اتصل بي ابني
اتصل بي ابني يطلب مني أن أتوقف عن زيارة شقته لأن زوجته تحتاج إلى بعض الخصوصية... أجبته بهدوء أنني لن أزعجهما بعد اليوم. وما إن أغلقت الهاتف حتى ألغيت التحويل الشهري البالغ مليونين وثلاثمئة ألف دينار عراقي، وهو المبلغ الذي كنت أدفعه منذ عامين لتسديد أقساط الشقة التي أصبحت، بحسب رأيهما، مكانًا لا يحق لي حتى الجلوس في غرفة ضيوفه.
رنّ هاتفي عند الساعة التاسعة مساءً، بينما كنت أطوي بطانية صغيرة صفراء اللون كنت أحوكها لحفيدتي القادمة.
ظهر اسم ابني على الشاشة.
سيف.
ابتسمت تلقائيًا.
في الماضي، كان مجرد اتصال منه يملأ قلبي فرحًا. كنت أظن أنه يريد الاطمئنان عليّ، أو ربما يحتاج إلى وصفة طعام، أو نصيحة، أو حتى زيارة قصيرة.
لكن في الفترة الأخيرة، صار لكل اتصال سبب واحد فقط.
طلب مال.
مرة لتأمين السيارة.
ومرة لتغطية قسط متأخر.
ومرة لشراء أثاث جديد لأن زوجته مريم كانت تقول إن بيت أهلها اعتاد مستوى مختلفًا.
ومع ذلك، أجبت.
أهلًا يمّه.
في الجهة الأخرى سمعت موسيقى هادئة، وأصوات صحون وملاعق، وضحكات مريم.
كانا على الأغلب يتناولان العشاء في أحد المطاعم الراقية في أربيل، بينما كنت أجلس وحدي في بيتي القديم ببغداد، أتناول الخبز المحمص مع الشاي كوجبة عشاء.
قال سيف دون مقدمات
يمّه، أريد أطلب منك طلب.
تفضل.
لا تجين للشقة هذا الأسبوع.
تجمدت يداي فوق البطانية.
خير؟ صار شي؟
تنهد وكأنني مشكلة يصعب شرحها.
مريم منزعجة شوية. تقول إنك تجين كثير، وتجيبين أكل، وتدخلين للمطبخ، وتتأكدين إذا ناقصهم شي. هي تريد تحس أن البيت بيتها.
بيتها.
كررت الكلمة في داخلي بصمت.
هذه الشقة اشتُريت بالمبلغ الذي حصلت عليه عندما بعت قطعة الأرض التي تركها لي زوجي رحمه الله.
أما الأقساط الشهرية فكانت تُسحب من حسابي أنا، لأن سيف أقسم
دفعة مؤقتة استمرت سبعة وعشرين شهرًا.
قلت بهدوء
فهمت.
ساد الصمت للحظات.
ربما كان ينتظر أن أجادله أو أرجوه أن يسمح لي بالزيارة.
ثم قال
يمّه لا تزعلين. أنتِ عشتِ حياتك، وإحنا نريد نعيش حياتنا.
نظرت إلى البطانية الصغيرة.
كانت ما تزال بحاجة إلى كمّ واحد فقط.
قلت
أكيد يمّه. بعد ما أزعجكم.
قال مرتاحًا
كنت أعرف أنك راح تفهمين.
ثم أغلق الخط.
دون أن يسألني إن كنت قد تناولت طعامي.
دون أن يسأل عن ضغطي.
دون أن يتذكر موعد الطبيب الذي أجلته لأنني كنت أحاول تدبير مبلغ قسطهما لذلك الشهر.
جلست في مكاني طويلًا أستمع إلى صمت البيت.
لم أبكِ.
الأم حين تنكسر مرة واحدة تبكي.
لكن حين تنكسر على مدى سنوات طويلة، يأتي وقت لا تخرج فيه الدموع.
يبقى فقط هدوء بارد جدًا.
نهضت واتجهت إلى غرفتي.
أخرجت ملفًا بنيًا من الدرج الذي أحتفظ فيه بالأوراق المهمة.
كل شيء كان موجودًا بداخله.
إيصال الدفعة الأولى.
كشوفات التحويلات الشهرية.
رسوم الصيانة.
التأمين.
حتى فواتير الأثاث الذي كانت مريم تتفاخر به أمام الناس وكأنها اشترته من راتبها الخاص.
فتحت تطبيق المصرف.
ظهر أمامي
تحويل مجدول قسط شقة أبراج دجلة 2300000 دينار عراقي اليوم الخامس من كل شهر.
وضعت إصبعي فوق خيار الإلغاء.
سألني النظام
هل أنت متأكدة؟
نعم.
أكدت العملية ببصمة الإصبع.
بعدها جمعت خيوط الحياكة.
وضعت البطانية غير المكتملة داخل كيس.
ثم فتحت المجمد وأخرجت أوعية الشوربة والمرق وكبة اللحم التي كنت أنوي أخذها إليهما يوم الأحد.
أفرغتها كلها في المغسلة.
واحدًا تلو الآخر.
ليس غضبًا من الطعام.
بل لأنني أدركت أخيرًا أنني لم أعد مستعدة للاستمرار في إعالة بيت أصبحت فيه زائدة عن الحاجة، بينما بقي مالي مرحبًا به.
بعد ثلاثة أيام اتصل سيف عند السادسة صباحًا.
لم أجب.
ثم بدأت الرسائل تتوالى.
يمّه ليش رجع القسط؟
المصرف فرض علينا غرامة تأخير.
مريم تبچي وتكول هذا راح يأثر على سجلنا المصرفي.
إحنا طلبنا مساحة خاصة مو توقفين مساعدتنا.
عند الثامنة صباحًا دوّى طرق قوي على باب منزلي.
فتحت الباب بهدوء.
كان سيف واقفًا أمامي بثياب غير مرتبة وأزرار قميصه مغلقة بشكل خاطئ، والهلع واضح على وجهه.
وخلفه كانت مريم، نصف زينتها فقط على وجهها، تحتضن حقيبة فاخرة إلى صدرها.
قال سيف بانفعال
يمّه شسويتي؟ شلون تلغين القسط بدون ما تخبرينا؟
نظرت إليه بهدوء.
أخبركم أني بطلت أدفع ثمن بيت وجودي بيه مزعج؟
ضغطت مريم شفتيها وقالت
خالتي، لا تكبرين الموضوع. الخصوصية موضوع، وتركنا نغرق موضوع ثاني.
تقدمت نحو الطاولة.
وضعت الملف البني أمامهما.
وقلت
زين، خل نحچي بصراحة. هاي كل الدفعات السبعة والعشرين. والدفعة الأولى. والتأمين. والأثاث. ورسوم الصيانة. كل فلس مدفوع موجود هنا.
ابتلع سيف ريقه بصعوبة.
يمّه... إحنا أهل.
ابتسمت بحزن.
لا يمّه. يوم طلبت مني ما أجي، وضحت لي أن هاي حياتكم الخاصة. وأنا فقط احترمت رغبتكم.
فتحت مريم الملف.
وبدأت تقلب الأوراق.
ثم شحب لون وجهها عندما رأت الأرقام.
قالت بصوت مرتجف
بس الشقة باسم سيف...
قلت
مو بالكامل.
ثم سحبت آخر ورقة من الملف.
كانت اتفاقية القرض الخاصة التي وقعها ابني قبل سنوات.
وثيقة تنص بوضوح على أن مبلغ الدفعة الأولى لم يكن هدية، بل دينًا مستحقًا، وأن من حقي قانونيًا المطالبة بالنسبة المقابلة من العقار إذا أنكر مساهمتي أو توقف عن الوفاء بالتزاماته.
تجمد سيف في مكانه.
وقال بصوت خافت
أبويه خلاني أوقع عليها قبل ما يتوفى...
هززت رأسي.
أبوك كان يعرفك أكثر مما كنت أريد أن أصدق.
ألقت مريم حقيبتها
وقالت
هذا تهديد.
رفعت نظري إليها لأول مرة دون أي مجاملة.
وقلت
لا يا مريم. التهديد كان لما فهمتوني أن وجودي ثقيل داخل بيت أدفع ثمنه. أما هذا... فيُسمى نتيجة.
وفي تلك اللحظة بالذات، وصل إشعار إلى هاتفي من المصرف...
الجزء الثاني... الرسالة التي ظهرت على شاشة الهاتف قلبت ملامح سيف ومريم في لحظة واحدة لم أنظر إلى الهاتف فورًا.
بل بقيت عيني ثابتة على وجه سيف، الذي بدأ يتغير شيئًا فشيئًا من ارتباك إلى قلق، ثم إلى شيء أقرب للانكسار.
مريم كانت أول من لاحظ أنني لم أتحرك.
اقتربت خطوة، وقالت بصوت أقل حدة
خالتي شو طلع بالإشعار؟
أخرجت الهاتف ببطء.
كانت الشاشة مضاءة بإشعار واحد فقط.
لكن الغريب أنه لم يكن من البنك كما توقعت.
كان من جهة قانونية.
تم فتح ملف نزاع مالي مرتبط بالعقار رقم ، وبناءً على الطلب المقدم، سيتم تجميد أي تصرف بالشقة لحين البت في الملكية الجزئية.
رفعت عيني ببطء.
سيف قرأ الكلمات من على الشاشة قبل أن أنطق بها.
تراجع خطوة للخلف كأنه فقد توازنه.
نزاع؟ شنو يعني نزاع؟
لم أجب مباشرة.
مريم اقتربت بسرعة أكبر، التقطت الهاتف من يدي دون استئذان، وقرأت بنفسها.
ثم سقطت الحقيبة من يدها على الأرض.
صوت الاصطدام كان أعلى من أي صراخ.
قالت بذهول
أنتِ قدمتي شكوى؟
هززت رأسي بهدوء.
لا.
توقف الزمن لثانية.
ثم أضفت
أنا ما قدمت شكوى أنا طلبت حقي يُسجل رسميًا قبل ما يتم أي تصرف أو إنكار.
سيف رفع يده إلى رأسه.
كان يحاول استيعاب شيء أكبر من قدرته على الفهم السريع.
يمّه إحنا بس نريد نعيش ليش وصلتيها لهنا؟
نظرت إليه طويلًا.
هذه المرة لم يكن في صوتي أي غضب.
ولا أي عتاب.
فقط حقيقة باردة
لأنكم أول من وصلها لهنا يا سيف.
ساد صمت ثقيل.
مريم جلست على الكرسي فجأة، وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
ثم قالت بصوت منخفض
يعني ممكن نخسر الشقة؟
لم أجب فورًا.
اقتربت من الطاولة، وأعدت ترتيب الأوراق داخل الملف البني.
ثم قلت
ممكن أو ممكن نفهم بعض من جديد.
رفع