طلعت عروستنا بقلم الهواري
اتعرفت على مدحت من خلال واحدة صاحبتها شغالة في محل كوافير، ومدحت فضل يمثل عليها الحب والشهامة شهور، لحد ما وافقت تتجوزه. لكن قبل الفرح بأيام سمعت مكالمة بينه وبين راجل بيقول له إن "البضاعة جاهزة"، ولما حاولت تهرب، مدحت هددها بأخوها الصغير. ليلة الفرح، لما الناس كلها كانت بترقص، مدحت كان مستني يسلمها لناس جايين ياخدوها بعد يومين. ولما واجهته، ضربها وحبسها في الأوضة.
الحاجة إلهام وهي بتسمع الكلام كانت حاسة إن الأرض بتتشال من تحتها. ابنها؟ اللي ربتّه بإيديها؟ يبقى وحش بالشكل ده؟ حاول عقلها يرفض، لكن قلبها كان فاهم. افتكرت فلوس الفرح الكتير اللي فجأة ظهرت مع مدحت، افتكرت عصبيته الجديدة، سفراته الغامضة، التليفونات اللي كان يقفلها أول ما تدخل عليه. كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها بشكل مرعب.
لكن المصيبة الأكبر كانت جوه المنديل. لما صفاء نامت من التعب،
في الليلة دي، الحاجة إلهام ما نمتش. فضلت قاعدة جنب صفاء ماسكة سكينة مطبخ تحت جلابيتها. ومدحت طول الليل يطلع يبص من بعيد ويرجع ينزل. كأنه مستني اللحظة اللي أمه تغفل فيها. ومع الفجر، الحاجة إلهام خدت قرار عمرها ما تخيلت إنها تاخده. صحت أختها بثينة، وحكت لها كل حاجة. بثينة انهارت من الصدمة، لكن الحاجة إلهام قالت لها بعيون جامدة: "لو سكتنا يبقى إحنا زيه."
ولأول مرة في عمرها، الحاجة إلهام نزلت القسم بنفسها. دخلت على الظابط وحطت الفلاشة قدامه. في البداية محدش صدق إن الست الحديد دي جاية تبلغ عن ابنها الوحيد. لكن أول
رجعت الحاجة إلهام البيت وكأنها داخلة على جنازة. كانت عارفة إن النهاية قربت. ومدحت كان قاعد في الصالة مستنيها. أول ما شافها عرف. وقف ببطء وقال: "روحتي فين يا أمي؟" الحاجة إلهام بصت له بعيون كلها دموع وقالت: "أنا اللي ربيتك... وأنا اللي هحاسبك." ومدحت فهم فورًا. وشه اتقلب، ومسكة هدوءه وقعت، وطلع سلاح من ضهره. بثينة صرخت، وصفاء استخبت، لكن الحاجة إلهام وقفت قدامه وقالت بصوت مكسور: "اضرب يا مدحت... اضرب أمك كمان."
وفي اللحظة دي، صوت عربيات الشرطة ملّى الشارع. مدحت جري ناحية الباب الخلفي، لكن البيت كان متحاصر. حاول يقاوم، حاول يهرب، لكنهم مسكوه. والحاجة إلهام كانت واقفة تبص عليه وهو بيتسحب بالكلابشات، حاسة إن قلبها
بعد شهور، الشبكة كلها اتقفشت. واتحررت بنات كتير كانوا مختفين. وصفاء بدأت تتعالج وترجع تقف على رجليها. أما الحاجة إلهام، فبقت ست تانية. بطلت تزعق، بطلت تتحكم في الناس، وبقت كل يوم تبص في المراية وتسأل نفسها هي فين غلطت لما ربت ابنها. وفي يوم، صفاء دخلت عليها المطبخ ولقتها بتعيط وهي ماسكة صورة مدحت وهو طفل صغير. صفاء قربت منها بهدوء، والحاجة إلهام قالت بصوت مخنوق: "كان نفسي أفضل شايفاه الطفل اللي كنت بخاف عليه من البرد... مش الراجل اللي الناس كانت بتخاف منه."
وعدت سنين، لكن الحاجة إلهام عمرها ما نسيت أول مرة طلعت فيها بعصاية المكنسة عشان "تعلم العروسة الأدب"... واكتشفت بدل كدة إن البيت اللي كانت فاكرة نفسها بتحكمه كان مستخبي جواه جحيم كامل، وإن أكتر الناس اللي وثقت فيهم ممكن يكونوا أكتر ناس مخبيين