الولد

لمحة نيوز

الولد اللي الكل كان بيبصله باحتقار... بقى الأمل الوحيد لإنقاذ أكتر من 200 راكب
أول صرخة استغاثة طلعت من درجة رجال الأعمال.
لكن الجملة اللي غيّرت كل حاجة خرجت من أكتر مكان محدش كان باصص له... الكرسي اللي في النص في الدرجة الاقتصادية.
على ارتفاع حوالي 11 ألف متر فوق المحيط الأطلسي، وبينما أنوار الطيارة بتطفي وتنور بشكل مرعب، وأقنعة الأكسجين نازلة من السقف، كل اللي كانوا على متن الرحلة اكتشفوا الحقيقة اللي محدش كان يتمنى يسمعها.
مفيش حد بيسوق الطيارة.
أنا اسمي جريس، كبيرة مضيفات الطيران في الرحلة رقم 782 المتجهة إلى لندن.
طول سنين شغلي اتدربت على كل أنواع الطوارئ تقريبًا...
حالات مرضية مفاجئة.
مطبات هوائية عنيفة.
حرائق داخل الطيارة.
ركاب بيثيروا المشاكل.
لكن عمري ما تخيلت إني أفتح باب الكابينة وألاقي الكابتن والمساعد فاقدين الوعي، وصفارات الإنذار شغالة في كل حتة.
الكابتن أوين كان واقع على لوحة العدادات.
والمساعد داني كان ساكت تمامًا، والسماعة متعلقة في ودنه.
كان فيه ريحة غريبة في الكابينة... خليط بين معدن محروق، وأجهزة سخنت زيادة، وريحة مطهرات.
بإيدين بتترعش، مسكت سماعة الإذاعة الداخلية وقلت
لو فيه أي حد على الطيارة عنده أي خبرة في الطيران... أرجو يتقدم فورًا.
ولا حد رد.
وفجأة...
ولد صغير من نص الدرجة الاقتصادية فك الحزام وقام.
جدته مسكت دراعه بسرعة وقالت وهي شبه بتعيط
مالِك... بلاش يا حبيبي.
لكنه

ما بصش لها.
فضل باصص على باب الكابينة.
كان عنده حوالي 12 سنة.
رفيع، ولابس جاكيت مدرسة قديم باين عليه مستهلك.
تحت كرسيه شنطة مدرسية باهتة، وفي حضنه كشكول مليان ملاحظات عن الطيران، واضح إنه بيذاكره من سنين.
من كام ساعة بس، محدش كان واخد باله إنه موجود.
رجل أعمال كب شامبانيا على كشكوله بالغلط، وما اعتذرش.
ست سحبت شنطتها بعيد أول ما عدى جنبها.
وراجل غني في البيزنس كلاس ضحك وقال
شكله فاكر نفسه هيطلع طيار!
ودلوقتي...
نفس الراجل كان واقف مرعوب في الممر، وبيصرخ
اعملوا أي حاجة! مش دي شغلتكم؟!
قبل ما أي حد يتكلم، الولد قال بهدوء
أنا... أقدر أساعد.
الطيارة كلها سكتت.
الراجل الغني وقف قدامه وقال بسخرية
إنت؟! إنت مجرد عيل.
الولد رد بثقة
أنا درست الطيارة دي.
الراجل ضحك وقال
إنك تقرأ عن الطيارات مش معناه إنك تعرف تطيرها.
في نفس اللحظة دوّت صفارة إنذار جديدة، والطائرة بدأت تنزل أكتر.
جدته بصت له والدموع في عينيها وقالت
ورّيهم أنت مين.
الولد طلع من جيبه بطاقة تثبت إنه خلص برنامج تدريب للشباب في أكاديمية طيران خاصة.
وبعدها أخرج شارة كابتن قديمة.
سألته باستغراب
دي بتاعة مين؟
قال بهدوء
دي كانت بتاعة أبويا.
حسيت إن قلبي وقف.
وكمل
أبويا هو الكابتن إشعيا بروكس... الطيار اللي أنقذ ركاب الرحلة 411 قبل ما يتوفى.
الاسم هزني.
كل أفراد طواقم الطيران كانوا عارفين البطل ده.
الراجل اللي قدر يهبط بطائرة مدمرة وسط عاصفة، وأنقذ
كل اللي عليها، وبعدها وقع ميت من شدة المجهود.
ماكانش مشهور بس لأنه طيار شاطر...
كان مشهور بأخلاقه، وهدوءه، وطريقته في طمأنة أي راكب خايف.
ودلوقتي...
ابنه واقف قدامي، مستعد ينقذ نفس الناس اللي كانوا بيتريقوا عليه من شوية.
الراجل الغني قال بسخرية
يعني عشان أبوه بطل... هنسلمه قيادة الطيارة؟
وقفت قدامه وقلت بحزم
ابعد من طريقه.
بصلي مستغرب.
قلت له
سمعت اللي قولته.
ولأول مرة...
سكت واتنحى.
دخل مالك الكابينة.
كان شكله صغير جدًا وهو قاعد على كرسي الكابتن.
زق الكرسي لقدام لحد ما رجليه وصلت للدواسات.
حط السماعة على ودنه، وإيده اترعشت ثانية واحدة...
وبعدين ثبتت.
وفجأة الولد اتغير.
نفسه بقى هادي.
نظراته بقت واثقة.
وبدأ يراجع العدادات واحدة واحدة...
الارتفاع.
السرعة.
الاتجاه.
المحركات.
أنظمة الطيار الآلي.
الطفل اللي عنده 12 سنة اختفى...
وقدامي كان قاعد شخص شبه أبوه بكل معنى الكلمة.
بصلي وقال
وصّليني ببرج المراقبة.
اديته جهاز الاتصال.
وبعد شوية تشويش، رد برج المراقبة
الرحلة 782... عرّف بنفسك.
أخد نفس عميق وقال بثبات
أنا مالك بروكس... عندي 12 سنة. الكابتن والمساعد فاقدين الوعي، ومحتاج مساعدتكم علشان أنزل الطيارة دي وأوصل أكتر من 200 شخص بسلام.
لكن الحقيقة...
كانت لسه ما ظهرتش.
إيه اللي خلّى الطيارين الاتنين يفقدوا الوعي في نفس اللحظة؟
وهل هيقدر ابن البطل يكمل المشوار اللي بدأه أبوه... وينقذ كل اللي على الطيارة؟

يتبع...مين عاوز الباقي؟شعرت جريس بقشعريرة تسري في جسدها.
أمسكت جهاز الاتصال وقالت بصوت متوتر
برج المراقبة... أعتقد إن اللي حصل مش عطل عادي. كان فيه شخص متنكر في زي فني صيانة قبل الإقلاع، واسمه مش موجود في السجلات.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد
اقفلي باب الكابينة فورًا. واطلبي من أفراد الطاقم يراقبوا أي راكب يحاول يقترب منها.
في تلك اللحظة، دوّى صوت من آخر الطائرة.
امسكوه!
التفت الجميع.
رجل يرتدي قبعة سوداء كان يحاول يفتح باب إحدى الخزائن ويخرج منها حقيبة صغيرة.
لكن اثنين من الركاب أمسكوا به قبل أن يهرب.
صرخ الرجل بعصبية
سيبوني!
فتش أفراد الطاقم الحقيبة، فوجدوا بداخلها بطاقة مزيفة، وملابس فني صيانة، وأدوات إلكترونية صغيرة.
أدرك الجميع أن الرجل هو نفسه الذي دخل الكابينة قبل الإقلاع.
أما مالك، فلم يلتفت إلى الفوضى.
كان تركيزه كله على العدادات.
قال لبرج المراقبة
الوقود كافي... والطيار الآلي ما زال مستجيب.
أجابه المراقب
ممتاز يا مالك. هنوجهك لأقرب مطار مناسب للهبوط، وخليك هادئ.
وبينما بدأت الطائرة تغيّر اتجاهها ببطء، تحرك الكابتن أوين فجأة.
فتح عينيه بصعوبة، وأخذ نفسًا عميقًا.
اقتربت منه جريس بسرعة.
همس بصوت متقطع
الولد... خلوه يكمل... هو أنقذنا لحد دلوقتي.
ثم أشار بإصبعه نحو لوحة العدادات، وكأنه يريد أن يخبر مالك بشيء مهم قبل أن يفقد وعيه مرة أخرى.
وفي اللحظة نفسها، ظهر إنذار جديد على الشاشة الرئيسية،
جعل وجه مالك يشحب وهو يهمس
لا... دي المشكلة الحقيقية...ابتلع برج المراقبة ريقه بعدما سمع صوت الطفل.
وجاء الرد سريعًا
مالك...
تم نسخ الرابط