جوزى قالى انه بيحبنى

لمحة نيوز

الأرض...
كان فيه بيت صغير جدًا.
دخلت البيت.
وكان شبه بيت الأحلام اللي كنا بنرسمه وإحنا لسه شباب.
شرفة واسعة.
مكتبة.
مطبخ صغير.
وكرسيين قدام الشباك.
كرسيين.
مش واحد.
وقتها حسيت بشيء انكسر جوايا من جديد.
لكن المرة دي...
ما كانش ألم.
كان حنين.
على الطاولة الخشبية لقيت ظرف.
آخر ظرف.
أو هكذا ظننت.
فتحته.
وكان فيه سطر واحد فقط
لو وصلتي هنا... يبقى أخيرًا شفتي المكان اللي كنت بحلم نكبر فيه سوا.
جلست على الكرسي.
والبيت ساكت.
والشمس داخلة من الشباك.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
سمحت لنفسي أفتكر الذكريات الحلوة.
مش الكذب.
مش الخيانة.
مش الوجع.
لكن البدايات.
أول ضحكة.
أول رحلة.
أول حلم.
وبينما أنا قاعدة...
سمعت صوت عربية تقف خارج السور.
استغربت.
خرجت أشوف.
لقيت رجلًا مسنًا ينزل منها.
أول ما شافني ابتسم.
وقال
أخيرًا جيتي.
استغربت.
حضرتك تعرفني؟
قال
أنا البستاني اللي كان بيعتني
بالمكان ده.
وسكت لحظة.
ثم أضاف
الأستاذ شريف كان بيجي كل أسبوع.
قلبي انقبض.
قال الرجل
وكان كل مرة يقول نفس الجملة.
سألته
إيه هي؟
ابتسم بحزن.
وقال
كان يقول يمكن هي ما تسامحنيش أبدًا... بس أتمنى يومًا ما تعرف إني كنت بحاول أصلح اللي أفسدته.
بصيت حواليا.
للأشجار.
للبيت.
للسماء.
وشعرت أن الحياة غريبة فعلًا.
فيها ناس تخسر كل شيء لأنها لم تقل الحقيقة في الوقت المناسب.
وفيها ناس تظل تحاول الإصلاح...
بعد فوات الأوان.
وقفت عند البوابة قبل ما أمشي.
وبصيت للمكان مرة أخيرة.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وهمست في هدوء
متأخر جدًا يا شريف...
لكنّي فهمت.
ثم أغلقت الباب خلفي.
ومشيت نحو حياتي الجديدة...
لأول مرة من غير حمل على قلبي. بعد زيارة البيت الصغير...
ما رجعتش له تاني لمدة سنة كاملة.
كنت حاسة إن الصفحة الأخيرة اتكتبت.
وإن كل كلمة زيادة بعدها هتكون تكرار.
لكن الحياة كان عندها رأي تاني.

في يوم ربيعي هادي...
وقفت قدام المرآة أجهز نفسي لحفل كبير للشركة.
الشركة اللي بدأت بحلم صغير.
وبقت واحدة من أكبر الشركات في المجال.
وقبل ما أخرج...
فتحت الدرج بالصدفة.
وشفت صورة السونار.
وصورة قديمة ليا ولشريف.
وإحنا لسه في أول الجواز.
ضحكت.
مش من الفرح.
ولا من الحزن.
من المسافة.
المسافة الكبيرة بين البنت اللي في الصورة...
وبيني دلوقتي.
في الحفل...
كنت واقفة على المسرح.
والكل بيصفق.
والمذيع بيحكي رحلة النجاح.
والصعوبات.
والخسائر.
والانتصارات.
وفجأة سألني قدام الحضور
لو تقدري ترجعي بالزمن عشر سنين... تغيري إيه؟
سكتت.
والقاعة كلها استنت الرد.
وبعدين قلت
ولا حاجة.
الناس استغربت.
فكملت
لأن كل حاجة حصلت... وصلتني للشخص اللي أنا عليه النهاردة.
حتى الألم.
حتى الخسارة.
حتى الدموع.
في الليلة دي...
بعد ما رجعت البيت.
ركبت العربية وسقت لأول مرة ناحية البيت الصغير وسط الأشجار.

وصلت.
فتحت البوابة.
ودخلت.
وكان المكان هادي زي ما هو.
كأن الزمن وقف هنا.
جلست على الكرسي الخشبي قدام الشباك.
الكرسي اللي كان المفروض يبقى قدامه كرسي تاني.
لكن فضل فاضي.
وما زعلنيش المرة دي.
لأن بعض الأماكن مش معمولة عشان نعيش فيها.
بعض الأماكن معمولة عشان نفهم فيها.
طلعت من شنطتي صندوق صغير.
وحطيت فيه كل الرسائل.
كل الصور.
كل الذكريات.
وأقفلت عليه.
ودفنته تحت شجرة الزيتون الكبيرة في آخر الأرض.
مش عشان أنسى.
لكن عشان أبطل أعيش جوه الماضي.
وقفت بعدها.
بصيت للسما.
وأخدت نفس طويل.
وحسيت إن الحمل اللي شلته سنين طويلة...
اختفى أخيرًا.
لا سامحت كل شيء.
ولا نسيت كل شيء.
لكن تصالحت.
وده كان كفاية.
وأنا خارجة من البوابة...
لفت نظري لوح خشب صغير مثبت على السور.
ماكنتش شفته قبل كده.
اقتربت منه.
وكان مكتوب عليه بخط شريف
الحب وحده لا يكفي... الصراحة هي التي تُبقيه حيًا.
وقفت أقرأ
الجملة أكتر من مرة.
ثم ابتسمت.
وأغلقت البوابة بهدوء.
ومشيت.
لا إلى الماضي.
ولا هروبًا منه.
بل إلى المستقبل.
وفي المرة دي...
ما بصتش ورايا أبدًا.
تمت.

تم نسخ الرابط