تسلق

لمحة نيوز

تسلّق صبيٌّ مشرّدٌ أسوارَ قصرٍ لينقذ طفلةً صغيرة كانت تتجمّد من شدّة البرد ولم يكن يعلم أن هذا القرار سيغيّر حياته إلى الأبد.
في أبرد ليلة شهدتها مدينة آشفورد منذ سنوات، كانت الرياح تعصف بقوة، والثلوج تغطي الأرصفة والطرقات. لم يكن أحد يجرؤ على البقاء خارج منزله... إلا ليو.
كان في الثانية عشرة من عمره، يعيش في الشوارع منذ أن فقد والدته بسبب المرض قبل عامين، ثم هرب من دار رعاية اشتهرت بالقسوة والإهمال. منذ ذلك اليوم، صار يعتمد على نفسه في كل شيء، يجمع الزجاجات الفارغة نهارًا ليشتري بها قطعة خبز، ويبحث ليلًا عن أي مكان يحتمي فيه من البرد.
رغم الحياة التي سلبته طفولته، احتفظ بشيء واحد لم يستطع العالم انتزاعه منه... قلبه الرحيم.
وبينما كان يسير تلك الليلة محاولًا الاحتماء من العاصفة، سمع صوت بكاء طفل يأتي من خلف سور قصر ضخم.
تردد للحظة، ثم اقترب بحذر.
ومن بين الأشجار المغطاة بالثلج، رأى طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها ست سنوات، ترتدي ثياب نوم خفيفة، وقدماها حافيتان، ويداها ترتجفان من شدة البرد.
اقترب منها وسأل بهدوء
إيه اللي حصل؟
قالت وهي تبكي
اسمي إيما... خرجت أدور على قطتي، والباب اتقفل لوحده... وأنا مش عارفة أرجع.
نظر ليو إلى القصر الضخم، ثم إلى الطفلة التي بدأت تفقد قدرتها على الكلام.
لم يكن هناك وقت.
تسلق السور الحديدي بصعوبة، وتمزقت يداه من الأشواك، لكنه لم يهتم.
خلع سترته الوحيدة ولفها حول الطفلة، ثم حملها بين ذراعيه، وأخذ يطرق أبواب القصر ويصرخ بكل ما بقي لديه من قوة، لكن العاصفة كانت تبتلع صوته.
عندها اتخذ قرارًا أخيرًا...
ركض بها نحو غرفة الحراسة الموجودة عند البوابة الرئيسية، رغم أن قدميه كانتا شبه متجمدتين.
وبعد دقائق قليلة، لاحظ أحد الحراس حركته عبر كاميرات المراقبة، فانطلق

مسرعًا وفتح البوابة.
حمل الحراس إيما إلى الداخل واستدعوا الإسعاف فورًا.
لكن عندما عادوا إلى الخارج ليشكروا الصبي...
وجدوا ليو قد سقط على الأرض فاقدًا للوعي من شدة البرد والإرهاق.
في اللحظة نفسها، توقفت سيارة سوداء أمام القصر.
نزل منها رجل الأعمال الشهير ناثان ويتمان، الذي عاد من رحلة عمل طارئة.
وما إن رأى ابنته تنجو بفضل ذلك الصبي المجهول... حتى شعر أن هذا الطفل لم ينقذ حياة إيما فقط، بل أعاد إليه إنسانيته التي غابت وسط سنوات العمل والثروة.
يتبع...الجزء الثاني
أُدخل ليو إلى المستشفى وهو فاقد الوعي، وكانت حرارة جسده قد انخفضت إلى مستوى خطير.
وقف ناثان خارج غرفة الطوارئ لا يرفع عينيه عن الباب، بينما كانت إيما، بعد أن اطمأن الأطباء على حالتها، ترفض مغادرة المستشفى.
قالت وهي تمسك بيد والدها
مش همشي غير لما أصحى أشوف ليو.
بعد ساعات طويلة، خرج الطبيب وقال
الحمد لله... تجاوز مرحلة الخطر، لكنه يعاني من سوء تغذية وإرهاق شديد. واضح إنه بقاله فترة طويلة عايش في الشارع.
شعر ناثان بوخزة في قلبه.
طفل بهذا العمر... ينام في البرد، ويخاطر بحياته لينقذ غيره.
في صباح اليوم التالي، دخل ناثان غرفة ليو.
فتح الصبي عينيه ببطء، وما إن رأى الرجل الأنيق أمامه حتى حاول الجلوس معتذرًا.
قال بصوت ضعيف
أنا آسف... لو دخلت القصر من غير إذن.
ابتسم ناثان لأول مرة منذ أيام وقال
أنت مش محتاج تعتذر... أنت أنقذت أغلى حاجة في حياتي.
خفض ليو رأسه وقال ببساطة
أي حد مكاني كان هيعمل كده.
رد ناثان
مش أي حد... في ناس كتير كانت هتمشي وتقول دي مش مشكلتي.
في تلك اللحظة، دخلت إيما تركض.
احتضنت ليو بقوة وهي تبكي.
أنا كنت فاكرة إنك مش هتفوق.
ابتسم ليو لأول مرة منذ سنوات وقال
وعدتك إنك هترجعي لباباكي... وأنا بوفي بوعودي.
تأثر كل
من في الغرفة بذلك المشهد.
وبعد أيام، طلب ناثان من أحد مساعديه البحث عن أي معلومات تخص ليو.
وبعد بحث طويل، اكتشفوا أن الصبي لا يملك أي أقارب، وأن والدته كانت تعمل ممرضة معروفة بحبها لمساعدة الفقراء حتى آخر يوم في حياتها.
عندما عرف ناثان قصتها، اتخذ قرارًا لم يتوقعه أحد.
قال لليو
أنا مش هسيبك ترجع الشارع تاني... من النهارده هتعيش في بيت آمن، وتدخل مدرسة، ويكون ليك مستقبل تستحقه.
ساد الصمت للحظات.
ثم سأل ليو بخوف
يعني... مش هترجعوني لدار الرعاية؟
ابتسم ناثان وربت على كتفه وقال
لا... من النهارده، هتبدأ حياة جديدة.
يتبع...الجزء الثالث
لم يصدق ليو ما سمعه.
ظل ينظر إلى ناثان وكأنه ينتظر أن يخبره أحد أن كل هذا مجرد حلم.
قال بصوت مرتجف
يعني... هيبقى عندي أوضة لوحدي؟
ابتسم ناثان وقال
وأكتر من كده... هيبقى عندك بيت.
وفي مساء اليوم نفسه، دخل ليو قصر ويتمان لأول مرة، لكن ليس متسللًا كما حدث في الليلة السابقة، بل ضيفًا عزيزًا.
استقبله العاملون بابتسامات صادقة، وأخذته مديرة المنزل لتريه غرفته الجديدة.
كانت الغرفة أكبر من أي مكان نام فيه طوال حياته.
سرير دافئ، وخزانة ملابس، ومكتب صغير، ونافذة تطل على الحديقة.
ظل واقفًا عند الباب دون أن يتحرك.
سألته مديرة المنزل
مالك؟
قال وهو يحاول إخفاء دموعه
أنا خايف ألمس حاجة... يمكن يطلبوا مني أمشي.
وصلت كلماتُه إلى ناثان، الذي كان يقف خارج الغرفة.
دخل بهدوء وقال
اسمع يا ليو... من النهارده محدش هيطردك. البيت ده مفتوح ليك.
في الأيام التالية، بدأ ليو يتعلم أشياء لم يعرفها من قبل.
كيف يجلس على مائدة الطعام.
كيف يقرأ الكتب بطريقة صحيحة.
وكيف يذهب إلى المدرسة مثل بقية الأطفال.
أما إيما، فلم تفارقه لحظة.
كانت تصر كل صباح أن يجلس بجوارها أثناء الإفطار، وتحكي للجميع
بفخر
ده البطل اللي أنقذني.
وذات مساء، لاحظ ناثان أن ليو يختفي كل يوم بعد الغداء.
طلب من أحد الحراس أن يتبعه من بعيد.
فاكتشف أمرًا أدهشه.
كان ليو يذهب إلى الحديقة الخلفية، ويجمع ما يتبقى من الطعام في علبة صغيرة.
ظن الحارس أنه يخبئ الطعام لنفسه.
لكن عندما تبعه أكثر...
وجده يخرج من البوابة الخلفية، ويوزع الطعام على ثلاثة أطفال مشردين كانوا يعيشون تحت جسر قريب.
قال أحد الأطفال وهو يبتسم
عرفنا إنك بقيت غني.
ضحك ليو وقال
أنا مش غني... بس بقيت شبعان، ومينفعش أنسى اللي لسه جعان.
عندما سمع ناثان ما حدث، شعر بفخر لم يشعر به طوال سنوات نجاحه في التجارة.
وأدرك أن الصبي لم تتغير أخلاقه عندما تغيرت حياته... بل بقي كما هو، يحمل قلبًا كبيرًا مهما تبدلت الظروف.
في تلك الليلة، اتخذ ناثان قرارًا جديدًا سيغير حياة أطفال كثيرين، وليس ليو وحده.
يتبع...الجزء الرابع
في صباح اليوم التالي، دعا ناثان مجلس إدارة شركته لاجتماع طارئ.
تعجب الجميع، فقد اعتادوا أن تكون الاجتماعات لمناقشة الصفقات والاستثمارات، لا لأمور شخصية.
وقف ناثان وقال بهدوء
أمضيت سنوات أبني شركات ومشروعات، لكني اكتشفت أن أعظم استثمار هو الإنسان.
ثم أعلن قراره
سنؤسس مؤسسة تحمل اسم قلب دافئ، هدفها إنقاذ الأطفال المشردين، وتوفير المأوى والتعليم والعلاج لهم.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم دوّى التصفيق في القاعة.
لكن ناثان لم يكتفِ بذلك.
قال مبتسمًا
وأول سفير للمؤسسة... سيكون ليو.
نظر الجميع إلى الصبي الذي وقف مرتبكًا، لا يعرف ماذا يقول.
همس
أنا؟!
أجاب ناثان
لأنك أثبت أن البطولة لا تحتاج مالًا ولا منصبًا... تحتاج قلبًا فقط.
بعد أشهر، كان ليو قد أصبح من المتفوقين في مدرسته.
ورغم أنه كان يعيش في القصر، لم ينسَ الأيام الصعبة.
كان يزور المؤسسة كل عطلة، ويلعب
مع الأطفال الجدد، ويجلس بجانب كل طفل خائف ليقول له
أنا كنت مكانك يومًا... وأعدك أن حياتك هتتغير.
وفي أحد الأيام،
تم نسخ الرابط