مراتي ست بيت بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

بقت أضيق، والنفس بقي تقيل.
صوتها كان قريب لدرجة مزعجة، لكن لما بصّيت وراك ماكانش في حد.
أختك واقفة عند الباب بتخبط عليه بعصبية
افتح! إيه اللي بيحصل؟!
لكن الباب ما اتحركش.
عينك رجعت على السرير تاني الملف لسه مفتوح.
فتحت الصفحة الأولى.
كان مكتوب بخط مرتب جدًا
خطة 1 تثبيت الصورة الكاملة.
وتحتها تواريخ ملاحظات تفاصيل يوم بيوم عن كل حاجة حصلت في البيت.
أكتر حاجة خوّفتك مش المحتوى
اللي خوّفك إن كل حاجة مكتوبة كانت أدق من ذاكرتك أنت.
وفي صفحة تانية
كان في جملة واحدة بس
هو مش هيفهم غير لما يشوف نفسه من بره.
فجأة شاشة التلفزيون في الصالة اشتغلت لوحدها.
أختك صرخت
ده بيتجنن!
خرجت بسرعة ناحية الصالة والتلفزيون كان بيعرض فيديو مباشر.
إنت.
قاعد في نفس المكان.
بتتكلم، بتضحك، بتقرر، بتأمر.
بس اللقطة كانت من زاوية مش موجودة في البيت.
زاوية من بره الشقة.
كأن في كاميرا مخفية بتصور حياتك كلها من غير ما تعرف.
أختك بصّت للفيديو ووشها اتغير
ده إحنا كنا متراقبين؟
وفي اللحظة دي
ظهر صوتها تاني، مش من وراك ولا من التليفون
من الشاشة نفسها
أنا ما كنتش بخطط أخرج كنت بخليك تشوف نفسك.
الصورة بدأت تهتز وبعدين ظهرت رسالة كبيرة على الشاشة
البيت كان اختبار وإنت اخترت كل خطوة بنفسك.
الأنوار رجعت تشتغل فجأة.
والصمت رجع لكن المرة دي مختلف.
مش صمت خوف
صمت فهم متأخر جدًا.
وأنت واقف، أول مرة تحس إن السؤال الحقيقي مش هي عملت إيه؟
لكن
إنت كنت شايف نفسك مين طول الوقت؟الباب الداخلي اتفتح ببطء بس الغريب إنه ماكنش في حد ظاهر.
الظلام جوه الأوضة كان أعمق من باقي الشقة، كأن النور نفسه بيرجع خطوة لورا.
أختك مسكت في إيدك فجأة
في حد جوا؟
أنت حاولت ترد بس الصوت ماطلعش.
وبعدين سمعته.
خطوات خفيفة جوه الأوضة.
مرة اتنين وبعدين وقفت عند الباب من جوه.
كأن اللي واقف هناك عارف إنك سامعه، ومستنيك تتحرك الأول.
فجأة، موبايلك نور لوحده.
رسالة جديدة من رقم مراتك
متدخلش مش عشان خوف عشان تفهم.
أختك همست بعصبية
تفهم إيه؟ دي لعبة!
لكن قبل ما تكمل جملتها
نور تاني رجع فجأة في الشقة.
بس مش كل الأنوار.
نور واحد بس في أوضة النوم النور اللي الباب بتاعها مفتوح.
والأغرب
إن الأوضة اللي جوه، كانت
شكلها مختلف.
ترتيب العفش مش زي ما تفتكر.
حتى السرير متحرك ناحية الحيطة بشكل جديد.
كأن حد عاش هنا من غير ما أنت تلاحظ.
خطوة وبقيت واقف على باب الأوضة.
جوا مفيش حد.
بس فيه ورق متحط على السرير.
قربت.
لقيت ملف مكتوب عليه بخط إيدها
خطة الخروج من البيت رقم 1
قلبك دق بسرعة.
وفي نفس اللحظة الباب وراك اتقفل لوحده.
وصوتها جه من وراك بالظبط، قريب جدًا
دلوقتي بس هتعرف أنا كنت بعمل إيه وإنت فاكرني بس ساكتة وبعد ما الباب اتقفل، ماكانش في صوت في المكان غير خطواتك وإنت نازل السلم.
ولا رسالة جديدة ولا مكالمة ولا حتى محاولة تفسير.
بس اللي كان واضح إن كل طرف خرج من القصة بشيء مختلف هي خرجت بقرارها وهدوئها اللي اتبنى ببطء. وأنت خرجت بسؤال متأخر، لكنه أخيرًا بدأ يتكوّن صح.
في البيت القديم، أختك فضلت قاعدة لحظات طويلة من غير كلام، وبعدين قالت بهدوء لنفسها
مش كل حاجة كانت محتاجة صوت عالي عشان تتغير
قفلت الباب وراها ومشيت.
أما أنت
فوقفت قدام الشارع شوية.
الهواء كان أبرد من أي يوم فات.
ومرة واحدة بس، لأول مرة من فترة طويلة، ماكنتش بتدور على مين غلط ومين صح
كنت بس بتفكر إزاي بيت ممكن يقع من غير ما حد يهدمه بإيده
بس لما كل واحد فيه يفضل شايف نفسه أهم من اللي معاه.
وبعدين مشيت في الشارع
من غير ما تبص وراك.
مشيّت خطواتك الأولى في الشارع كأنها أخف من كل اللي فات بس مش لأن الحمل اختفى، بل لأنك أخيرًا سيبت مكانك القديم.
الهواء كان أبرد فعلًا، والهدوء حواليك مختلف مش هدوء بيت بيتقفل، لكن هدوء عقل بدأ يراجع نفسه من غير ضوضاء.
موبايلك رن.
نفس الرقم.
بس ماكنتش رسالة عتاب ولا تسجيل.
كانت جملة قصيرة جدًا
لما توصل لمرحلة إنك تسأل نفسك بدل ما تسأل غيرك ساعتها بس تبدأ تفهم.
قفلت الشاشة من غير ما ترد.
وقفت عند أول شارع جانبي، بصّيت للناس اللي ماشية عادي جدًا حياة مستمرة، مفيش حد شايل نفس الوزن اللي جواك.
ولأول مرة، الفكرة ماكنتش إزاي أرجع اللي راح
لكن إزاي ما أكررهوش.
في نفس الوقت
في الشقة الصغيرة اللي كانت واقفة فيها هي، كانت قاعدة قدام شباك مفتوح، ووشها هادي أكتر من الأول.
مفيش انتصار مفيش شماتة
بس في راحة غريبة، كأن آخر عقدة اتفكت.
على الترابيزة قدامها كان
في ظرف صغير مقفول.
مكتوب عليه
لو رجعت تفكر صح افتحه.
لكنها ما فتحتهوش.
سابت الظرف مكانه.
وقالت بصوت واطي لنفسها
مش كل النهايات محتاجة رد بعض النهايات محتاجة صمت.
وأنت
فضلت ماشي.
مش راجع.
ومش هارب.
لكن لأول مرة
ماشي ناحية نسخة تانية من نفسك
مش مبنية على السيطرة ولا العناد ولا إنك دايمًا لازم تكون الصح.
بس مبنية على سؤال واحد بسيط اتأخر جدًا
أنا كنت عايش مع مين ومع نفسي قد إيه؟الشارع بدأ يخف تدريجيًا، والليل دخل بهدوء كأنه بيغطي آخر صفحة في يوم طويل.
قعدت على دكة قدام كشك صغير، وشربت مية لأول مرة وأنت مش مستعجل على حاجة.
الهدوء اللي حواليك ماكنش مريح تمامًا لكنه كان حقيقي.
الموبايل رن تاني.
لكن المرة دي رقم غريب.
ردّيت.
صوت رجل هادي قال
حضرتك وصلت للمرحلة الأخيرة من الملف.
سكتّ.
كمل
مفيش قضايا جديدة ومفيش إجراءات تانية. كل اللي حصل كان كاشف، مش عقاب.
سألته بصوت منخفض
إنت مين؟
رد بعد لحظة
حد كان بيراقب النتيجة مش الأحداث.
وقفل.
فضلت ماسك الموبايل، لأول مرة مش بتدور على رد.
بعد ساعة، لقيت نفسك ماشي تاني.
بس المرة دي من غير اتجاه واضح.
مفيش بيت رايح له، ومفيش مواجهة مستنياك، ومفيش صوت حد بيشدك ناحية أو ضدك.
بس في حاجة واحدة بدأت تبان جواك ببطء
إن كل اللي كان بيحصل حواليك ماكنش صراع بينك وبينها بس
كان صراع بين صورتك عن نفسك والحقيقة اللي كنت بتتجنبها.
وفي مكان تاني بعيد
هي كانت قاعدة قدام نفس الظرف.
بصّت له طويلًا.
وبعدين فتحته.
جواه ورقة واحدة بس
لو وصلت لمرحلة إنك ماعدتش عايزة تنتقمي يبقى المهمة نجحت.
سابت الورقة على الترابيزة، وابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا.
وقالت
أنا ماكنتش بنهي حياة كنت بنهي وهم.
وأنت
وقفت عند تقاطع طرق.
واحد رايح لورا وواحد قدام وواحد مفيهوش أي علامات.
وقفت شوية طويلة
وبعدين مشيت لقدّام.
من غير ما تعرف هتوصل فين.
بس لأول مرة
مشيت وأنت مش شايل دور كل خطوة لقدّام كانت أخف من اللي قبلها، بس في نفس الوقت أوضح.
مش لأن الطريق بقى سهل لكن لأن الضباب اللي كان جواك بدأ يخف شوية بشوية.
قفلت باب الماضي من غير ما يرجع يفتح لوحده.
بعد أيام
لقيت نفسك قاعد في مكان بسيط، بتشتغل شغل عادي جدًا، مفيهوش سلطة ولا قرارات كبيرة
ولا حد بيستناك يرد أو يعترض.
حياة أقل ضجيج لكنها أصدق.
وفي مرة وإنت راجع، قابلت أختك بالصدفة.
وقفت.
هي كمان وقفت.
مفيش لوم مباشر، ومفيش عتاب طويل.
بس قالت جملة واحدة
اللي حصل خلانا كلنا نشوف نفسنا بشكل مختلف.
أنت هزّيت راسك.
أيوه بس متأخر.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
المهم إننا شفنا.
ومشت.
في نفس الوقت
هي كانت قاعدة في مكان هادي، شباك مفتوح، ودفتر صغير قدامها.
بتكتب.
مش خطة ولا دفاع
بس مراجعة.
كل صفحة فيها عنوان واحد
أنا كنت فين وأنا ساكتة؟
وبتكتب من غير استعجال ومن غير غضب.
أما أنت
ففي ليلة من الليالي، وقفت قدام المراية.
مش
بتدور على صورة الراجل اللي كان بيأمر ويقرر
لكن على الشخص اللي بيحاول يفهم.
وسألت نفسك بصوت واطي
هو أنا كنت بحاول أبني بيت ولا أبني نفسي جوه بيت؟
وسكت.
لأول مرة السؤال ماكنش محتاج إجابة فورية.
ومن هنا
مافيش نهاية كبيرة ولا مفاجأة.
فيه بس بداية مختلفة.
إنك تمشي في حياتك الجاية
مش عشان تثبت إنك الصح
لكن عشان تتأكد إنك ما تضيعش نفسك تاني وسط أي علاقة، أي بيت، أو أي دور.
وإنك لما ترجع تبني حاجة
تبنيها وإنت شايف نفسك واللي قدامك بنفس الوضوح بعد فترة، الحياة بدأت تاخد شكلها الهادئ الجديد مش مثالي، لكن ثابت.
البيت القديم بقى مجرد عنوان في الذاكرة، مش مركز الأحداث.
وأنت بقيت بتصحى كل يوم على تفاصيل صغيرة شغل، طريق، ناس عادية، كلام بسيط من غير شدّ ولا صراع.
الغريب إنك ما بقيتش بتدور على مين كسب ومين خسر.
السؤال ده نفسه اختفى.
في يوم، وإنت ماشي من الشغل، قابلت ظرف صغير متساب عند باب المحل اللي بتشتغل فيه.
مفيهوش اسم.
فتحت.
ورقة واحدة
مش كل النهايات محتاجة لقاء بعض النهايات كفاية إنها تبقى مفهومة من بعيد.
مفيش توقيع.
بس الخط كان مألوف.
وقفت شوية ساكت، وبعدين حطيت الورقة في جيبك ومشيت.
في نفس الليلة
وقفت قدام الشباك في شقتك الجديدة.
مفيش أصوات عالية، مفيش تدخلات، مفيش شد وجذب.
بس في هدوء مختلف هدوء مش مبني على سيطرة، لكن على حدود واضحة.
على الناحية التانية من المدينة
هي كانت بتقفل دفترها لأول مرة من غير ما تكتب حاجة جديدة.
بصّت للصفحات القديمة، وبعدين قالت لنفسها بهدوء
مش لازم كل حاجة تتفهم كفاية إنها ما تتكررش.
قفلت
الدفتر وحطّته في درج.
ومشت.
وأنت
في لحظة صمت قصيرة قبل النوم، سألت نفسك السؤال الأخير اللي ماكنش ليه صوت عالي
هو اللي اتعلمته هفضل فاكره ولا هعيشه؟
ومشيت الأيام بعدها عادي.
بس المرة دي من غير ما تنسى نفسك وسط أي قصة.
النهاية.

تم نسخ الرابط