حماتي صحتني

لمحة نيوز

لأن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير.
في اليوم اللي بعده، راح أحمد مع عمه وواحد من كبار العيلة بيت أبو نيرة للصلح.
قعدوا في الصالون، والكلام كله عن السمعة والناس والستر.
لكن ولا مرة حد قال كلمة البنت اتوجعت.
لحد ما أبو نيرة اتكلم أخيرًا.
كان راجل هادي طول عمره، لكن صوته المرة دي كان حاسم بنتي مش مشروع إنقاذ لابنكم.
سكت الكل.
بص لأحمد مباشرة أول اختبار للرجولة كان ليلة الفرح وإنت سقطت.
أحمد وشه احمر، وقال أنا بحبها.
رد أبوها بمنتهى البرود الحب اللي من غير حماية حمل زيادة على القلب.
نيرة كانت واقفة عند باب الصالون تسمع، وقلبها بيتقطع لأنها كانت نفسها يثبت العكس.
نفسها يقول أي حاجة تطمنها.
أي حاجة تخليها تحس إنه اختارها فعلًا.
لكن حتى في جلسة الصلح كانت أمه قاعدة جنبه، وكل ما يفتح بقه تبصله، فيسكت.
وهنا عرفت إن المعركة انتهت قبل ما تبدأ.
دخلت الصالون بهدوء، وكل العيون راحت عليها.
قلعت دبلة الخطوبة من إيدها، وحطتها على الترابيزة قدام أحمد.
وقالت آخر جملة كان لازم يسمعها
أنا مش زعلانة إن الجوازة باظت أنا ممتنة إنها باظت قبل ما أخلف طفل يتربى على إن إهانة الست اسمها طاعة.
وسابتهم كلهم ومشيت مرّت ثلاث شهور.
رجعت نيرة لشغلها بكل طاقتها، كأنها بتحاول تعوّض نفسها عن الوجع بالشغل.
كانت بتدخل المكتب بدري،
وتخرج آخر واحدة.
وفي يوم، مديرها ناداها عندنا قضية جديدة وعايزك تمسكيها.
أخذت الملف وفتحته واتجمدت.
اسم المدعية فوزية عبد الحميد.
واسم المدعى عليه أحمد عبد الحميد.
رفعت عينيها بصدمة إيه ده؟
مديرها قال قضية حجر على الأب، وخلاف على أملاك بين أم وابنها. شكلهم داخلين في حرب.
ضحكت نيرة ضحكة قصيرة، ساخرة.
الحياة أحيانًا بتكتب سيناريوهات أجرأ من أي رواية.
رفضت القضية فورًا طبعًا، عشان تضارب المصالح لكن الفضول قتلها.
عرفت بعدها من زميلة ليها إن أحمد أخيرًا حاول يستقل عن أمه، وينقل شقته باسمه الحقيقي لكن فوزية رفضت.
وقالت له الجملة اللي كانت بتقولها لكل الناس كل حاجة هنا باسمي لأنك من غيري ولا حاجة.
الجملة نفسها اللي كان لازم يسمعها عشان يفهم.
بعد أسبوع، موبايل نيرة رن.
الاسم على الشاشة أحمد.
بصت للموبايل طويلًا وبعدين ردت.
صوته كان مكسور لأول مرة كنتِ صح.
ما ردتش.
كمّل أنا خسرتك وخسرت نفسي.
سكتت ثواني، ثم قالت أوقات الخسارة بتكون أول درس حقيقي.
قال بسرعة ممكن نتقابل؟
بصت من شباك مكتبها على الشارع المزدحم تحتها.
زمان، كانت هتجري.
دلوقتي قلبها هادي.
ليه؟
عشان أعتذر قدامك من غير أعذار.
وافقت.
تقابلوا في كافيه صغير.
دخل أحمد أضعف بكتير مما تتذكره.
مفيش ثقة مفيش غرور ولا حتى دفاع.
قعد قدامها وقال أنا
آسف مش لأنك مشيتي. أنا آسف لأنك اضطرّيتي تمشي.
وأخيرًا دي كانت الجملة اللي استنتها زمان.
لكن الغريب إنها ما هزتهاش.
ابتسمت بهدوء وقالت شكراً.
رفع حاجبه بس؟
بس.
اتلخبط يعني مفيش فرصة؟
شربت رشفة قهوة، وقالت إنت فاكر إن النهاية المؤلمة لازم يكون علاجها رجوع. أحيانًا العلاج الحقيقي إننا ما نرجعش لنفس الغلط.
دمعت عين أحمد.
أما نيرة فوقفت.
مدت إيدها تصافحه.
أنا سامحتك عشان أرتاح أنا، مش عشان نرجع.
ومشيت.
المرة دي ما كانش خروج هروب.
كان خروج انتصار.
بعد سنة
افتتحت نيرة مكتبها الخاص للاستشارات القانونية.
وعلّقت على الحيطة وراء مكتبها جملة واحدة، بخط واضح
اقرأ السطور الصغيرة خاصة في العلاقات الكبيرة.
وكانت كل مرة تبص
للجملة دي تبتسم.
لأنها أخيرًا فهمت كلام أبوها
الحب بيبان بالحدود مش بالكلام بعد سنتين، كانت نيرة واقفة في قاعة كبيرة، بتقدّم محاضرة عن حقوق المرأة قبل الزواج.
القاعة مليانة بنات، بعضهم مخطوب، وبعضهم داخل الجواز بخوف وأسئلة مستخبية.
واحدة من البنات رفعت إيدها وسألت إزاي أعرف إني داخلة بيت يحترمني فعلًا؟
سكتت نيرة لحظة.
السؤال لمس مكان قديم جواها مكان اتعافى، بس أثره لسه موجود.
ابتسمت بهدوء وقالت بصي على أول مرة تقولي فيها لا وشوفي رد فعلهم.
القاعة سكتت تمامًا.
كمّلت الناس الحقيقية بتبان
وقت الحدود. أول مرة ترفضي حاجة، أول مرة تتعبي، أول مرة تختلفي ساعتها تعرفي إذا كانوا بيحبوكي كشخص، ولا كدور.
بعد المحاضرة، وهي بتجمع ورقها، لقت راجل كبير مستني بعيد.
كان حماها السابق.
اتوترت للحظة، لكنه قرب منها بابتسامة حزينة.
إزيك يا بنتي؟
ردت باحترام الحمد لله.
ناولها ظرف صغير.
ده حقك متأخر شوية.
فتحت الظرف، لقت فيه عقد بيع نصيبها الحقيقي في الشقة اللي كانت ساهمت فيها، ومبلغ مالي متحوّل باسمها.
بصت له بدهشة إيه ده؟
تنهد الرجل وقال بعد ما مشيتي البيت اتخرب فعلًا. أحمد ساب البيت، وأمه باعت كل حاجة عشان القضايا. وقبل ما أموت، كنت عايز أصلّح الغلط الوحيد اللي سكتّ عنه.
عيني نيرة لمعت، لكن مش بالدموع بالسلام.
قالت بهدوء حضرتك ما ظلمتنيش.
هز راسه بأسف السكوت أوقات بيبقى ظلم أكبر.
سابها ومشي ببطء.
وقفت نيرة تبص للظرف في إيدها ثم قفلته من غير ما تعدّ الفلوس.
لأنها أدركت إن أغلى حاجة رجعت لها ما كانتش الفلوس.
كانت نفسها.
وفي نفس الليلة، رجعت بيتها، فتحت الشباك، والهواء دخل هادي.
رن موبايلها برسالة من رقم محفوظ باسم قديم أحمد.
فتحت الرسالة.
أتمنى تكوني سعيدة بجد.
بصتلها ثواني ثم مسحتها بهدوء.
لا كره ولا وجع ولا حتى حنين.
بعدين حطت الموبايل بعيد، وبصت لانعكاسها في الإزاز.
أخيرًا شافت الست اللي كانت
بتدور عليها من أول ليلة.
ست ما خافتش تمشي لما الإهانة بدأت صغيرة.
لأن بعض النهايات ما بتبقاش خسارة.
بتبقى نجاة.

تم نسخ الرابط