بعد 7 سنين من الشغل
المحتويات
لوحدها بعد ما رجعت من العمارة، حسّيت إن في حاجة اتغيرت جوهّي بشكل ما يتوصفش بسهولة.
مش بس إن القصة انتهت قانونيًا لكن كأن في جزء مني كان مربوط بالمكان وبالذكرى اتفك.
الأيام اللي بعدها كانت هادية بشكل مريب.
لا مكالمات، لا قضايا جديدة، ولا حتى أي محاولة تواصل.
الهدوء ده كان غريب كأنه قبل عاصفة أو بعد جنازة.
في صباح يوم عادي، وأنا في الشغل، زميلتي دخلت عليّ وقالت في واحد برا عايزك بيقول اسمه طارق.
وقفت لحظة.
مشيت ناحية الباب بهدوء، من غير ما أعرف أنا رايحة لمين بالظبط.
ولما شفته
ماكانش طارق اللي أعرفه.
كان أنحف، أهدى، وفي عينيه حاجة شبه الاستسلام.
قال بصوت منخفض مش جاي أفتح القديم.
سكت.
كمل أنا جاي أقولك إنك كنتي صح وأنا كنت غبي.
الجملة كانت بسيطة بس تقيلة.
ما رديتش بسرعة.
بس بصيت له كويس، كأني لأول مرة بشوفه من غير كل الضجيج اللي كان حوالينا.
قال أنا خسرت كل حاجة هناك حتى نفسي اللي كنت فاكرها قوية.
سكت لحظة، وبعدين أضاف بس عرفت متأخر إن القوة مش في إنك تكسب القوة إنك متخسرش نفسك.
قفلت الباب ورايا نص قفلة، وفضلت واقفة جواه وجوهه بره.
قلت له بهدوء المشكلة يا طارق إنك ما خسرتش فجأة.
سكت.
كملت إنت كنت بتخسر خطوة خطوة وأنا كنت بشوف ومكملة.
نزل عينه في الأرض.
بعد لحظة طويلة من الصمت، قال لو الزمن رجع
قاطعته لأول مرة الزمن ما بيرجعش.
سكت.
كملت بس إنت تقدر تبدأ من جديد بعيد عني.
ومشيت.
من غير ما أستنى رد.
مش لأن قلبي قاسي
لكن لأن الدائرة دي، لو فضلت مفتوحة، كانت هتسحبني لنفس المكان اللي خرجت منه بالعافية.
في آخر اليوم، وأنا ماشية في الشارع، حسّيت بحاجة غريبة.
مش انتصار ولا حزن
لكن وضوح.
إن في قصص لازم
والباب اللي جاي
مش هيكون فيه طارق.
هيكون فيه منى بس بعد المقابلة دي، طارق ما حاولش يكلّمني تاني.
الهدوء اللي حصل بعده كان مختلف كأنه فعلًا قبل النهاية مش بيقاومها.
أنا رجعت لحياتي اليومية، بس المرة دي مش بنفس النسخة القديمة اللي كانت بتجري ورا إحنا سوا.
كنت بشتغل، وبخلص شغلي، وبروح بيتي من غير ما أراجع ألف مرة في دماغي أنا عملت إيه غلط.
بس رغم كل ده كان في فراغ صغير، مش وجع بس فراغ.
بعد أسبوعين، جالي اتصال من رقم غريب تاني.
بس المرة دي صوت المحامي في خبر مهم الحكم الابتدائي صدر.
سكت قلبي لحظة.
كمل المحكمة أثبتت صحة التوقيعات وإثبات المديونية والنصيب اللي باسمك اتسجل بشكل رسمي.
قفلت المكالمة من غير ما أرد.
مش فرحة صاخبة ولا انتصار كبير.
بس إحساس غريب بالعدالة الهادية اللي ما بتصرخش.
في نفس اليوم، رجعت العمارة تاني.
المرة دي ماكنتش لوحدي في الصراع لكن كنت لوحدي في الفهم.
وقفت قدامها، وبصيت على كل دور فيها.
كل حتة فيها كانت شاهدة على تعب، وعلى حب، وعلى غلطة كبيرة اسمها ثقة زيادة عن اللازم.
فجأة لقيت حارس الموقع بيقولي في حد كان بيسأل عنك من فترة بييجي يقف قدام العمارة وبعدين يمشي.
سكت.
عارفة مين.
ما سألتش.
بالليل، وأنا قاعدة في البيت، لقيت ظرف صغير متساب تحت الباب.
جواه صورة قديمة لينا إحنا الاتنين في أول أيام المشروع.
وراها مكتوب بخط مهزوز
أنا ما عدتش عايز أرجع بس كنت محتاج أفتكر إننا في يوم كنا بنضحك بجد.
مسكت الصورة شوية.
وبعدين حطيتها في درج مقفول.
مش عشان أنكر الماضي
لكن عشان ما أسيبهوش يفتح باب مقفول بالعافية.
الأيام بعدها عدّت أسرع.
القضية قربت تخلص
والعمارة بقت شبه محسومة قانونيًا.
بس أنا بدأت حاجة مختلفة تمامًا.
بدأت مشروع جديد صغير لنفسي بس.
مش شراكة.
مش وعود.
مش إحنا.
بس أنا.
وفي آخر مشهد، وأنا بفتّح باب أوضتي في المكتب الجديد، كان في لوحة صغيرة على الحيطة كاتبة
ما تبنيهوش على حد ابنيه عشانك.
ابتسمت لأول مرة من زمان ابتسامة هادية فعلًا.
ومشيت لقدّام.
من غير ما أستنى حد يلحقني.
لأن بعض النهايات مش بتقفل قصة
هي بتعلّمك تكتب قصة جديدة من غير ما تعيد نفس الأخطاء بعد ما المشروع الجديد بدأ يكبر واحدة واحدة، حسّيت لأول مرة إن الوقت بقى ليه طعم مختلف.
مش استعجال زي الأول ولا لهاث ورا لازم نخلص العمارة ولا ضغط حد تاني مشاركني القرار.
كان كل حاجة ماشية على مزاجي أنا، وبسرعة أنا بس اللي محدداها.
في يوم وأنا في المكتب، وصلني اتصال من رقم دولي.
اترددت ثواني وبعدين فتحت.
الصوت كان غريب شوية في الأول، وبعدين اتضح
أنا طارق.
سكت.
كمل مش عايز حاجة بس كنت مسافر شغل في الخليج، وسمعت إن الحكم ابتدائي اتأكد.
ما رديتش بسرعة.
هو كمل مش جاي أفتح موضوع فلوس ولا عمارة أنا خلاص قفلت الباب ده.
سكت لحظة.
وبعدين قال بس كنت عايز أقولك حاجة أخيرة إنتي كنتي أقوى من كل توقعاتي.
الكلام ما كانش مفاجئ لكن كان مختلف.
مش محاولة رجوع ولا استعطاف كان اعتراف متأخر جدًا.
رديت بهدوء المشكلة يا طارق إن القوة دي ما جتش فجأة دي كانت نتيجة كل حاجة حصلت.
سكت هو.
كملت وأي حاجة بتتبني غلط مهما كانت قوية في الآخر بتتكسر.
سمعته بياخد نفس عميق.
وبعدين قال أنا اتعلمت متأخر بس اتعلمت.
قفلت المكالمة قبل ما يكمل.
مش غضب بس لأن الصفحة دي ما بقاش فيها سطور جديدة.
مرّت شهور.
القضية خلصت
بس الغريب إن الإحساس بالانتصار ما كانش عالي زي ما الناس بتتخيل.
كان أهدى من كده بكتير.
كأنك خلصت حرب طويلة ومش قادر تفرح بس قادر تتنفس.
في يوم، وأنا ماشية جنب العمارة بعد ما بدأت تتظبط إداريًا، وقفت دقيقة.
مشفتش طارق ولا حد من الماضي.
بس حسّيت إن المكان نفسه اتغير.
بقى مجرد مبنى مش ذاكرة.
وفي آخر اليوم، رجعت البيت وفتحت دفتر قديم كنت بكتب فيه أفكاري من زمان.
لقيت نفسي كاتبة جملة مش فاكرة إني كتبتها
مش كل اللي بنخسره بنندم عليه أحيانًا بنخسر عشان نرجع لنفسنا.
قعدت شوية بصّة للورقة.
وبعدين قفلت الدفتر بهدوء.
لأن المرة دي مكنش فيه حاجة ناقصة.
كان فيه بس بداية جديدة من غير أي ظل قديم بيطاردها بعد ما قفلت الدفتر، حسّيت إن في مرحلة فعلًا اتقفلت جوايا، مش على الورق بس.
بس الحياة مش بتقف عند لحظة وعي هي بتكمل، وبتختبرك تاني بهدوء.
بعد أسابيع، بدأت ألاحظ إن في حد بييجي العمارة كل فترة في مواعيد متفرقة، يقف بعيد، ويبعد.
حارس الموقع كل مرة يقولي نفس الجملة نفس الشخص اللي بيقف وبيمشي بسرعة.
ما كنتش محتاجة أسأل.
كنت عارفة.
بس المرة دي ما كانش عندي رد فعل.
لا فضول لا غضب لا حتى اهتمام.
كأن الموضوع بقى ذكرى بتتحرك في الخلفية بس.
في يوم، وأنا خارجة من المكتب، لقيت رسالة على الموبايل من رقم جديد
أنا مش بلاحقك أنا بس بحاول أتعلم أعيش من غير ما أكون جزء من حياتك.
وقفت في الشارع دقيقة.
بصيت للشاشة، وبعدين قفلتها من غير رد.
لأن في مرحلة معينة الردود بتبقى مجرد رجوع لنقطة الصفر.
مرّت شهور تانية.
مشروعك الجديد بدأ ياخد شكل حقيقي شغل، عملاء، اسم بيتعرف
وبقيتي كل مرة تدخلي مكان جديد، تحسي إنك مش مرات حد ولا شريكة حد ولا طرف في قصة.
بس اسمك لوحدك.
منى.
بس كده.
وفي يوم هادي جدًا،
متابعة القراءة