دخلت شقتي بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

لكن اللي خرج منه…

ماكانش مروان لوحده.

كانوا الاتنين واقفين، ووراهم ضل تالت… طويل… مش واضح الملامح… كأنه واقف جوه البخار نفسه.

رانيا بصتلي لأول مرة من غير أي غطرسة.

وقالت بصوت مكسور: "إحنا مش اللي خانوا… إحنا اللي انخاننا من زمان."

والظل اللي وراهم اتحرك خطوة لقدّام.الابتسامة اللي ظهرت على وشّ الظل ما كانتش ابتسامة بشرية… كانت كأنها اتشقّت على وش صورة قديمة.

النور اللي طالع من الصندوق بدأ يزيد… ومعاه صوت خفيف زي همس ناس كتير بيتكلموا في نفس الوقت، بس من غير ما يتفهم أي كلمة.

رانيا رجعت لورا وهي بتغطي ودانها: "أنا مش قادرة أستحمل الصوت ده…!"

مروان كان ثابت، لكن عينيه كانت بتلمع بخوف واضح: "هبة… اقفلي الصندوق… دلوقتي!"

بصيتله بذهول: "وأقفل إزاي وهو بيتفتح لوحده؟!"

الظل رفع إيده ببطء… ومن غير ما يلمس الصندوق، الغطا اتفتح أكتر.

واللي جواه خلاني أتجمد.

مش حاجة واحدة…
كان فيه مرايات صغيرة، متكسرة، كل قطعة فيها انعكاس مختلف لبيوت مختلفة… بس كلها شبه بيتي.

وفي كل انعكاس… كنت شايفة نفسي، لكن في أوضاع مختلفة.
واحدة بتعيط.
واحدة نايمة ومش بتتحرك.
واحدة واقفة عند باب شقة مش بتخصها.

الصوت الهمس بقى أوضح: "اختاري…"

رجلي اتسمرت في الأرض.

"أختار إيه؟!"

الظل رد بهدوء: "كل بيت لازم حد فيه يكمل السلسلة… وإنتي اللي فتحتِ الباب."

رانيا صرخت: "هي ملهاش ذنب! إحنا اللي دخلنا السلسلة قبلها!"

مروان بصلي، وصوته اتكسر: "أنا حاولت أحميكي… بس خلاص… الموضوع خرج عن السيطرة."

وفي لحظة مفاجئة… النور من الصندوق انطلق في خط

مستقيم ناحيتي.

مددت إيدي غصب عني… كأني مش أنا اللي بتحرك.

لكن قبل ما النور يلمسني…

الموبايل رن تاني.

نفس الرقم الغريب.

وبصوت واحد بس، واضح وقاطع، قال: "لو لمستيه… هتكملي مكانها."

سكت.

والصندوق اتجمد في الهواء.

والظل لفّ وشه ناحية التليفون لأول مرة… كأنه سمع حاجة ماكنش المفروض تتقال.الظل لفّ ناحية الصوت… وبقى ساكت لحظة أطول من الطبيعي.

الصندوق كان معلق في الهوا، والنور اللي جواه بيخفق زي قلب بيتقطع.

رانيا همست بخوف: "هو… رجع؟"

مروان رد بصوت شبه مكسور: "ده مستحيل… إحنا قفلناه من سنين."

الصوت في التليفون رجع تاني، لكن المرة دي كان أقرب، أهدى، وأخطر:

"مفيش حاجة اتقفلت… هي بس اتأجلت."

رجعت إيدي بسرعة من قدام النور، وكأن حاجة جوايا أخيرًا صحيت.

"إنتوا بتكلموا مين؟!"

الظل اتقدم خطوة… والجو في الشقة اتغيّر فجأة، كأنها بقت أضيق.

قال: "إنتي فاكرة إنك دخلتي لقطة خيانة… لكن الحقيقة إنك دخلتي مكان اختيار."

بصيت للصندوق، لقيت المرايات اللي جواه بدأت تتغير.

مش بتعرض حياتي…
بتعرض نفس اللحظة دي… بس كل مرة بنتيجة مختلفة.

مرة مروان بيقع مكان الظل.
مرة رانيا بتختفي.
مرة أنا اللي ببقى جوه الصندوق.

الهمس زاد: "واحدة بس تكمّل الحلقة… والباقي يتشال."

رانيا فجأة صرخت: "أنا مش هبقى مكان حد تاني!"

وفي لحظة جنون… جريت ناحية الصندوق.

مروان صرخ: "رانيا لا!"

لكن كانت أسرع.

مدت إيديها للنور…

والنور ابتلعها.

ثانية واحدة بس.

وبعدين… سكون.

الصندوق قفل لوحده.

والظل وقف ثابت.

ومكان رانيا… فاضي.

مفيش صراخ.
مفيش دموع.


مفيش أي أثر.

مروان وقع على ركبته، بيهمس: "رجعت… السلسلة كملت من جديد…"

بصيت له بصدمة: "إيه اللي حصل؟ راحت فين؟"

رفع عينه ليّ لأول مرة بعيون مليانة خوف حقيقي: "دلوقتي… الدور جاي عليكِ أنتِ أو عليا."

وفجأة…

الصندوق اتفتح تاني.

لكن المرة دي… كان فيه مرآة واحدة بس.

وانعكاسي أنا.المرآة اللي في الصندوق كانت بتلمع بشكل غريب… وانعكاسي فيها مش بيتحرك معايا بنفس اللحظة.

اتأخرت جزء من الثانية.

وبعدين ابتسمت… لوحدها.

مروان وقف مكانه، صوته طالع مبحوح: "اقفلي الصندوق يا هبة… اقفليه بأي طريقة!"

لكن إيدي كانت تقيلة، كأنها مش بتاعتي.

الظل كان واقف ساكت لأول مرة، بيراقب بس… من غير ما يتدخل.

الهمس رجع تاني، لكن المرة دي كان واضح جدًا: "اختيارك هو النهاية."

المرآة بدأت تقرّب مني ببطء، كأنها خارجة من الصندوق.

كل حاجة في الشقة بدأت تهدى بشكل غير طبيعي… حتى صوت النفس.

مروان بصلي وقال بصوت منكسر: "أنا آسف… أنا حاولت أحميكي من البداية، بس اتأخرنا."

"تحميني من إيه؟!"

سكت لحظة… وبعدين قال الحقيقة اللي كسرت كل اللي قبله: "إنتي مش أول واحدة تسكني البيت ده يا هبة… إنتي بس أول واحدة توصل للصندوق وهي صاحيه."

سكون.

المرآة وقفت قدامي.

وفي اللحظة دي… شوفت الحقيقة كاملة.

مش بيت مسكون.
ولا خيانة.
ولا ظل غريب.

لكن سلسلة بيوت… كل بيت بيختار حد يعيش فيه يكمل اللي قبله، ويكون هو “المرآة الجديدة”.

كل الانعكاسات اللي شوفتها قبل كده… كانت نسخ مني في بيوت تانية.

وكل مرة… كنت برفض.

والرفض كان بيكلف حد تاني يدفع المكاني.

الصوت

الأخير جه من المرآة نفسها: "دلوقتي… يا إما تقبلي، يا إما السلسلة تبدأ من الأول… وحد تاني غيرك يدفع التمن."

بصيت لمروان… لقيته ساكت، عارف إن مفيش هروب.

وبصيت للظل… اللي لأول مرة كان بيبعد.

خدت نفس طويل.

وقربت من المرآة.

لكن بدل ما ألمسها…

كسرْتها بإيدي.

صوت زجاج بيتكسر ملأ الشقة كلها.

النور انفجر.

والصندوق اتقفل نهائي.

الظل اختفى.

ومروان وقع على الأرض، كأنه اتشال منه حمل عمره كله.

سكون كامل.

بعدها… الشقة رجعت عادية.

لا بخار… لا همس… لا مرآة.

بس حاجة واحدة فضلت:

شَرْخ صغير في الأرض مكان الصندوق… كأنه ذكرى إن كل حاجة كانت حقيقية.

بصيت لمروان، وقلت بهدوء: "لو في مرة تانية… ما تكذبش عليا."

هز راسه من غير كلام.

وخرجنا من الحمام… والشقة لأول مرة كانت ساكتة بجد.

لكن وأنا خارجة… حسيت ببرودة خفيفة في ضهري.

لفيت بسرعة…

مفيش حاجة.

بس في المراية الصغيرة اللي في الصالة… انعكاسي اتأخر ثانية… وابتسم لوحده.رجعت بصيت للمراية في الصالة تاني بسرعة… الانعكاس كان طبيعي. مفيش تأخير، مفيش ابتسامة غريبة.

وقفت ثواني أراقب نفسي وأنا مش مصدّقة.

مروان كان ورايا، صوته هادي لأول مرة: "خلصنا… خلاص."

لكن جواه كان واضح إنه مش متأكد من كلامه.

عدّى يومين.

البيت هادي، بشكل مريب. مفيش أصوات، مفيش إحساس إن في حاجة مستخبية، كأن كل اللي حصل كان كابوس طويل.

رجعنا نعيش بشكل طبيعي… أو حاولنا.

لحد الليلة دي.

صحيت على صوت خفيف جاي من الحمام.

نفس الصوت القديم… خبط بسيط، كأن حد بيحاول يفتح باب من جوه.

قمت بهدوء.

مروان نايم.

قربت من الحمام.

الضوء كان مطفي، لكن الباب… مفتوح شِبر.

وقبل ما ألمسه…

سمعت همس واضح جدًا من جوه:

"إحنا رجعنا من الأول يا هبة… المرة دي من غير اختيار."

وقتها بس… فهمت إن النهاية اللي كسرت فيها المرآة
ما كانتش نهاية السلسلة…

كانت مجرد بداية بيت جديد.

تم نسخ الرابط