرتك طلبتها.
قال بعصبية
أنا كنت متوقع معاملة مختلفة!
ابتسمت.
وده بالضبط الفرق بين زمان ودلوقتي.
صمت طارق.
ثم قال
زمان كنتِ بتحتاجيني.
هززت رأسي.
زمان كنت فاكرة إنك شريك حياتي، فكنت بحترمك وأثق فيك.
ثم أضفت
لكن النهارده أنت مجرد عميل في فندقي.
نظر الجميع إلى بعضهم في صمت.
مدّ دانيال جهاز الدفع مرة أخرى.
الدفع يا أستاذ طارق.
ظل طارق واقفًا للحظات، ثم أخرج بطاقته.
وقبل أن يدفع، قال لي
إنتِ اتغيرتي.
أجبته
لا.
ابتسمت بثقة.
أنا بس عرفت قيمتي.
تمت عملية الدفع.
ثم حمل طارق هاتفه وغادر القاعة دون كلمة أخرى.
أما أنا، فعدت إلى مكتبي.
وفي صباح اليوم التالي، وصلني بريد إلكتروني من طارق.
كان يحتوي على جملة واحدة
ممكن نتكلم؟
نظرت إلى الشاشة قليلًا.
ثم أغلقت الرسالة دون رد.
لأن بعض الأبواب لا تحتاج إلى أن تُغلق بعنف...
يكفي فقط ألا نفتحها مرة أخرى في اليوم التالي، وصلتني رسالة طارق مرة أخرى.
نورة، محتاج أقابلك ضروري.
لم أرد.
بعد ساعة وصلت رسالة ثانية
الموضوع
ابتسمت وأنا أقرأها.
كنت أعرف طارق جيدًا؛ عندما يقول إن الموضوع ليس عن المال، يكون المال غالبًا في منتصف الموضوع.
بعد دقائق، اتصل دانيال.
سيدة نورة، طارق موجود في الاستقبال.
رفعت عيني عن الأوراق.
بيقول إيه؟
بيقول إنه عايز يقابلك خمس دقائق.
قلت بهدوء
خليه يطلع.
بعد دقائق، طرق باب مكتبي.
دخل طارق، لكن الرجل الذي أمامي لم يكن نفس الشخص الذي وقف بالأمس أمام مائة مدعو يتفاخر بنفوذه.
كان هادئًا، متوترًا، وملامح التعب واضحة على وجهه.
جلست وأشرت إلى الكرسي.
اتفضل.
جلس وقال
أنا جاي أعتذر.
لم أتكلم.
تابع
أنا غلطت في حقك كتير.
ظللت صامتة.
وكنت فاكر إن نجاحي هو اللي خلاني قوي.
ثم ابتسم بحزن.
لكن الحقيقة إنك كنتِ شريكة حقيقية، وأنا ماقدرتش أشوف ده وقتها.
قلت
ليه بتقول الكلام ده دلوقتي؟
خفض عينيه.
لأن بعد اللي حصل امبارح، اكتشفت إن ناس كتير حواليا كانوا بيحترموني بسبب الصورة اللي رسمتها لنفسي.
سكت قليلًا ثم قال
لكن لما احتجت أقف لوحدي... اكتشفت إني ماكنتش قوي زي ما كنت فاكر.
نظرت إليه بهدوء.
وأنا؟
رفع عينيه.
إنتِ أثبتِ إنك كنتِ أقوى مني من البداية.
لم أشعر بالانتصار.
بالعكس، شعرت أنني أخيرًا أغلقت صفحة قديمة.
قلت
طارق، أنا مش عايزة منك ندم، ولا اعتذار، ولا حتى تقدير.
سألني
أمال عايزة إيه؟
أجبته
عايزة كل واحد فينا يكمل حياته من غير ما يحاول يقلل من التاني.
ظل صامتًا.
ثم وقف.
فاهم.
وقبل أن يخرج، التفت وقال
بس عندي طلب أخير.
إيه؟
لو في يوم احتجتِ مساعدة، متتردديش تطلبيها.
ابتسمت.
وأنت كمان لو احتجت مساعدة، اطلبها من غير ما تستخدم الماضي كوسيلة.
هز رأسه.
ثم خرج.
بعد خروجه بدقائق، دخل دانيال.
خلصت الحكاية؟
نظرت إلى الباب الذي أغلق خلفه طارق.
أيوه.
متأكدة؟
ابتسمت.
الماضي خلص لما
ثم عدت إلى عملي.
لكنني لم أكن أعرف أن طارق لم يأتِ في ذلك اليوم فقط ليعتذر...
فبعد ساعات، وصلني ظرف كبير إلى مكتبي.
فتحت الظرف.
وعندما قرأت أول سطر، تجمدت يدي.
كان هناك عقد قديم...
عقد يحمل توقيع طارق.
وتحت التوقيع جملة واحدة
نورة، دي الحاجة الوحيدة اللي فضلت مخبيها عنك كل السنين دي... ولازم تعرفي الحقيقة.
رفعت عيني عن الورقة.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن الماضي لم ينتهِ بعد فتحتُ العقد مرة ثانية، وبدأت أقرأه سطرًا سطرًا.
كان عقدًا قديمًا يعود إلى بداية زواجنا.
لكن المفاجأة لم تكن في العقد نفسه...
كانت في اسم الشركة المكتوب في آخر صفحة.
اسم شركتي الأولى.
الشركة التي كنت أعتقد أنني خسرتها بالكامل بعد انفصالي عن طارق.
اتصلت بدانيال فورًا.
دانيال، ممكن تيجي مكتبي حالًا؟
دخل بعد دقائق.
وضعت العقد أمامه.
عايزاك تقرأ ده كويس.
قرأه، ثم رفع عينيه بدهشة.
ده معناه إن جزء من ملكية الشركة كان باسمك من البداية.
إزاي؟ أنا وقت الطلاق وقعت على كل الأوراق.
قال دانيال
إنتِ وقعتِ على التنازل عن الإدارة، لكن العقد ده مختلف.
قلبت الصفحة.
كان هناك بند صغير لم أره طوال تلك السنوات.
ينص على أن ملكية حصتي لا تنتقل إلا بموافقتي القانونية الموثقة.
شعرت بالصدمة.
يعني الشركة اللي افتكرت إنها راحت مني...
قال دانيال
جزء كبير منها كان لسه من حقك.
جلست على الكرسي وأنا أحاول استيعاب الأمر.
لكن السؤال الأهم كان
لماذا أخفى طارق هذا العقد كل هذه السنوات؟
في تلك اللحظة، رن هاتفي.
كان طارق.
ترددت قليلًا، ثم أجبت.
ألو.
قال بصوت هادئ
قريتي العقد؟
أيوه.
كنت عارف إنك في يوم هتعرفي.
ليه ماقلتليش وقتها؟
سكت طويلًا.
ثم قال
لأني كنت جبان.
لم أتكلم.
تابع
وقت الطلاق، كنت فاكر إن الحفاظ على كل شيء أهم
والنهارده؟
النهارده عرفت إن الإنسان ممكن يكسب شركة ويخسر نفسه.
نظرت إلى العقد أمامي.
إنت عايز إيه مقابل إنك تبعتلي الورق ده؟
ضحك بحزن.
ولا حاجة.
أكيد في حاجة.
لا. المرة دي مش عايز حاجة.
ثم أضاف
اعتبريه حقك، وأنا أخيرًا