امى اشتغلت 77 يوم
أمي اشتغلت 77 يوم من غير ما تاخد جنيه واحد، وصاحب الشغل كل يوم يركب عربيته الجديدة ويقول لها استحمّليني أسبوع كمان. ساعتها خرجت وقت البريك، وعدّيت من وسط الحراس، وروحت لواحد الكل بيحترمه وقلتله هو ليه محدش بيرجع حق أمي؟
اسمي آدم، وعندي أربع سنين ونص.
في الليلة اللي قبلها، صحيت على صوت ماما وهي بتحاول تكتم عياطها.
كانت بتتكلم في التليفون مع صاحب المطعم.
قالت
يا أستاذ شريف، أنا بشتغل بقالي 77 يوم من غير مرتب، وابني محتاج مصاريف وأكل. لو سمحت اديني حقي.
لكن الرد كان بارد
لما أحب أصرف، هصرف. ولو مش عاجبك، الباب مفتوح.
قفلت ماما المكالمة، ومسحت دموعها أول ما حسّت إني صحيت، وابتسمت وقالت
ولا يهمك يا بطل... كل حاجة هتبقى بخير.
تاني يوم اضطرت تاخدني معاها المطعم، لأن مكنش فيه حد يقعد معايا.
قعدتني في المكتب وقالت
لوّن في الكراسة ومتتحركش لحد ما أرجع.
هزيت راسي بالموافقة...
لكن كنت واخد قرار من الليلة اللي قبلها.
أول ما جه وقت البريك، خدت الورقة اللي ماما كاتبة فيها كل أيام شغلها وساعاتها الإضافية، وحطيتها في جيبي، وخرجت من المكتب.
في آخر صالة المطعم كان قاعد الحاج منصور، رجل معروف بالعدل ومساعدة المظلومين.
لما قربت، الحراس وقفوني.
لكن الحاج منصور قال بهدوء
سيبوا الولد ييجي.
وقفت قدامه ومديتله الورقة.
سألني
دي إيه؟
قلت
دي حق ماما... ومحدش راضي يدهولها.
فتح الورقة، ولقى فيها كل يوم اشتغلته أمي، وكل ساعة إضافية، وفي آخرها مكتوب
77 يوم بدون مرتب.
رفع رأسه وسألني
ومين اللي كتب النجوم دي جنب التواريخ؟
ابتسمت وقلت
أنا... كل نجمة كانت ليلة نمنا فيها من غير عشا.
في اللحظة دي، اختفت الضحكة من وشوش كل اللي قاعدين.
أما الأستاذ شريف، فكان واقف بعيد، ولما شاف الحاج منصور ماسك الورقة، عرف إن الحقيقة ظهرت أخيرًا...
يتبع وقف الأستاذ شريف مكانه، يحاول يخفي توتره.
اقترب ببطء وقال
يا حاج منصور، الموضوع مش زي ما الولد فاهم... دي مشاكل شغل عادية.
بص له الحاج منصور وقال
مشاكل شغل؟ إن واحد يشتغل شهرين
سكت شريف.
في اللحظة دي خرجت أم آدم من المطبخ، ولما شافت ابنها واقف جنب الحاج منصور، اتخضت.
جريت عليه وقالت
آدم! إنت عملت إيه؟ أنا قلتلك تستناني!
ضمها آدم وقال
أنا كنت عايز أجيبلك فلوسك يا ماما.
نظرت له وهي تحاول تمنع دموعها.
الحاج منصور قرب منها وقال
ابنك عمل اللي الكبار خافوا يعملوه... طالب بحقه.
ردت الأم بصوت مكسور
أنا مش عايزة مشاكل يا حاج، أنا بس كنت عايزة مرتبي عشان أصرف عليه.
هز الحاج منصور رأسه وقال
واللي يطلب حقه مش بيعمل مشكلة.
طلب من المحاسب يراجع كل دفاتر المطعم.
بعد ساعات، ظهرت الحقيقة.
لم تكن أم آدم وحدها، كان هناك عمال آخرون لم يحصلوا على رواتبهم كاملة، وبعضهم كان يخاف يتكلم حتى لا يفقد عمله.
نظر الحاج منصور إلى شريف وقال
الفلوس اللي اتأخرت على الناس لازم ترجع.
حاول شريف يبرر
كنت بحاول أحافظ على المكان.
رد الحاج منصور
المكان اللي يتبني على تعب الناس عمره ما يكبر.
في اليوم التالي، وقف جميع العمال أمام المطعم، وكل واحد استلم حقه.
كانت أم آدم آخر واحدة استلمت، لأنها أصرت إن كل زملائها ياخدوا حقوقهم الأول.
ناولها المحاسب الظرف، ففتحته ووجدت راتبها كاملًا، ومعه مبلغ إضافي عن التأخير.
بصت لآدم وقالت
عارف عملت إيه يا حبيبي؟
ابتسم وقال
رجعتلك النجوم؟
ضحكت وهي تبكي
لأ... خليت النجوم تتحول لشمس.
ومن يومها، أصبح آدم معروفًا بين العمال بأنه الطفل الذي لم يخاف أن يقول الحقيقة.
أما الحاج منصور، فكان كلما رآه يقول
السن مش هو اللي يحدد قيمة الإنسان... أحيانًا قلب صغير يعرف يعمل حاجة ناس كبيرة مقدرتش تعملها.
وبعد سنوات، احتفظ آدم بالورقة القديمة التي رسم عليها النجوم البنفسجية، لأنها كانت تذكره دائمًا بأول مرة وقف فيها بجانب أمه.
النهاية مرت سنوات طويلة، لكن آدم لم ينسَ ذلك اليوم أبدًا.
كبر الطفل الصغير الذي حمل ورقة أمه بين يديه، وأصبح شابًا يعرف قيمة التعب والكفاح.
كانت أمه دائمًا تحكي له
يا آدم... أنت يومها كنت صغير، لكنك علمتني
أما مطعم الحاج منصور، فأصبح مكانًا مختلفًا.
لم يعد مجرد مطعم، بل أصبح معروفًا بأنه المكان الذي يحفظ حقوق العاملين، وكان كل موظف جديد يدخل المكان يسمع قصة الطفل الذي وقف يطالب بحق أمه.
وفي يوم من الأيام، عاد آدم إلى المطعم بعد غياب سنوات.
دخل فوجد الحاج منصور جالسًا في نفس الركن الذي قابله فيه أول مرة.
ابتسم الحاج منصور وقال
كنت عارف إنك هترجع.
ضحك آدم وقال
رجعت أشكرك... لأنك يومها صدقت طفل صغير.
هز الحاج منصور رأسه وقال
أنا ما صدقتش طفل يا آدم... أنا صدقت الحقيقة اللي كانت معاه.
جلس آدم بجواره، وأخرج من حقيبته الورقة القديمة.
كانت الورقة مهترئة، لكن النجوم البنفسجية ما زالت واضحة.
سأل الحاج منصور
لسه محتفظ بيها؟
قال آدم
دي مش ورقة... دي اليوم اللي عرفت فيه إن صوت الضعيف ممكن يوصل لوحد يسمعه.
وبعد فترة، قرر آدم أن يفتح مشروعًا صغيرًا لمساعدة العمال الذين لا يعرفون كيف يحصلون على حقوقهم.
لم ينسَ والدته التي ضحت من أجله، فكان أول شخص يضع اسمه في المكان الجديد
مؤسسة شمس آدم لدعم أصحاب الحقوق.
وعندما سألته أمه يوم الافتتاح
ليه سميت المكان باسمي؟
ابتسم وقال
لأنك كنتِ أول حد علّمني إن التعب له قيمة... وإن الإنسان الفقير مش معناه إنه ضعيف.
نظرت له بفخر، وعرفت أن كل ليلة صعبة مرت بها لم تذهب هباءً.
أما الأستاذ شريف، فقد تغيرت حياته بعد تلك الحادثة. فهم أن المال لا يعطي الإنسان الحق في ظلم الآخرين، وبدأ يعمل بطريقة مختلفة ويحترم تعب كل من يعمل معه.
وفي آخر يوم من السنة، جلس آدم مع أمه أمام البيت، يشربان الشاي ويتذكران الماضي.
أخرجت له كراسته القديمة وقالت
فاكر أول نجمة رسمتها؟
ابتسم وقال
أيوه... كانت نجمة جوع.
قالت
ودلوقتي؟
نظر إلى السماء وقال
دلوقتي بقت نجمة أمل.
وانتهت حكاية آدم الصغيرة التي أثبتت أن الشجاعة لا تحتاج إلى عمر كبير...
أحيانًا طفل صغير بقلب صادق يستطيع أن يغير حياة أشخاص كثيرين.
النهاية بعد مرور عشرين
كان يفتخر بأنه لم ينسَ أبدًا ذلك الطفل الصغير الذي كان يحمل ورقة في جيبه ويريد فقط أن يرى أمه سعيدة.
في أحد الأيام، دخل آدم إلى مكتبه فوجد موظفة جديدة تقف أمام الباب، وعيناها مليئتان بالقلق.
قال لها
خير؟ في حاجة؟
قالت بتردد
أنا كنت شغالة في مكان قبل كده... وخرجت من غير ما آخد مستحقاتي، ومش عارفة أعمل إيه.
ابتسم آدم وقال
أول درس اتعلمته في حياتي إن تعب الإنسان مش صدقة من حد... ده حقه.
جلس معها وبدأ يساعدها في استرداد حقها.
وبعد أيام، عادت إليه وهي تحمل ظرفًا وقالت
رجعوا لي كل مستحقاتي.
ابتسم آدم وقال
خليكي فاكرة اليوم ده... يمكن ييجي يوم وتساعدي حد زي ما حد ساعدك.
وفي مساء ذلك اليوم، ذهب آدم لزيارة الحاج منصور.
كان الرجل قد كبر في السن، لكنه ظل بنفس الهدوء والهيبة.
جلس آدم بجواره وقال
فاكر أول مرة شوفتني؟
ضحك الحاج منصور وقال
فاكر طفل صغير دخل وسط الرجالة كلها وقال لي إنت الكبير بجد، يبقى لازم ترجع حق أمي.
ضحك آدم وقال
كنت جريء أوي.
رد الحاج منصور
لا... كنت صادق. والصدق ساعات بيكون أقوى من أي قوة.
أخرج آدم من جيبه صورة قديمة له وهو طفل مع والدته.
وقال
الصورة دي هتفضل معايا طول عمري.
نظر الحاج منصور للصورة وقال
لأن فيها بداية كل حاجة.
وعندما عاد آدم إلى بيته، وجد والدته تنتظره.
ناولته الكراسة القديمة وقالت
لقيتها وأنا بنضف الأوضة.
فتح آدم الصفحة الأخيرة، فوجد شيئًا لم يره من قبل...
كانت أمه قد كتبت تحت آخر نجمة بنفسجية
إلى ابني آدم... يومًا ما ستكبر، وستنسى هذه الأيام الصعبة، لكن لا تنسَ أبدًا أن قلبك الطيب كان سبب نجاتنا.
توقفت عيون آدم عند الكلمات، ولم يستطع منع دموعه.
اقترب من أمه وقال
أنا اللي اتعلمت منك يا أمي... أنتِ اللي علمتيني إن الإنسان ممكن يكون فقير في الفلوس، لكنه غني بالكرامة.
احتضنته وهي تبتسم.
وفي تلك الليلة، وضع آدم الكراسة في مكان خاص داخل مكتبه، بجوار أول جائزة حصل عليها.
لأن
بل اللحظة التي كان فيها طفلًا صغيرًا، ومشى خلف قلبه، ليعيد لأمه حقها.
النهاية لكن حكاية آدم لم تنتهِ عند افتتاح