كل ما اعمل لقمه

لمحة نيوز

كل ما أعمل لقمة لحماتي تقول: "الأكل مالح يا بنتي"... لحد ما اكتشفنا الحقيقة اللي غيرت حياتنا كلها.
اسمي ولاء، ومتجوزة مصطفى من تلات سنين.
من أول يوم دخلت فيه بيتهم، حماتي استقبلتني وكأني بنتها مش مرات ابنها.
كانت دايمًا تدافع عني، وتفرح بأي حاجة أعملها، وتقول قدام الناس: "ربنا رزقني ببنت قبل ما يرزقني بكنة."
ولما كبرت في السن، اتفقنا أنا ومصطفى إنها تيجي تعيش معانا بدل ما تفضل لوحدها.
أنا ومصطفى كنا بنشتغل من الصبح لحد بالليل، فكنت كل يوم أرجع تعبانة، لكن أول حاجة أعملها أدخل المطبخ وأجهز لها أكل اليوم اللي بعده.
كنت أكتب لها ورقة صغيرة وأحطها جنب الأكل: "سخنيه في الميكرويف، ومتنسيش الدوا. ربنا يحفظك."
لكن بعد كام يوم، بدأت أسمع منها نفس الجملة كل يوم:
"تسلم إيدك يا ولاء... بس الأكل مالح حبتين."
استغربت جدًا، لأني أصلًا كنت بحط ملح قليل.
قللته أكتر... وبرضه قالت مالح.
وصل بيا الأمر إني عملت أكلة كاملة من غير ذرة ملح.
وبرضه ابتسمت

وقالت:
"النهارده برضه... مالح يا بنتي."
وقتها أنا ومصطفى بصينا لبعض في حيرة.
هو قال بهدوء: "أكيد فيه سبب... أمي عمرها ما كانت بتنتقد أكلك."
قرر يراجع تسجيل كاميرات الصالة والمطبخ، يمكن يفهم إيه اللي بيحصل وهي لوحدها.
ولما شغل التسجيل...
شافها قاعدة قدام طبق الأكل، بتاخد أول لقمة...
وفجأة دموعها نزلت وهي بتهمس لنفسها:
"يا رب... نفسي أحس بطعم الأكل زي زمان."
في اللحظة دي، عرفنا إن المشكلة عمرها ما كانت في الأكل...
وكانت بداية رحلة جديدة لإنقاذها ومعرفة الحقيقة.ولما خلصوا مشاهدة تسجيل الكاميرات، فضلت ولاء ومصطفى ساكتين لدقائق.
ولاء كانت دموعها بتنزل من غير صوت.
قالت وهي ماسكة طرف طرحتها: "أنا كنت فاكرة إنها كل يوم بتنتقدني... وهي كانت بتتوجع."
مصطفى مسح دموعه وقال: "لازم ناخدها للدكتور غصب عنها."
تاني يوم، أقنعوها تروح تكشف.
بعد الفحوصات، قال الدكتور: "في مشكلة أثرت على حاسة التذوق عندها، وده بيخليها تحس إن معظم الأكل مالح أو بطعم معدني.
الموضوع ليه علاج، لكن محتاج متابعة."
بصت حماته لولاء بخجل وقالت: "سامحيني يا بنتي... والله كنت فاكرة العيب في الأكل."
ولاء  وقالت: "العفو يا طنط... أنا زعلت على تعبك، مش على كلامك."
من اليوم ده، بدأت رحلة العلاج.
كانت ولاء تكتب على كل علبة أكل ورقة صغيرة: "بالهنا والشفا." أو: "متنسيش الدوا بعد الغدا." أو: "إحنا بنحبك."
وكل يوم كانت حماتها تحتفظ بالورقة في درج صغير جنب سريرها.
بعد شهرين، رجعوا من الشغل كالعادة.
لقوا السفرة متجهزة.
حماتها كانت عاملة لهم محشي وكفتة، وقالت وهي مبتسمة: "النهارده دوري أنا."
أخذت أول لقمة من طبقها، وقعدت ساكتة ثواني.
وفجأة ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت: "ياااه... أخيرًا رجع طعم الأكل."
ولاء ضحكت وهي بتقول: "ها... مالح؟"
ضحكت حماتها لأول مرة من قلبها وقالت: "لا يا بنتي... النهارده مظبوط... وتسلم إيدك على كل يوم استحملتيني فيه."
قام مصطفى معًا وقال: "الحمد لله إننا فهمنا الحقيقة قبل ما نزعل من بعض."
ومن
يومها، بقت السفرة هي أجمل وقت في البيت.
كل يوم كانوا يقعدوا يحكوا عن شغلهم، ويضحكوا، ويشربوا الشاي سوا.
واتعلمت ولاء درس عمرها ما نسيته: أن الإنسان أوقات بيحكم على التصرف، وهو ميعرفش الوجع اللي وراه.
ومن يومها، كل ما حد كان يشتكي من تصرف شخص، كانت تقول بهدوء:
"استنى تعرف الحكاية الأول... يمكن المشكلة مش في الإنسان، يمكن في وجع مستخبي محدش شايفه."
النهاية. 🌹دي نهاية جميلة ومؤثرة، ورسالتها واضحة. ولو حابب تخليها أقوى كخاتمة قصة، ممكن تكون بالشكل ده:
لم تكن المشكلة يومًا في الملح... بل في ألمٍ لم يره أحد.
أحيانًا نحكم على الناس من تصرفٍ واحد، وننسى أن وراء كل تصرف حكاية لا نعرفها، ووجعًا لا يظهر للعين.
لذلك، قبل أن تلوم... اسأل. وقبل أن تغضب... افهم. فربما كان الشخص الذي ظننته قاسيًا، يخوض معركة صامتة لا يعلم عنها أحد.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المائدة مجرد مكان للطعام، بل أصبحت مكانًا للمحبة، والاحتواء، والامتنان.
لأن الكلمة الطيبة، والصبر،
وحسن الظن... قد تكون أحيانًا أفضل علاج.
تمت. 🌹

تم نسخ الرابط