انا جوزي مسافر بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

في إحدى الليالي...
رن هاتف نورا.
رقم مجهول.
ردت.
فسمعت صوت رجل مسن.
قال جملة واحدة فقط
إذا كنتِ فعلًا حفيدة الحاج عبد الرحيم... فهناك شيء يخص عائلتك لم يعرفه أحد حتى الآن.
ارتجفت نورا.
حضرتك مين؟
لكن الخط انقطع.
وفشلت كل محاولات الاتصال مرة أخرى.
وفي اليوم التالي...
وصل إلى بيت صباح طرد صغير بلا اسم مرسل.
وعندما فتحوه...
وجدوا بداخله مفتاحًا قديمًا جدًا...
ومعه ورقة مكتوب عليها
ابحثوا تحت شجرة الجميز الكبيرة...
وهنا فقط...
بدأ لغز جديد لم يكن أحد منهم مستعدًا له نظرت صباح إلى المفتاح.
ثم إلى الورقة.
ثم إلى عادل.
وقال الجميع في وقت واحد تقريبًا
شجرة الجميز؟!
ابتلع عادل ريقه.
لأن هناك شجرة جميز واحدة فقط يعرفها كل أفراد العائلة.
شجرة ضخمة كانت موجودة في أرض جدهم القديمة.
شجرة عمرها عشرات السنين.
وكان الجد دائمًا يقول
الشجرة دي حارسة سر كبير.
وكلما سأله أحد عن السر كان يضحك ويغير الموضوع.
في صباح اليوم التالي...
تحركت الأسرة كلها إلى الأرض.
حتى المحامي جاء معهم.
وصلوا إلى الجميزة الضخمة.
كانت ما زالت واقفة رغم مرور السنين.
جذعها عريض جدًا.
وأغصانها تغطي مساحة كبيرة.
أخرج عادل الورقة مرة أخرى.
كان مكتوبًا بخط مرتعش
تحت الجهة الشمالية.
بدأوا الحفر.
ساعة.
ثم ساعتين.
ولا شيء.
بدأ الأمل يضيع.
لكن فجأة...
اصطدمت المجرفة بشيء صلب.
طَق!
تجمد الجميع.
نزل عادل بنفسه إلى الحفرة.
وبدأ يزيح التراب بيديه.
حتى ظهر صندوق معدني قديم.
مغطى بالصدأ.
صباح وضعت يدها على قلبها.
أما سعاد فكانت لا تصدق ما ترى.
رفعوا الصندوق بصعوبة.
وكان المفتاح القديم مناسبًا للقفل تمامًا.
أدار عادل المفتاح.
وفتح الغطاء ببطء.
صرير حاد خرج من المعدن.
ثم...
ساد الصمت.
لم يكن الصندوق مليئًا بالذهب.
ولا بالأموال.
كما توقع الجميع.
بل كان مليئًا بالدفاتر والصور والخطابات.
وملف كبير مكتوب عليه
تاريخ العائلة.
جلسوا تحت ظل الجميزة يفتحون الأوراق.
وكانت المفاجآت تتوالى.
صور للجد وهو شاب.

صور لأشخاص لم يعرفهم أحد.
رسائل عمرها أكثر من خمسين سنة.
لكن أخطر شيء كان دفترًا جلديًا قديمًا.
مكتوب على غلافه
الحقيقة الكاملة.
فتح عادل أول صفحة.
وبدأ يقرأ.
ومع كل سطر كانت ملامحه تتغير.
حتى توقف فجأة.
وشحب وجهه.
قالت سعاد بقلق
في إيه؟
رفع رأسه ببطء.
وقال
فيه حاجة محدش فينا كان يعرفها.
إيه هي؟
سكت لحظة.
ثم قال
أبويا... ماكانش الابن الوحيد لجدي.
شهقت صباح.
يعني إيه؟
يعني لينا فرع تاني من العيلة.
أقارب عايشين لحد النهارده.
وماحدش كان يعرف عنهم أي حاجة.
الدفتر كشف أن خلافًا قديمًا وقع بين الأخوين قبل أكثر من ستين سنة.
الخلاف أدى إلى قطيعة كاملة.
كل طرف عاش حياته بعيدًا عن الآخر.
ومع الوقت اختفت الأخبار.
وضاعت الأسماء.
وكأن الفرع الآخر لم يوجد أصلًا.
لكن الجد كتب كل شيء.
الأسماء.
العناوين القديمة.
والسبب الحقيقي للخلاف.
ظل الجميع يقرأ حتى غروب الشمس.
وفجأة سقطت من بين صفحات الدفتر ورقة صغيرة مطوية.
التقطتها نورا.
فتحتها.
ثم اتسعت عيناها.
يا جماعة...
التفت الجميع إليها.
إيه؟
قالت وهي ترتجف
الورقة دي مكتوب فيها عنوان حديث.
عنوان اتكتب من سنتين بس.
يعني فيه حد كان بيضيف معلومات للدفتر بعد وفاة جدي بسنين طويلة.
ساد الصمت.
رفع عادل الورقة.
وقرأ العنوان.
ثم نظر للمحامي.
وقال
العنوان ده موجود في القاهرة.
المحامي عقد حاجبيه.
والأغرب من كده...
إيه؟
الاسم المكتوب هنا معروف جدًا.
سعاد اقتربت بسرعة.
مين؟
تنهد المحامي.
ثم قال
الشخص ده رجل أعمال مشهور جدًا.
ومن أغنى الناس في البلد.
والورقة بتقول إنه من نفس دمنا...
ومن نفس العائلة.
لكن الأغرب من كل ده...
إنه بنفسه بعت رسالة للمجهول اللي حط المفتاح.
رسالة مكتوب فيها
إذا وصلتهم الأوراق... يبقى وقت الحقيقة أخيرًا جه.
وهنا أدرك الجميع أن رحلة الجميزة لم تكن النهاية...
بل كانت بداية سر أكبر بكثير مما تخيلوا في تلك الليلة...
لم يذق أحد طعم النوم.
الورقة كانت موضوعة فوق الطاولة.
والعنوان أمامهم.
والسؤال الذي
يدور في رأس الجميع
من هو هذا الرجل؟ ولماذا انتظر كل هذه السنين؟
في الصباح الباكر، انطلق عادل وصباح وسعاد ونورا إلى القاهرة.
طوال الطريق لم يتوقف الحديث.
مرة يتوقعون أنه قريب بعيد.
ومرة يظنون أنه مجرد تشابه أسماء.
ومرة يخافون أن تكون خدعة.
لكن كل الاحتمالات انتهت عندما وصلوا إلى العنوان.
كان مبنى ضخمًا.
حراسة.
وشركة كبيرة تحمل اسمًا معروفًا.
نظر الحارس إلى الأسماء.
ثم قال فورًا
الأستاذ منتظركم.
تبادل الجميع النظرات بدهشة.
منتظرهم؟!
صعدوا إلى الطابق الأخير.
ودخلوا مكتبًا واسعًا.
وقف رجل في أواخر الستينات من عمره.
ملامحه قوية.
وشعره أبيض.
لكن أكثر ما لفت انتباههم...
أنه كان يشبه جدهم بشكل غريب.
نفس العينين.
ونفس الابتسامة.
ونفس الطريقة في الوقوف.
قال الرجل بهدوء
أهلًا بيكم.
ثم نظر إلى عادل طويلًا.
وأضاف
استنيت اللحظة دي أكتر من أربعين سنة.
سألته سعاد مباشرة
حضرتك مين؟
تنهد الرجل.
ثم قال
أنا اسمي فؤاد.
وابن عم أبوكم.
ساد الصمت.
صباح وضعت يدها على فمها.
أما عادل فظل ينظر إليه غير مصدق.
بدأ فؤاد يحكي.
قبل عشرات السنين حدث خلاف كبير بين الجد وأخيه.
الخلاف لم يكن على المال.
ولا الأرض.
بل على قرار غيّر حياة الأسرة كلها.
كل واحد تمسك برأيه.
وتحول الخلاف إلى قطيعة.
ثم مات الكبار.
وورث الصغار العداوة دون أن يعرفوا السبب الحقيقي.
قال فؤاد
وأنا لما كبرت حاولت أوصل لكم.
لكن كل مرة كانت الظروف تمنع.
ثم اكتشفت اختفاء عادل.
وبعدها وفاة والدكم.
ومع الوقت ضاعت الخيوط.
لحد ما لقيت الدفتر.
سألته نورا
طيب ليه بعت المفتاح من غير ما تعرفنا بنفسك؟
ابتسم.
لأنكم لو جيتوا بسبب الفضول هتسمعوا الحقيقة كلها.
أما لو جيت أنا فجأة أقولكم إننا أقارب، محدش كان هيصدق.
مرت ساعات طويلة في الحديث.
وقصص قديمة.
وصور.
وحكايات لم يسمعها أحد من قبل.
حتى بدأ الجميع يشعر أن جزءًا مفقودًا من تاريخهم عاد إليهم.
لكن أثناء الكلام...
فتح فؤاد درج مكتبه.
وأخرج ملفًا آخر.
كان أكثر سمكًا
من كل الملفات السابقة.
ووضعه أمامهم.
ثم تغيرت ملامحه.
قال
الحقيقة فيه سبب تاني مهم جدًا خلاني أدور عليكم.
تجمد الجميع.
سبب إيه؟
رد بهدوء
لأن في شخص تاني بيدور عليكم من سنين.
نظرت صباح إلى سعاد.
ونظرت سعاد إلى عادل.
أما نورا فقالت
مين؟
فتح فؤاد الملف.
وأخرج صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لرجل شاب يقف بجوار جدهم.
لكن لا أحد منهم تعرف عليه.
قال فؤاد
الراجل ده اختفى سنة 1978.
وساب أمانة كبيرة جدًا عند جدكم.
أمانة عمرها ما اتسلمت لصاحبها.
سأل عادل
وإيه علاقتنا إحنا؟
رفع فؤاد الصورة.
ثم أشار إلى الشاب.
وقال
لأن الشخص ده...
هو جد الشخص اللي بيدور عليكم دلوقتي.
وقبل أن يكمل كلامه...
رن هاتف فؤاد.
نظر إلى الشاشة.
وتغير لون وجهه فجأة.
أغلق الهاتف ببطء.
ثم نظر إليهم جميعًا وقال
للأسف... الشخص اللي كنا هنتقابل معاه الأسبوع الجاي وصل القاهرة النهارده.
طيب كويس!
قالتها نورا.
لكن فؤاد هز رأسه.
لا...
مش كويس.
ليه؟
رد بصوت منخفض
لأنه اختفى من ساعة ما وصل المطار...
وفي آخر مكالمة عملها قبل اختفائه قال جملة واحدة
لقيت الحقيقة أخيرًا... لكن في حد مش عايزها تظهر.
وهنا أدرك الجميع أن القصة التي بدأت بطلب 750 جنيه لم تنتهِ بعد... بل دخلت أخطر مرحلة فيها في الأيام التالية...
تحولت القصة كلها إلى لغز كبير.
الشرطة بدأت تبحث عن الرجل المختفي.
وفؤاد سلّم كل الأوراق والمستندات اللي عنده.
أما سعاد وصباح وعادل ونورا فكانوا يعيشون على أعصابهم.
كل يوم خبر جديد.
وكل يوم سؤال جديد.
بعد أسبوعين...
جاء الاتصال المنتظر.
تم العثور على الرجل.
حيًّا.
وسليمًا.
لكن المفاجأة كانت أنه لم يُختطف.
ولم يكن هاربًا.
بل كان مختبئًا بنفسه.
عندما اجتمع الجميع معه أخيرًا...
كشف الحقيقة.
قال إنه اكتشف أن الأمانة التي تركها جده عند جدهم ليست أموالًا ولا ذهبًا.
بل وثائق تثبت ملكية أراضٍ قديمة كانت محل نزاع منذ عشرات السنين.
وكان يخشى أن تظهر الوثائق قبل التأكد من صحتها.
لذلك اختفى مؤقتًا حتى
يجمع الأدلة كلها.
وبعد مراجعات قانونية طويلة...
ثبتت الحقيقة.
وعادت الحقوق لأصحابها.
لكن المدهش أن أصحاب الحقوق لم يكونوا بحاجة إلى المال بقدر حاجتهم إلى معرفة الحقيقة.
حقيقة ما حدث لآبائهم وأجدادهم.
وحقيقة سبب القطيعة الطويلة بين العائلات.
وفي يوم كبير...
اجتمعت العائلتان لأول مرة
تم نسخ الرابط