تليفونى رن الصبح
تليفوني رن الصبح، كان أخويا حسن.
رديت عليه لقيته بيسألني من غير مقدمات
جوزك فين دلوقتي؟
رديت باستغراب
في الغردقة... عنده اجتماع شغل مهم.
سكت شوية، وبعدين قال
يا أختي، جوزك مش في الغردقة. جوزك موجود في العين السخنة، وحاجز في الفندق اللي أنا شغال فيه.
قلبي وقع.
لكن حسن كمل بسرعة
استني قبل ما تفهمي غلط. هو مش مع ست ولا حاجة. المشكلة أكبر من كده.
قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع.
يعني إيه؟
قال
من امبارح وهو داخل خارج من الفندق مع مجموعة رجال أعمال، وفيه واحد منهم اسمه سامح. الراجل ده عليه مشاكل مالية كبيرة، وشكله بيحاول يورط ياسر في شغل مش قانوني.
اتجمدت مكاني.
ياسر فعلاً كان متغير بقاله شهور.
مكالمات كتير.
توتر مستمر.
فلوس بتخرج من الحساب.
وسهر برة البيت بحجة الشغل.
لكن عمري ما تخيلت إنه يكون داخل في مصيبة بالشكل ده.
قلت لحسن
أنت متأكد؟
قال
متأكد. والأخطر إن المصاريف كلها بتتسحب من البطاقة المربوطة بحسابك.
قفلت معاه وأنا دماغي بتلف.
في نفس اللحظة دخلت على التطبيق البنكي.
ولقيت عمليات سحب وتحويلات بمبالغ كبيرة.
مبالغ أكبر بكتير من اللي ياسر كان بيقوله.
ساعتها أخدت قرار سريع.
وقفت البطاقة مؤقتًا.
واحتفظت بكل كشوف الحساب.
وبدأت أجمع أي مستند يخص الفلوس.
طول اليوم كنت مستنية اتصال من ياسر.
لكن هو ما اتصلش.
وبالليل، حسن بعتلي صور من قاعة الاجتماعات في الفندق.
ياسر كان قاعد مع مجموعة رجال.
ووسطهم سامح.
ورق وعقود ومبالغ مالية ضخمة.
شكلها صفقات مش طبيعية أبدًا.
النوم ما جاليش الليلة دي.
كنت بفكر
هل جوزي ضحية؟
ولا شريك؟
ومع أول ضوء للشمس...
وصلني اتصال من رقم غريب.
رديت.
لقيت صوت راجل بيقول
مدام منى؟ لازم تعرفي إن جوزك في خطر.
قلبي وقف.
مين حضرتك؟
قال
واحد كان شغال مع سامح زمان. والليلة دي هيجبروا جوزك يمضي على أوراق هتدمر مستقبله كله.
قبل
اتصلت بحسن فورًا.
وقلتله
لازم نتصرف دلوقتي.
وبدأت خطة سريعة.
حسن جمع كل المعلومات اللي عنده.
وأخويا المحامي راجع العقود اللي قدرنا نوصل لها.
وفي المساء، دخلنا الفندق.
كان ياسر قاعد قدام الأوراق فعلًا.
ووشه كان مرهق وخايف.
أول ما شافني وقف مصدوم.
قلتله بهدوء
متوقعش أسكت وإنت بتضيع نفسك.
سامح حاول يقاطع.
لكن المحامي طلع المستندات وقال
أي توقيع النهارده هيتم إبلاغ الجهات المختصة عنه فورًا.
في لحظات، اتقلب الاجتماع كله.
وبدأ الحضور ينسحبوا واحد وراء التاني.
أما سامح...
فاختفى تقريبًا بعد ما حس إن الموضوع اتكشف.
بعد ساعات طويلة، قعدت أنا وياسر لوحدنا.
واعترف إنه كان غرقان في ديون بسبب مشروع خسر فيه.
وخاف يقول الحقيقة.
فبدأ يدور على أي فرصة تعوض خسارته.
لحد ما وقع في إيد ناس استغلوا ضعفه.
بصلي وقال
أنا غلطت لما خبيت عنك.
رديت
الغلط مش الخسارة... الغلط إنك واجهتها لوحدك.
وبعد شهور من التعب والمحاكم والإجراءات...
خرج ياسر من الأزمة.
مش بسهولة.
لكن بضمير أنضف وخبرة أقسى.
أما أنا...
فاتعلمت إن أكبر خطر على أي بيت مش الأسرار الكبيرة.
إنما أول كذبة صغيرة بنسمح لها تكبر لحد ما تبقى جبل بين اتنين بيحبوا بعض بعد ما الأزمة عدّت، كنت فاكرة إن أصعب مرحلة خلصت.
لكن الحقيقة كانت لسه جاية.
ياسر رجع البيت، ورجع شغله بالتدريج، وحاول يصلح كل حاجة اتكسرت بينا.
لكن الثقة؟
الثقة كانت أصعب حاجة.
كل مرة موبايله يرن، قلبي يدق.
كل مرة يتأخر نص ساعة، دماغي تروح لألف احتمال.
وهو كان حاسس بده.
عشان كده ما كانش بيتضايق من أسئلتي، ولا يهرب من الكلام.
كان عارف إنه السبب.
في يوم، وأنا برتب الدولاب، لقيت ملف قديم مستخبي في درج تحتاني.
فتحته من باب الفضول.
ولقيت أوراق مشروع كان ياسر شغال عليه من سنتين.
مشروع كان حلم عمره.
قعدت أقلب في الورق لحد ما
لو المشروع ده نجح، أول حاجة هعملها إني أشتري بيت أكبر لمُنى وأولادي.
ساعتها عرفت حاجة مهمة.
ياسر ما كانش شخص سيئ.
كان شخص خاف من الفشل.
والخوف أحيانًا بيخلي الإنسان ياخد قرارات غلط.
في نفس الليلة، قعدنا نتكلم لأول مرة من شهور من غير توتر.
حكالي كل حاجة.
إزاي خسر فلوسه.
وإزاي استلف.
وإزاي كان كل يوم بيصحى خايف أقول له أنت فشلت.
بصيت له وقلت
أنا كنت ممكن أزعل من الخسارة... لكن عمري ما كنت هسيبك بسببها.
نزل راسه وسكت.
واضح إن الجملة دي كانت تقيلة عليه.
ومن يومها بدأنا من جديد.
مش كأن حاجة ما حصلتش.
لكن كأننا بنبني بيت وقع جزء منه.
طوبة طوبة.
لحد ما جه اليوم اللي خلى كل التعب يهون.
ياسر رجع من الشغل وهو ماسك ظرف أبيض.
وحاطط ابتسامة غريبة على وشه.
ناولني الظرف وقال
افتحيه.
فتحته.
ولقيت عقد شراكة جديد.
مع شركة كبيرة ومحترمة.
المشروع اللي كان فاكره انتهى رجع للحياة من تاني.
وبشروط أحسن كمان.
فرحتي كانت أكبر من فرحته.
لأن النجاح المرة دي ما كانش مجرد فلوس.
كان إثبات إنه قدر يقوم بعد ما وقع.
بعد سنة كاملة...
وقفنا قدام بيت جديد صغير.
مش قصر.
ولا فيلا.
لكن بيت متبني بالحلال والتعب والصدق.
ياسر حط المفتاح في إيدي وقال
المرة دي مفيش أسرار.
ابتسمت وأنا باخد المفتاح.
وحسيت إن النهاية السعيدة مش معناها إن الحياة تبقى كاملة.
لكن معناها إنك تلاقي الشخص اللي يواجه العاصفة معاك... بدل ما يهرب منها.
تمت مرّت سنتين.
والحياة بدأت تستقر فعلًا.
البيت الجديد بقى مليان ضحك بعد ما كان مليان قلق.
وأولادنا رجعوا يشوفوا أبوهم وهو مبتسم بدل ما يشوفوه طول الوقت سرحان ومتوتر.
كنت فاكرة إن الماضي اتقفل خلاص.
لكن في مساء هادئ، وإحنا قاعدين بنتعشى، موبايل ياسر رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
أول مرة أشوف النظرة دي من وقت الأزمة.
سألته
خير؟
سكت
سامح.
الاسم رجع كل الذكريات دفعة واحدة.
الراجل اللي كان سبب المصيبة كلها.
الراجل اللي اختفى بعد ما اتكشفت لعبته.
ياسر رفض المكالمة.
بعد دقيقة، جاله تسجيل صوتي.
فتحناه سوا.
كان صوت سامح متعب ومكسور
أنا في المستشفى... وعايز أقابلك قبل ما أموت.
بصيت لياسر.
وبصلي.
وما حدش فينا عرف يقول حاجة.
طول الليل كنا محتارين.
وفي الآخر، قرر يروح.
مش عشان سامح يستاهل.
لكن عشان يقفل آخر باب مفتوح من الماضي.
تاني يوم دخلنا المستشفى.
لقيناه راقد على السرير.
مش الراجل القوي اللي كان بيتحكم في الناس زمان.
كان مجرد إنسان هده المرض والوحدة.
أول ما شاف ياسر، دموعه نزلت.
وقال بصوت ضعيف
أنا ضيعت ناس كتير... وأذيت ناس أكتر.
سكت شوية وبعدين مد ظرف بني قديم.
خد ده.
فتح ياسر الظرف.
كان جواه مستندات وإيصالات وأوراق قديمة.
وأهم حاجة...
ورقة تثبت إن جزء كبير من خسائر ياسر زمان ما كانتش بسبب فشل مشروعه.
كانت بسبب عمليات نصب وتلاعب اتعملت من وراه.
يعني الراجل كان ضحية أكتر مما كان فاهم.
خرجنا من المستشفى وإحنا مصدومين.
بعد أسابيع من مراجعة الأوراق مع المحامين، قدر ياسر يسترجع جزء من حقوقه اللي كان فاكر إنها ضاعت للأبد.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش الفلوس.
كانت راحة البال.
لأول مرة من سنين، شفته واقف قدام المراية من غير شعور بالذنب.
من غير ما يحمل نفسه مسؤولية كل حاجة.
وفي ليلة هادئة، كنا قاعدين في البلكونة.
قال لي
عارفة؟
قلت
إيه؟
ابتسم وقال
أكبر مكسب أخدته من كل اللي حصل... مش البيت ولا الشغل.
سألته
أمال إيه؟
بص لي وقال
إني لقيت حد وقف جنبي وأنا واقع.
ما رديتش.
بس مسكت إيده.
وفي اللحظة دي حسيت إن بعض القصص السعيدة مش بتبدأ يوم الفرح...
بعضها بيبدأ بعد أصعب أزمة ممكن تعدي على اتنين، لما يقرروا يتمسكوا ببعض رغم كل شيء.
وهكذا، انتهت الحكاية التي بدأت بمكالمة هاتفية
النهاية بعد شهور من زيارة المستشفى، رجعت الحياة لطبيعتها.
أو على الأقل... ده اللي كنا فاكرينه.
في يوم جمعة، كنت أنا وياسر