مدير المستشفى امر بطرد الممرضى إلى جايه من الارياف

لمحة نيوز

كان معها ظرف صغير.
وفيه عنوان.
واسم.
وصورة لامرأة شابة تحمل طفلة رضيعة.
خلف الصورة كلمتان فقط
أم سعاد.
بدأ البحث من جديد.
وبعد أسابيع طويلة...
وصلوا إلى بيت بسيط في مدينة بعيدة.
طرقت سعاد الباب.
وانفتح ببطء.
ظهرت امرأة تجاوزت الستين.
كانت ملامحها متعبة.
لكن أول ما شافت سعاد...
وقعت العصا من يدها.
ووضعت يدها على فمها.
والدموع نزلت من غير كلمة.
سعاد نفسها تجمدت.
لأنها لأول مرة في حياتها تشوف شخصًا يشبهها لهذه الدرجة.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس الملامح.
همست المرأة
سعاد؟
وسعاد لم تستطع الرد.
ركضت المرأة نحوها.
وضمتها بقوة.
وبعد أكثر من عشرين سنة من الفقد والانتظار...
التقت أم بابنتها من جديد.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت تنتظرهم.
فخلال الحديث، كشفت الأم أن لسعاد أخًا توأمًا.
اختفى في نفس يوم الحادث.
ولم يعرف أحد أين ذهب.
نظر الجميع لبعضهم في صدمة.
لأن الملف الذي كشف أصل سعاد...
فتح باب لغز جديد.
لغز شخص مفقود منذ أكثر من عشرين عامًا.
شخص قد يكون حيًا...
وقد يكون أقرب إليهم مما يتخيلون.
تمت. لكن كلمة تمت ما كانتش مناسبة للحكاية دي.
لأن بعد ما سعاد عرفت أمها الحقيقية، كان فيه سؤال واحد بيطاردها في كل لحظة
فين أخويا التوأم؟
مرت شهور.
وسعاد رجعت لشغلها.
والحياة بدأت تهدى شوية.
لكن الدكتور سامح ما بطلش يدور.
كل ملف قديم كان بيراجعه.
كل اسم كان بيفتش وراه.
لحد ما في ليلة متأخرة، وهو بيقلب في أرشيف قديم، لقى حاجة غريبة.
رقم ملف.
مكرر مرتين.
مرة باسم طفل مجهول.
ومرة باسم طفل تاني اتبنى بعدها بأيام.
الاسم الجديد كان
ياسين فؤاد.
ومن هنا بدأ الخيط الحقيقي.
بعد أسابيع من البحث، وصلوا لمعلومة صادمة.
ياسين بقى رجل ناجح جدًا.
ومالك لسلسلة شركات كبيرة.
والمفاجأة الأكبر...
إن شركته كانت من أكبر الداعمين لمستشفى النخبة.
يعني الرجل ده كان بيدخل المستشفى ويخرج منها من سنين...
من غير ما يعرف إن أخته شغالة فيها.
ومن غير ما سعاد تعرف إنه أخوها.
الدكتور شريف رتب لقاء من غير ما يقول الأسباب.

دخل ياسين قاعة الاجتماعات.
رجل في أوائل الأربعينيات.
هادئ.
واثق.
لكن أول ما شاف سعاد...
وقف فجأة.
وبص لها طويلًا.
طويلًا جدًا.
لدرجة إن الموجودين حسوا إن فيه حاجة غريبة.
وقال تلقائيًا
أنا أعرفك منين؟
سعاد نفسها كانت حاسة بإحساس غريب.
كأنها شايفة نسخة منها في ملامح راجل واقف قدامها.
بعدها بدأت التحاليل.
وأيام الانتظار كانت أصعب من أي شيء.
لحد ما ظهرت النتيجة.
جلس الطبيب أمام الجميع وقال
نسبة التطابق الجيني...
وسكت لحظة.
ثم ابتسم.
٩٩ ٩٩٪.
انفجرت أم سعاد في البكاء.
أما ياسين فجلس مكانه غير قادر على الكلام.
أربعون سنة تقريبًا من الحياة.
وهو لا يعرف أن له أختًا.
وسعاد ظلت تنظر إليه وهي تبكي وتضحك في نفس الوقت.
ثم اقتربت منه ببطء.
وقالت
أخيرًا لقيتك.
وقام ياسين من مكانه.
واحتضنها بقوة.
احتضان ضيّع سنين كاملة من الفراق.
لكن بينما كان الجميع يعيش لحظة السعادة...
كان هناك شخص يراقبهم من بعيد.
رجل مسن.
يجلس داخل سيارة سوداء قديمة.
وبيده صورة باهتة تعود إلى يوم الحادث نفسه.
نظر إلى الصورة.
ثم إلى سعاد وياسين.
وهمس
سامحوني... أنا السبب في كل اللي حصل.
ثم أدار المحرك وغادر.
من غير ما يعرف أحد أنه يحمل السر الأخير.
السر الذي قد يكشف أن حادث اختفاء التوأم لم يكن حادثًا أصلًا...
بل جريمة مدبرة منذ البداية. 
يتبع...السيارة السوداء اختفت في زحمة الطريق.
لكن صورة الرجل المسن فضلت عالقة في ذهن عماد.
لأنه لمح وجهه للحظة قبل ما يتحرك.
وجه مألوف...
مألوف بشكل مخيف.
في الليلة نفسها، راجع عماد تسجيلات كاميرات المستشفى.
وكبّر الصورة أكتر من مرة.
وفجأة وقف من مكانه.
مستحيل...
الرجل كان الدكتور حمدي السيوفي.
مدير المستشفى الحكومي القديم وقت حادث اختفاء التوأم.
والشخص الوحيد اللي كان موجودًا في كل الملفات الغامضة اللي ظهرت خلال التحقيق.
في صباح اليوم التالي، تحركت مجموعة صغيرة تضم سعاد وياسين والدكتور شريف وعماد.
وبعد ساعات من البحث وصلوا إلى منزل قديم على أطراف المدينة.
فتح لهم الرجل الباب
بنفسه.
وكأنه كان ينتظرهم.
نظر إلى سعاد طويلًا.
ثم قال بهدوء
اتأخرتوا أربعين سنة.
دخلوا جميعًا.
وكان واضحًا أن الرجل تعب من حمل السر.
جلس على كرسي خشبي قديم.
وأخرج صندوقًا حديديًا صغيرًا.
وضعه أمامهم.
وقال
كل الإجابات هنا.
فتحوا الصندوق.
وجدوا ملفات وصورًا وخطابات قديمة.
وفي منتصفها...
شريط تسجيل كاسيت.
شغّلوه.
فخرج صوت امرأة تبكي.
كانت أم سعاد الحقيقية.
تتوسل لأحد الأشخاص أن ينقذ طفليها.
ثم ظهر صوت رجل آخر.
صوت غاضب.
يقول
الأطفال دول لازم يختفوا.
تجمد الجميع.
أما الدكتور حمدي فأغلق عينيه وقال
الحقيقة أبشع مما تتخيلوا.
واتضح أن والد سعاد وياسين لم يكن شخصًا عاديًا.
كان طبيبًا شريفًا كشف شبكة تجارة أدوية فاسدة كانت تسرق أرواح المرضى.
وعندما قرر فضحهم...
قرر المتورطون الانتقام منه.
وفي ليلة الحادث، لم يستهدفوا الأب فقط.
بل استهدفوا العائلة كلها.
مات الأب في ظروف غامضة.
وتفرّق الطفلان وسط الفوضى.
واختفت الأدلة.
وسكت الجميع خوفًا.
سعاد كانت تبكي بصمت.
أما ياسين فكان يقبض على يده بقوة.
ثم سأل
وليه ما قلتش الحقيقة طول السنين دي؟
انحنى الرجل العجوز برأسه.
وقال
لأني كنت جبان.
خفت عليكم.
وخفت على نفسي.
ثم مد ورقة صفراء قديمة نحو سعاد.
كانت وصية كتبها والدها قبل وفاته بأيام.
فتحتها بيد مرتعشة.
وقرأت
إذا وصل أولادي إلى هذه الرسالة يومًا... فأريدهم أن يعرفوا أن الكرامة أهم من المال، وأن الحق قد يتأخر لكنه لا يموت.
لم تستطع إكمال القراءة من شدة البكاء.
مرت أشهر بعد ذلك.
وأُعيد فتح التحقيقات القديمة.
وانكشفت أسماء كثيرة كانت مختبئة خلف المناصب والنفوذ.
أما سعاد...
فاستمرت في عملها كما كانت دائمًا.
تزور المرضى.
وتجلس بجوار المحتاجين.
وتعامل الناس كأنهم أهلها.
وفي يوم تكريم جديد داخل المستشفى، وقف الدكتور شريف أمام الجميع وقال
أكبر درس اتعلمناه إن الإنسان لا يُقاس بملابسه ولا أصله ولا المكان اللي جه منه.
ثم نظر إلى سعاد مبتسمًا.
وأضاف
أحيانًا أكثر شخص يستهين به الناس... يكون صاحب
أعظم قصة بينهم جميعًا.
صفق الجميع طويلًا.
أما سعاد فرفعت عينيها نحو السماء.
وتذكرت أمها بالتبني.
وأمها الحقيقية.
ووالدها الذي لم تعرفه.
وأخوها الذي عاد إليها بعد عمر كامل.
وأدركت أخيرًا...
أن بعض الجروح لا تختفي أبدًا.
لكنها تتحول مع الوقت إلى قوة تجعلنا نكمل الطريق.
النهاية. بعد سنة كاملة من كل اللي حصل...
كانت حياة سعاد هديت أخيرًا.
بقت مشرفة تمريض.
وياسين بقى يزورها باستمرار.
وأمهم كانت بتتنقل بين بيت الاتنين كأنها بتحاول تعوض أربعين سنة ضاعت منها.
الكل كان فاكر إن الأسرار انتهت.
لكن في صباح شتوي بارد...
وصل طرد صغير إلى مكتب سعاد.
من غير مرسل.
ومن غير أي بيانات.
فتحت الصندوق.
ولقت ساعة يد قديمة جدًا.
ساعة رجالي.
متوقفة عند الساعة 1147 بالضبط.
ومعها ورقة صغيرة مكتوب فيها
أبوكِ ما ماتش يوم الحادث.
سعاد شهقت.
وقعت الورقة من إيدها.
وجريت فورًا إلى الدكتور شريف.
وبعد ساعات كان الجميع مجتمعين من جديد.
عماد فحص الطرد.
وياسين راجع الخط المكتوب على الورقة.
أما سعاد فكانت تحدق في الساعة.
لأنها شافتها قبل كده.
في صورة قديمة جدًا لوالدها.
كانت نفس الساعة.
نفس الخدش الصغير على الزجاج.
ونفس الحزام الجلدي البني.
لكن لو الساعة خرجت الآن...
يبقى حد كان محتفظ بيها كل السنين دي.
حد يعرف الحقيقة.
بدأت رحلة جديدة.
وأول خيط وصلهم إلى دار رعاية قديم على ساحل البحر.
وهناك...
وجدوا رجلًا طاعنًا في السن.
كان يعمل ممرضًا وقت الحادث.
الرجل ارتبك أول ما شاف الصورة.
وقال
أنا كنت فاكر السر هيموت معانا.
اقتربت سعاد منه.
وسألته
أبويا مات ولا لأ؟
سكت طويلًا.
ثم قال
إحنا كلنا افتكرنا إنه مات.
لكن بعد الحادث بساعات... جه ناس أخدوه وهو لسه عايش.
ساد الصمت.
كأن الزمن توقف.
ياسين ضرب الطاولة بقبضته.
مين أخده؟
الرجل هز رأسه.
معرفش.
لكن أعرف حاجة واحدة.
ثم أخرج دفترًا صغيرًا قديمًا.
فتح صفحة مهترئة.
وأشار إلى اسم مكتوب بقلم باهت.
الاسم كان
سليم الراوي.
الدكتور شريف اتجمد مكانه.
لأنه يعرف الاسم.
بل يعرفه
جيدًا.
سليم الراوي كان رجل أعمال شهيرًا قبل عقود.
ثم اختفى فجأة من الحياة العامة.
لكن المفاجأة الكبرى...
أن الصورة الوحيدة المعروفة لسليم الراوي كانت لرجل يشبه والد سعاد بنسبة مرعبة.
رجعوا جميعًا وهم يحملون ألف سؤال.
وبعد أسابيع من البحث والتقصي...
وصلوا إلى
تم نسخ الرابط